ميلاد آدم هو ميلاد الحضارة وتغيير وجه الأرض

الاقتباس (تغيير الصورة)

كان ميلاد الإنسانية الأول – ممثلاً بآدم عليه السلام – في الاحتفال الخاص الذي أعلنه الله في الملأ الأعلى، في جنة الله العالية، إعلاناً من الخالق الحكيم، في كتابه المتلو إلى يوم القيامة؛ وإيذاناً منه بتسليم هذا الإنسان  مقاليد الخلافة في الأرض بعد أن مهدها  الله له، لتكون موطئاً لقدميه، وبعد أن جعلها له فراشاً ومهداً، وبعد أن طحاها ودحاها، وأخرج له منها ماءها ومرعاها، وبعد أن ذلّلها بين يديه يتبوأ منها حيث يشاء، وبعد أن سخّر له النواميس كلها .. الشمس والقمر.. والليل والنهار.. والرياح والسحاب.. المياه والأمطار . . البحار والأنهار .. الدواب والأنعام . . الأشجار والثمار . . وغير ذلك من النواميس.

وبعد أن فتح الله الجليل له أسرار الكون، وعلّمه الأسماء كلها ومدلولاتها وطريقة التحكم فيها، وأودع فيه من الأسرار والملكات المادية والروحية – ما أودع – في تكوينه الجسدي والعقلي والنفسي ما يسخر به هذا الوجود لخدمته والتذلل بين يديه.

كما أمدّه سبحاه وتعالى بالعقل ليعمر هذه الأرض بأمره تعالى، وأسجد له الملائكة تحية الإكبار والإجلال لصاحب العقل الكبير والإيمان المستنير، ولتساعده في أداء هذه المهمة الجليلة التي من أجلها خلق، وعليها يحاسب، وهي السيادة على الأرض وعمرانها.

هذه الأرض التي بلغ عمرها بلايين السنوات أراد الله لها أن تعمر، وأن يكون الإنسان هو الذي يعمرها، ومن أجل ذلك فقد اصطفى الخالق العظيم هذا الإنسان من سائر مخلوقاته لهذه المهمة،  وليكون خليفته في أرضه – وهو شرف عظيم اشرأبت له أعناق الملائكة.

قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً  قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ* وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ [البقرة: 30-33].

ولماذا هذا الاصطفاء للإنسان؟ لماذا مكنّه ربه في الأرض لتكون موطئاً لقدميه يتبوأ منها حيث يشاء؟

ولماذا كل هذه الرعاية لهذا الإنسان، وقبل أن يُولد، وهو نطفة صغيرة لا تكاد ترى بأدق المجاهر الإلكترونية – يحملها بين يدي الرحمن ملك كريم – ملك الأرحام، وهو يسأل الخالق العظيم عن ماهية هذا المخلوق الجديد الذي لا تراه العيون ولا تدري عن دوره المقدّر في عمارة هذا الكون؟

فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله r قال:{النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك الأرحام بكفه فقال: يا رب مخلقة أم غير مخلقة فإن قيل غير مخلقة لم تكن نسمة.وقذفها الرحم دماً.وإن قيل مخلقة.قال: يا رب ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ وما الأجل؟وما الأثر؟ وما الرزق؟ وبأي أرض تموت}[1]

وعن حذيفة بن سعيد رضي الله عنه، أن رسول الله r قال: {إذا  مرّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله لها ملكاً فصوّرها وخلق سمعها وبصرها وعظامها ولحمها وجلدها ثم قال: أي رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك}.[2]

ثم الله – بذاته العلية – يصوّر هذا النطفة الأمشاج في الأرحام كيف يشاء، ويتابع تطور خلقها وتسويتها في ظلمات ثلاث، وينفخ فيها الروح حتى يصبح المخلوق الجديد بشراً سوياً، وجعل له بعد ذلك القلب واللسان والشفتين، والكبد والكليتين، والسمع والبصر والفؤاد.

لماذا هذا الاهتمام بهذا الإنسان خلقاً وتسوية: في عينيه وسمعه وبصره، في قلبه وفؤاده، في جسده وعظامه،  في لسانه وشفتيه، حتى تمييز بنانه؟ ولماذا هذا التكريم والتفضيل على كثير من خلق الله؟ ولماذا تسُخّير كل نواميس  الكون له؟ ولماذا تبوأ هذه المكانة السامية في الأرض والسماء؟ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].

وما كل ذلك إلا لأن الإنسان هو الغاية من خلق هذا الكون، والثمرة المنتظرة فيه، ذلك الكون الواسع الرحب، الذي سبق ميلاد الإنسان بحوالى 13.700 مليون من الأعوام، وما يمثّل متوسط عمر حياة الإنسان بالنسبة لعمر هذا الكون بأكثر من صفحة واحدة من 250 مليون صفحة من صفحات هذا التاريخ الكوني.

وعلى الرغم من أن عمر الإنسان وسط بين أعمار بعض المخلوقات، بل قصير جداَ مقابل أعمار بعضها، فقد منحه الخالق العظيم قدرة نادرة على التخيّل واستيعاب الزمن كله كأن حياته تمتد من الأزل إلى الأبد.

وما كان إعداد هذا الكون وبناء خزائنه في السماء والأرض، وما كان إرساء الجبال، وما كان إخراج المرعى، وخلق الأشجار والزروع، وما ملأ الله به أحواض المياه في قاع الأرض من مياه، وما كان تسخير البحار وجريان الأنهار إلا من أجل هذا الإنسان.

وما بثّ الخالق العظيم الأرض من ملايين الأنواع من الحيوانات والدواب والطيور والأسماك والخشرات، ما كان منها حياً عند ميلاد الإنسان الأول أو كان قد اختفى في بطونها إلا كانت حياته وموته مسخّرة لهذا الوليد الجديد.

ويتزامن انتهاء حياة البشر في الأرض مع انتهاء أجل هذا الكون، وما يصاحب ذلك من تبدل في النواميس التي تحكم الحياة، وتفطّر السماوات، وانكدار النجوم وتفجّر البحار، ويتم ذلك كله في وقت واحد وبأمر إلهي واحد مع انتهاء أجل الإنسان وإرجاع الإنسانية إلى ربها مع كل الملائكة والجن والدواب والوحوش والطيور وسائر المخلوقات قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104].

[1] رواه مسلم – الحديث 6668.

[2] رواه مسلم – الحديث 6670.