] عالم الذر والخارطة الجينية للإنسان

القتباس (تغيير الصورة)

أولاً: عالم الذر:

عالم الذر عالم عجيب مثير، فتحه الله للبشرية في القرن العشرين  لتعلم عنه شيئاً يسيراً، إنه عالم الشيفرة . . عالم الكلمات، كلمات الله التي لا يحدّها حد ولا يبلغ تعدادها عدّ . . ولا يحيط بها تصوّر، ولا يبلغها خيال.

إنّ أجسامنا تحوي ما يقارب 140 تريليون خلية، ولو تم توزيع هذا العدد على سكان الأرض جميعاً لكان نصيب كل منهم ما يقارب 20.000 خلية.

وكل خلية تحتوي على ألوف الناسلات والجينات.. وهذه تشمل كلمات من كلمات الله تعالى المبثوثة في الكون الواسع، حيث تتناغم حروف ثلاثة لثلاثة قواعد أمينية لتكوّن كلمة.. وتحت الكلمة أسرار وصفات.. صفات جسدية وصفات نفسية وصفات سلوكية.. وتحت الكلمة معامل، لا تتسع لها معامل الأرض بأكملها.. ثم تنتقل الصفات وتنتقل الكلمات عبر هذه الناسلات.

وكل ناسلة تحتوي مجموعة من الكلمات، وتؤدي وظائف وتحمل أسراراً  لا يحيط بها ولا يدرك مداها إلا علاّم الغيوب.

والجينات والناسلات هي التي تحدد الصفات و الملامح والشيات . . وتنقل إليها من الآباء والأمهات أسرارهم وطباعهم وألوانهم وخصائصهم ، مع تفرّد كل واحد منا عمن سبقه وعمن لحقه وعمن عاصره وعايشه. ولو أنك جمعت ناسلات البشرية كلها فإنّ حجمها لن يزيد عن رأس دبوس.. وفيها أسرار وعلوم وكلمات – لا يكاد يتصوّرها  عقل.. فكيف بالإحاطة بها؟ فلا يحيط بها إلا خالقها وبارئها ومنشئها.

فلنبق مع هذا العالم العجيب – المتناهي- نملّى آيات الله وننبهر حتى الأعماق – ولترتعش كل ذرة من كياننا بالتسبيح والتكبير والتهليل ولتنسجم مع تسبيحات الملائكة الحافة حول العرش العظيم قائلين: “سبحان الله – والحمد لله – ولا إله إلا الله – والله أكبر – ولله الحمد”.[1]

وكم يعجب الملحدين في هذا العصر أن يكون الإنسان في الكون وحده، بلا خالق ولا غاية ولا رقيب!· يرددون كلمة (التطور) بلا وعي ولا تدبر . .  وينسون أن الكروموسومات في الجسم، مثلاً، تدحض هذه الآلية العمياء، والصدفة الحمقاء، وانعدام القصد، وسائر ما إليه يذهبون!·

إن للكروموسومات عدداً ثابتاً في كل نوع من إنسان وحيوان·· وبها يختلف النوع، ويتحدد الجنس·· بل إن كل فرد من البشر مخلوق متميز تماماً بهذه الصفات، ليس له نظير سابق، ولن يكون له نظير لاحق·· وأنت تتعرف على تميّزه من شكله، وطريقة كلامه، وتعابير وجهه، وبصمة بنانه، وكيفية مشيته، وردود فعله على كل ما يحدث حوله·· كما تتعرف عليه من محتويات ذاكرته التي لا يشاركه فيها غيره·

قال العالم لويس ألبرت: (نحن لا نعرف شيئاً عن هذا التخلق النشط للخلية كيف كان، ولا نعرف كيف علمت كل خلية موضعها، وكيف قرّرت ماذا ستكون··).

ويقول جميس كونانت وهو رئىس سابق لجامعة هارفارد: (إن ما تخيله دارون عن التطور كيف حدث ويحدث، قد تغير اليوم تغيراً يؤكد أن نظريته القديمة قد ذهبت، وحل محلها شيء جديد· وأن الذين يستخرجون من الكتب المدرسية قناعاتهم، لا يدركون أن العلماء قد يفنون أعمارهم بين ملاحظات خاطئة، وأحكام مطلقة مضللة·· وأن الحقيقة تظل مطلب الإنسان، ينشدها -حيث كان- بتجرد وصدق وإخلاص)·

{فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون}[الروم:30]·

ثانياً: الخارطة الجينية للإنسان:

تعتبر قصة هذا الجينوم من أغرب القصص حديثاً، وأعقدها تركيباً، وأصغرها حيزاً، إذ لا تتجاوز أبعاده ميكرونات معدودة – ومن المعلوم أن 100.000 ميكرون تعادل سنتيمتراً واحداً فقط.

والجينوم لا يخبر القلب متى ينبض، و لا يخبر العين متى تطرف، ولا يخبر العقل متى يفكر، وحتى إذا كانت الجينات تحدّد بالفعل بدقة مدهشة بعض معالم الشخصية الإنسانية والذكاء والطبيعة البشرية، إلاّ أنها تعرف متى تعطيها تفويضاً. فالجينوم يستخلص معلومات من العالَم بالانتخاب الطبيعي ويجسّد هذه المعلومات في تصميماته.

وتشكل معالم هذه الخريطة الجينية الوراثية للإنسان Human Genome الـ DNA التي تتكون من 3.2 بليون عنصر كيماوي ثورة في علوم الحياة، وفي دراسة هذا الإنسان الذي عجزت البشرية عن كشف جميع أسراره منذ ميلاد الإنسان الأول منذ مئات القرون وحتى الآن.

وهذا العنصر الكيماوي – الجينوم أو ما يسمى الكتاب المجهول، أو الكتاب العظيم، أو كتاب الحياة – معجزة إلهية كبرى .

إنه حاسوب معالج للمعلومات Data Processor وسجل مرقوم لماضي الإنسان المرضي Historical Medical Record وكتاب طبي لجميع الأمم والأعراق  National Medical File Box تم فيه تدوين التاريخ المرضي للأوبئة والأمراض Ancient Record for Man Diseases خلال القرون الماضية.

وقصة هذا الجينوم يمكن تدوينها في موسوعة ضخمة تضم 1.2 مليون صفحة  وضمن 4000 كتاب يتكون كل منها من 300 صفحة، ولو حاولنا قراءتها بصوت مسموع لاحتجنا إلى عمرنا كله – 50 عاماً – من  القراءة المستمرة التي يتيه فيها القارئ كالذي يتيه في صحراء ليلة مظلمة.

ويمكننا إعادة توزيع هذه الموسوعة الضخمة على 24 جزءاً يمثل كل منها ما يسمى بالصبغي أو الكروموزوم  وتتألف حروفه من 60.000 صفحة وما يعادل 200 كتاب.

ويمكن كتابة أحرف الجينوم البالغة 3.2 بليون حرف على خط طوله متران، وهو الطول الفعلي لمجموع الصبغيات الموجودة داخل النواة، ولكننا لو كتبناها على شكل خط مستقيم وبالحجم  التالي نفسه AACCTAGGTTAAC  فإن طول هذا الخط سيبلغ 5.000 كم، وهي المسافة بين الكويت ولندن أو بين نيويورك وباريس، أو ما يعادل 0.8 نصف قطر الكرة الأرضية.

ولو أردنا كتابة المعلومات الوراثية الموجودة في خلية واحدة من خلايا جسمنا لملأت 1.5 مليون صفحة من القطع العادي. ويقدَر مجموع طول خيوط الحامض النووي الموجود في خلية واحدة من خلايا  الجسم بحوالى 10 أمتار، وإذا علمنا أنّ عدد خلايا الجسم البشري تبلغ حوالى 140 تريليون خلية فسيكون الطول الكلي للمادة الوراثية للطفل الوليد ما يقارب 1.000.000 مليون كم، وهو ما يعادل 10/1 مما يقطعه الضوء في  سنة واحدة، أو ما  يعادل 6700 مرة المسافة بين الأرض والشمس، وما يعادل الدوران 25 مليون مليون مرة حول خط الاستواء، ولو تمت كتابة المادة الوراثية على حاسوب لاحتاجت إلى 750 ميغابايت.

وتتميز هذه الكتابة الطويلة للمعلومات الوراثية بأعلى درجات الدقة والإتقان الرائع، فلكل حرف مكانه الخاص، وإن مجرد تغيير حرف من مكانه في هذه الكتابة الطويلة البالغة 5.000 كم فإن ذلك قد يسبب موت طفل وليد، وهو ما يسميه العلماء بأمراض الطفرات الوراثية.

ولتتابع مفهوم الدنا DNA بتعبير عددي بسيط؛ فهو يتألف من 3.2 بليون زوج من القواعد، وهذه المعلومات تكفي لتشفير نحو 100.000 – 300.000 جين، والجين هو منطقة من الدنا يمكنها أن تحدد بروتيناً أو أي تركيب آخر يقوم بمهمة ما في الكائن الحي. ولا أحد يعرف عدد الجينات حقاً، لأننا لا نعرف متوسط حجم الجين البشري، وتقدير العلماء لعدد الجينات في الإنسان بحوالى 100.000 جين، ويتألف من نحو 30.000 زوج  من القواعد – وهذا تقدير معقول لحد كبير، لكن ثمة جينات طولها (10.000) زوج من القواعد، وبذا فقد يكون هناك 300.000 جين.

إنها أرقام لا نستطيع أن نقرأها عداً، أو أن نستوعبها ونتدبرها، وهي كلها مغموسة في داخل أجسادنا مهما صغرت، ما بين الطفل الوليد إلى الشيخ ذي التسعين عاماً. إنّ من أصعب الأمور التي تواجه علماء الأحياء ليس في قراءة هذه الشيفرة الوراثية فحسب بل في الفهم الصحيح لها، وهذا الفهم الذي قد يمتد إلى عشرات بل إلى مئات السنين، وقد لا تصل الإنسانية أبداً إلى الفهم الكامل والتام لكيفية عمل المورثات التي تعمل في أجساد 7.8 بليون من البشر، يعيشون على وجه الأرض و قد سبقهم إليها وخلال المئات من القرون أضعاف هذا العدد مما لا يتسع معه الزمان والمكان للإحاطة بهم، فوزن الكتلة الحيوية Biomass العائدة لسكان الأرض حالياً تقدر بـ 300 مليون طن.

إنّ المعلومات التي يحملها الدنا، تلك المعلومات الوراثية التي وصلتنا عن طريق جميع آبائنا، هي أهم ما يمتلك الجسم. وسيكون حلّ تتابع الدنا البشرية بمثابة خطوة تاريخية إلى الأمام بالنسبة لمعارفنا. وحتى بعد أن ننتهي من هذه الخطوة فسنظل في حاجة إلى الرجوع  إلى التتابع نحاول أن نكمل من كشف أسراره أكثر وأكثر، ولكن لن يكون ثمة المزيد من معلومات قاعدية أو جوهرية.[2] [3]

إلهنا العظيم:

أين وضعت الملايين بل البلايين من هذه الأجهزة الميكروسكوبية التي لا تراها العيون في أجساد كل البشر، وفي أجساد كل الحيوانات والدواب والطيور والحشرات، وفي خلايا الأشجار و النباتات، وهي تعمل في مواضعها الصحيحة بكفاءة لا تضاهيها كفاءة أي جهاز اخترعته يد الإنسان!؟  من الذي قدّر أحجام  وأشكال ووظائف هذه الأجهزة وعلاقتها ببعضها البعض؟ إنه الله الخالق البارىء العليم القدير.

[1]   خلق الإنسان بين الطب  والقرآن – د. محمد علي البار، ص 143-145 –  الدار السعودية للنشر والتوزيع – ط10- 1983م.

[2]   الجينوم، السيرة الذاتية للنوع البشري–مات ديدلي، ترجمة د. مصطفى إبراهيم فهمي-ص 20، 64، 85–سلسلة عالم المعرفة–العدد 275– نوفمبر 2004م.

[3]   العصر الجينومي – د. موسى يخلف – سلسلة عالم المعرفة – العد 294، يوليو 2003 م.