[1] الإنشاء الكوني

ويشغل البال -بوجه عام- مسائل الكون فيما يخص خلق السموات والأرض وما بينهما، وخلقهما بالحق، وزمن الخلق!.. ويشغل بال غير المسلم فيما يخضعه للرصد والمشاهدة الأمر الإلهي كن فيكون، والتسخير الكوني في شتى المظاهر الكونية.. من هنا كان للزمن ولعناصر الكون وسبحاتها، وحركاتها، وسكونها مكان بارز في القرآن الكريم.

أنشأ الله الكون فنشأ .. وأنشأ الخلق فنشأوا،  قال تعالى: ” وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ ” [النجم:47].. أما إذا استنشأنا شركة مقاولات للجسور أو للطرق فأنشأتها لنا.. فإن هذا معناه تكامل أعمال وأفعال.. ومن أين نشأت؟! معناه نهضت؟!.. ونشأت السحابة!.. معناه أنشأها الله .. ولنتأمل قول الله تعالى:

[ءَأَنتُم أَشَدُّ خَلقًا أَمِ السَّماءُ بَنىٰها * رَفَعَ سَمكَها فَسَوّىٰها * وَأَغطَشَ لَيلَها وَأَخرَجَ ضُحىٰها * وَالأَرضَ بَعدَ ذٰلِكَ دَحىٰها * أَخرَجَ مِنها ماءَها وَمَرعىٰها * وَالجِبالَ أَرسىٰها * مَتٰعًا لَكُم وَلِأَنعٰمِكُم ] [النازعات:27 -33].

[ أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ] ؟!  [الواقعة:58-59].

[ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ] ؟!  [الواقعة:64-65].

[ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ]  ؟!  [الواقعة:68-69].

[ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ] ؟! [الواقعة:71-72].

وبهذا كان الاستفهام الاستنكاري القرآني حول الخلق والتسخير والتدبير الرباني التي لا طاقة لكل البشر ببعض من أصاغرها.. حتى لو اجتمعوا له؟!.

– فهناك سؤال حول خلق السماء؟!.

– وسؤال حول نشأة المجموعة الشمسية؟!.

– وسؤال عن خلق الطاقة الحرارية.

– وسؤال حول إنزال الماء ؟!.

– وسؤال حول الزرع والزراعة؟! فنحن نحرث عملاً وأداءاً.. ونزرع مجازاً!!.

– وسؤال حول الخَلق البشري؟!.

– وفي الإجمال أسئلة حول كل شيء.. كل خلق الكون؟!.

وبداية نحن نشهد أن الله هو الخالق خالق كل شيء، المنشئ للأكوان، المنزل للماء من السحاب، وهو الزارع.. وهو الخلاّق العظيم!!.

بداية نقول أن كل ما أنشئ وخلق وسخر وأنزل وزرع وأبدع.. على الهيئة التي نراها وندركها.. فهو كوني في الاجمال، أما كل المفردات الشيئية من المخلوقات والأكوان فكونية في التخصيص!!.

[ ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ]  [المؤمنون:31].

[ ثمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْونًا آخَرِينَ] [المؤمنون:42].

وتتوالى آيات الإنشاء في القرآن الكريم لتشمل الإنسان والأشجار والسحاب والزمان والقرون والأسماع والأبصار كما يلي:

 

1- إنشاء الإنسان:

[ ثمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ] [المؤمنون:14].

[ وإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ ] [هود:61].

[ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ]  [النجم:32].

[ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ] [يس:78-79].

2- إنشاء السمع والأبصار.

[ وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ] [المؤمنون:78].

[ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ] [الملك:23].

3– الإنشاء من نفس واحدة.

[ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ] [الأنعام:98].

4 – إنشاء الأشجار والجنات والنخيل.

[ فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ]  [المؤمنون:19].

[ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ] ؟! [الواقعة:71-72].

[ وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ] [الأنعام: 141].

5- إنشاء السحاب الثقال.

[ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ [الرعد:12].

 

6- إنشاء الأقوام.

[ وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِين]َ [الأنبياء:11].

7- إنشاء القرون والأزمنة.

[ فأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِين]َ [الأنعام:6].

[ ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ] [المؤمنون:31].

[ثمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْونًا آخَرِينَ] [المؤمنون:42].

[ وَلَٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ] [القصص:45].

9- الإنشاء الآخرة.

[ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير]ٌ [العنكبوت:20].

[ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ] [النجم:47].

10- إنشاء الأرض.

ويأتي السؤال القرآني الخاص بخلق الأرض في قوله تعالى:

[ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ]  [فصلت:9].

ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حقاً وصدقاً..!!

إنشاء الكون أو خلقه – معناه إبداع خلقه من لا شيء…

 

11 . إبداع الكون

ومن هذه البداية الإبداعية للخلاق العزيز العظيم تجلى لنا خلق الماء، وخلق السموات والأرض، وما بينهما، وما فيهما، ومن فيهما.. هو الأول، وهو الآخر.. وما كان الخلق إلا بالحق وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق!!.

والله خالق كل شيء خالق الزمان حيث كان الزمان عدماً!.. وهو الذي خلق الليل والنهار!.. وخلق الكون في ستة أيام ثم استوى إلى السماء، واستوى على العرش، يدبّر الأمر في الكون ألا له الخلق والأمر.. و إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون!!.

وهكذا فإن العمل الإنشائي عمل منظومي لجملة مكونات تؤثر في بعضها البعض: المداخل والسلالم والممرات، الصالات، الحجرات، المطابخ، الحمامات، الدورات، الأبواب، الشبابيك.. وكل مسخرة لخدمة المنشأة!!.

ومفهوم السُخْرَة عند العوام هو العمل بلا أجر!! وسخّر الله معناه أنه خلق مجمعات منظومية لخدمة الإنسان؟؟!!.

ويضع الله عز وجل الكون المادي في كفة المحسوس الملموس في إطار الشيئية خالق كل شيء!. ويجعل من القرآن المرآة الكونية المعنوية الإطارية الشاملة كل شيء.. ويقول تعالى: [ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ] !!. [ الأنعام : 38]

وهو سبحانه وتعالى وحده الذي سخّر الكون، وسخر كل المخلوقات.. ما في السموات، وما في الأرض، وما بينهما، ومن فيهما.. لإسعاد الإنسان خليفة الله في الأرض.. ومن هنا كان الإنسان مكلفاً شرعاً باستغلال كل ما خلق الله وسخر من شيء من أجل الإنسان خليفته في الأرض!!.

ويشغل البال -بوجه عام- مسائل الكون فيما يخص خلق السموات والأرض وما بينهما، وخلقهما بالحق، وزمن الخلق!.. ويشغل بال غير المسلم فيما يخضعه للرصد والمشاهدة الأمر الإلهي كن فيكون، والتسخير الكوني في شتى المظاهر الكونية.. من هنا كان للزمن ولعناصر الكون وسبحاتها، وحركاتها، وسكونها مكان بارز في القرآن الكريم.

والحال كذلك.. فالمنظومة الكونية.. خلق وتسخير وتدبير، وكما أراد الله لها أن تكون.. جاءت بكمال وتمام إبداعه: [ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ] [يس:82]. [1]

[1]  نظرات في الكون والقرآن –  د – عبد الهادي ناصر – ص 91 – 93

بواسطة |2022-02-16T12:00:30+03:00فبراير 15th, 2022|
اذهب إلى الأعلى