[23] التكريم الإنساني

الاقتباس (تغيير الصورة)

تتجلّى معالم الروعة في الخطاب القرآني فضلاً عن انتقالاته  المحكمة من الميسور إلى المركب في الجمع الدقيق بين ما هو حسي ومعنوي برباط أخاذ يجمع بدوره وحدة الدنيوي والأخروي، محققاً نزعة التكامل بين روابط المادة والروح تصديقاً لشمولية الإسلام، وتمشياً مع قوله تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ  * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر: 27-28].

كما يتسم الوجود كله في النظرة القرآنية –  تحقيقاً وتجسيماً للمعاني  السابقة –  بإحكام المقاصد والغايات فهو في الاعتبار الأول لم يُخْلَق عبثاً وإنما يخضع بالكلية لنظام عميق ودقيق يجعله مجالاً للحياة أولاً ثم للنظر والتفكير، ووجود الإنسان نفسه باعتباره عُنْصراً من هذا الكون لا يخرج أيضاً عن دائرة القصد والتدبر والانتفاع، ذلك أن الحركة -وهي المقوم الدافع لكل نشاط وفعل- تجعل من إحكام العلاقات بين الإنسان والوجود سبيلاً غريزياً لمقاومة الانتحار الكوني ومواصلة الحياة، قال تعالى: ” وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ” [الحج: 40].

ولهذه الأسباب وغيرها يُعلي الإسلام من شأن الفكر والعمل تأهيلاً للإنسان كي يُشرف على جوانب الحياة كلها ويهيمن عليها. قال تعالى: [  وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ] [الإسراء: 70].

إن تشريف ذريَّة آدم على جميع المخلوقات بنعم الإمداد بالعقل والنطق والعلم، وتسخير جميع ما في الكون لصالحهم دلالة لها أهميتها القصوى في الفكر الإسلامي، فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »إن الملائكة قالت: يا ربنا أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون، ونحن نسبِّح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة، قال: لا أجعل صالح ذُرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فيكون« (رواه  الطبراني وأخرجه ابن عساكر).

إن تأهيل هذا الإنسان للهيمنة على جميع عناصر الكون إنما هو في  آخر الأمر مرتبة ومرحلة وجودية رائدة لإسعاده وتقوية روحه حتى يفوز بمرحلة الشهود الأرقى يوم القيامة، والأقوياء وحدهم قادرون على اجتياز هذه العقبة المادية التي زكَّى القرآن نفسه مكابدة اقتحامها قال تعالى : [ فَلَا اقتَحَمَ العَقَبَةَ * وَما أَدرىٰكَ مَا العَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَو إِطعٰمٌ فى يَومٍ ذى مَسغَبَةٍ*  يَتيمًا ذا مَقرَبَةٍ *  أَو مِسكينًا ذا مَترَبَةٍ *   ثمَّ كانَ مِنَ الَّذينَ ءامَنوا وَتَواصَوا بِالصَّبرِ وَتَواصَوا بِالمَرحَمَةِ] [البلد:11-17].

وإن تعطيل الحواس عن استكشاف أسرار الكون، وعدم التطلع إلى منزلة أرحب يعدّ أيضاً خيانة لأمانة الاستخلاف على الأرض تعوق تواصل القدرات العقلية والنوازع الشعورية لدى الإنسان، ولسوء الحظ لم تعد مطالب الاستعلاء الروحي تستهوي ضمير إنسان القرن الحديث بحكم الخضوع لبريق أوثان العصر وأغلال المجتمع.  قال تعالى: [ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ] [الصافات:69 -70].

وتحذيراً للإنسان كذلك من مغبة استحكام منزع الغرور والعناد الذي كان وراء كل ألوان تعطيل سبل المعرفة يقول القرآن الكريم:  [وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ] [الأعراف:179].