تسخير الله الأرض

بلغ حجم الأرض 1.100.000.000.000 كم3،

يبلغ وزن الأرض 5960.000.000.000.000.000  طن وتشكل القارات  29 % من مساحتها وتشكل البحار والمحيطات 71% منها.

قال تعالى: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ﴾ [الذاريات: 20]

الأرض ذلك الكوكب الصغير من توابع الشمس التي ندور في فلكها ونعيش على ضوئها وحرارتها. هذه الأرض التي نعيش عليها ونتنفس هواءها ونشرب مياهها ونأكل خيراتها ويشاركنا فيها ملايين الأجناس والأنواع من العائلات الحيوانية والنباتية في البر والبحر والجو ومنذ ألوف  القرون وقبل أن تطأ أقدام الإنسان الأول عليها.

وهذه الأرض لا نبلغ شيئاً من حجمها ولا شيئاً من حقيقتها الكبرى ولا نعلم عنها إلا النزر اليسير الذي كشفه الله لنا من أسرارها في كتابه الخالد أو بما هدانا الله من إمكانيات مادية.

إنها هباءة بسيطة هائمة – لو نظرنا إليها من علٍ بأدق التلسكوبات الإلكترونية  –  في خضم ملك الله الواسع العريض الذي لا يحيط به عقل أو يستوعبه قلب.

يبلغ حجم الأرض 1.100.000.000.000 كم3،

يبلغ وزن الأرض 5960.000.000.000.000.000  طن وتشكل القارات  29 % من مساحتها وتشكل البحار والمحيطات 71% منها.

وقد جعل الله الأرض  للإنسان مهاداً ، وجعلها له ذلولاً، وجعلها له بساطا ، كما جعلها له فراشاً، وجعلها قراراً، وجعلها مهداً، وجعلها كفاتاً.

وقد دحاها ربنا، وكوّر ليلها ونهارها، وأنقصها من أطرافها، وخلق كل ما فيها، وسخّره للإنسان، كما سخّر له أيضاً الشمس والقمر، الليل والنهار، البر والبحر، السحاب والرياح، الثلوج والأمطار، الدواب والحيوانات، الطيور والأسماك، الجبال والأنهار، اللؤلؤ والمرجان.

والله كذلك جعل سقفها محفوظاً، وأغطش ليلها، وأخرج ضحاها، أنار قناديلها، وجعلها آيات لأولي الألباب .. وآيات للموقنين. قال تعالى :﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن:10]

تسير في الأرض بالليل والنهار .. تقطع الفيافي والقفار .. تركب القطارات والطائرات    .. وتخترق الأنفاق .. وتغوص في أعماق المحيطات .. تسابق الرياح .. كما تسابق الزمان .. تستخدم التلسكوبات وتنظر إلى الفضاء .. وإلى أعماق المحيطات .. وتستخدم أدق الحاسبات الإلكترونية لتحسب في ثانية واحدة ما حسبته الإنسانية خلال عشرات القرون.

وتقرأ التاريخ عبر الزمن الممتد في اللانهاية في الماضي .. فلا تدري أين وصلت واين أنت ومن أنت..؟

تنظر إلى جبالها الشامخات .. وأغوارها .. ووهادها .. وهضابها .. تقف خاشعاً بين يدي من قال للأرض والسماوات العلى:﴿ ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ [فصلت: 11].

تنظر إلى معادنها النفيسة وتنظر إلى خاماتها الدفينة .. كم تتصارع البشرية من أجل قطرات من بحار نفطها وخزائن بترولها .. وكم من مليارات البراميل تستخرج من أحشاء بطونها في كل يوم ..؟

وكم من بلايين الأطنان من صخورها وجبالها تستخرج منها في كل دقيقة من حياتنا، نبني بها أنفاقنا وعماراتنا الشامخة وأبراجنا العالية .. كم نأكل من خيراتها التي لا تنضب .. من خزائن الله الذي له ملك السماوات والأرض؟

وها هي تخرج لنا من بطونها في كل يوم؛ من الثمار والحبوب والخضار والزيوت والأعشاب، ومن المعادن والنفط والغازات الطبيعية، ومن الحجارة والرمل والحصباء والسيلكا، ومن ..ومن….بلايين الأطنان من شتى الأنواع والمركبات الكيماوية وغيرها.

ولو قمنا بتقسيم هذه الكميات الهائلة التي يخرجها الله من بطن الأرض على سكانها الذين يتجاوز عددهم الان 7.85 بليون من البشر لكان نصيب كل منهم ما يزيد على 2 طن في العام الواحد، وما يزيد على 100 طن في متوسط حياة الإنسان.

ومن هذه النواتج نبني البيوت والمساكن والعمارات الشاهقة؛ كما نبني الأبراج والأنفاق والطرق والشوارع والمرافىء البحرية، ونبني المحطات الكهربائية والنووية ومحطات الاتصالات، وننشىء السدود ومصانع الحديد والفولاذ، ونصنع الطائرات والقاطرات والسيارات والشاحنات ووسائط النقل والبواخر العملاقة والسكك الحديدية، كما نصنع الثلاجات والغسالات وأجهزة التكييف والتبريد والآت التصوير، والأبواب والشبابيك وأدوات الحراثة والسباكة والطهو … وغيرها من الأجهزة والمعدات التي تقدم الرفاهية للإنسان.

ومن نواتج الأرض: نأكل أطيب الطعام؛ من لحوم الأبقار والأغنام، ومن لحوم الأسماك والطيور والغزلان. ونشرب حليب البقر والإبل والضان، ونأكل الزيت والزيتون والخضار والحبوب، كما نأكل العسل والفواكه والأعناب والتين والرمان. فهل لهذه الأصناف خالق غير الله؟ وهل هي مسخرة عبثاَ؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

وهذه الأرض – هي أرض الله – وهي ملكه، فهو الذي خلق كل ما فيها وكل ما عليها، ولا يخفى عليه من أسرارها شيء، ولا يعزب عن علمه شيء منها ولو كان مثقال ذرة.

هذه الأرض خلقنا الله من ترابها .. وفيها سيعيدنا .. ومنها سيخرجنا تارة أخرى .. هذه الأرض كشف الله لنا من أسرارها ما كشف .. وذكر لفظها في محكم تنزيله 461 مرة، وليس هناك لفظ قرآني بعد لفظ الجلالة ذكر أكثر من لفظ الأرض وما ذلك إلا لأهميتها، فقد ذكر جبالها 39 مرة، وذكر سهولها وهضابها ووديانها وأنفاقها عشرات المرات، وربطها مع السماء والسماوات 310 مرات.

وقد تناول القرآن الكريم الأرض خلقاً وميلاداً، تدبيراً وتصريفاً، دوراناً وحركة، طاعة وخشوعاً، سجوداً وتسبيحاً، وهي أثر من آثار قدرته تعالى في الخلق والتقدير وطلاقة المشيئة. وهذه هي الأرض التي سخرها الله ووضعها  للإنسان. قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ* وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 10- 13].كما جعلها تعالى على كبرها وضخامتها مذلًلة بين يديه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ  وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15].

والله جعل هذه الأرض “ذلولاً” كالدابة! فالأرض هذه التي نراها ثابتة مستقرة ساكنة، هي دابة متحركة .. بل رامحة راكضة مهطعة! وهي في الوقت ذاته ذلول لا تلقي براكبها عن ظهرها ولا تتعثّر خطاها، ولا تخضّه وتهزّه وترهقه كالدابة غير الذلول!

ثم هي دابة حلوب مثلما هي ذلول! وهذه الدابة التي يمسك الله بزمامها فلا تثور إلا بقدر، ولا تجمح إلا لثوان، وفي ثورانها وجموحها يكون الخطر، فهي تتحوّل من دابة ذلول إلى وحش جموح.

أرأيتم إن فتحت أفواهها في بركان أو رقصت رقصاتها المرعبة في زلزلال، واصبحنا نحن البشر فزعين مذعورين لا نملك غير السجود لخالقها ومسيّرها، ومتضرعين أن يعيد إليها هدوءها واستقرارها!

وهذه الدابة الذلول التي تتحرك كل هذه الحركات الهائلة في وقت واحد، ثابتة على وضع واحد في أثناء الحركة، يحدّدها ميل محورها بمقدار 23.5 درجة، لأن هذا الميل هو الذي تنشأ عنه الفصول الأربعة مع حركة الأرض حول الشمس الذي لو اختل في أثناء الحركة لاختلت تلك السنون التي تترتب عليها دورة النبات بل دورة الحياة كلها في هذه الحياة الدنيا.

ولقد جعل الله الأرض ذلولاً للبشر بأن جعل لها جاذبية تشدهم إليها في أثناء حركاتها الكبرى، كما جعل لها ضغطاً جوياً يسمح بسهولة الحركة فوقها.

ولو كان الضغط الجوي أقل من هذا لتعذّر أو تعسّر على الإنسان أن يسير ويتنقل – حسب درجة ثقل الضغط – فإما أن يسحقه أو يعوقه.

ولو كان الضغط الجوي أخف لاضطربت خطى الإنسان أو لانفجرت تجاويفه لزيادة ضغطه الذاتي على ضغط الهواء حوله، كما يقع لمن يرتفعون في طبقات الجو العليا بدون تكييف لضغط الهواء!

والله جعل الأرض ذلولاً ببسط سطحها وتكوين هذه التربة اللينة فوق السطح، ولو كانت صخوراً صلدة – كما يفترض العلم بعد برودها وتجمّدها – لتعذر السير فيها ولتعذر الإنبات فوقها.

والعوامل الجوية من هواء ورياح وأمطار وغيرها هي التي تفتّت هذه الصخور الصلدة، وينشىء الله بها هذه التربة الخصبة الصالحة للحياة، وكما ينشأ ما في الأرض من النبات والأرزاق التي يجلبها راكبو هذه الدابة الذلول.

والله جعل الأرض ذلولاً بأن جعل الهواء المحيط بها محتوياً للعناصر التي تحتاج الحياة إليها، بالنسب الدقيقة التي لو اختلت فيها ما قامت الحياة، وما عاشت إن قدّر لها أن تقوم من الأساس، فنسبة الأكسجين فيه هي 21 % تقريباً ونسبة الأزوت أو النيتروجين هي 78 % تقريباً، والبقية من ثاني أكسيد الكربون بنسبة ثلاثة أجزاء من عشرة آلاف جزء إضافة إلى عناصر أخرى، وهذه النسب هي اللازمة بالضبط لقيام الحياة على الأرض!

والله جعل الأرض ذلولاً بآلاف من هذه الموافقات الضرورية لقيام الحياة، ومنها حجم الأرض وحجم الشمس والقمر، وبعد الأرض عن الشمس والقمر، ودرجة حرارة الشمس وسمك قشرة الأرض وسرعة الأرض وميل محورها ونسبة توزيع الماء واليابس فيها، وكثافة الهواء المحيط بها .. إلى آخره .. وهذه الموافقات مجتمعة هي التي جعلت الأرض ذلولاً، وهي التي جعلت فيها رزقاً، وهي التي سمحت بوجود الحياة، وبحياة هذا الإنسان على وجه خاص.

والله جعل الأرض ذلولاً بأن جعل الإنسان فوق ظهرها كمن يركب سفينة فضاء سقفها الغلاف الجوي الذي تتعدّد وظائفه وخدماته في حين يبقى جو دنيانا مكيفاً بحيث تقوم السفينة بإرسال نفس الطاقة التي تكتسبها من الشمس إلى الفضاء محافظة بذلك على نفس معدلات درجات الحرارة على مرّ ملايين السنين .[1] [2]

وهذه الدابة التي نركبها تدور حول نفسها بسرعة 1600 كم في الساعة، ثم تدور مع ذلك حول الشمس بسرعة حوالى 100.000 كم في الساعة، ثم تركض هي والشمس والمجموعة الشمسية كلها بمعدل 32.000 كم في الساعة مبتعدة إلى مستقرها نحو برج الجبار في السماء.

ومع هذا الركض كله يبقى الإنسان على ظهرها آمناً مستريحاً مطمئناً معافىً لا تتمزّق أوصاله، ولا تتناثر أشلاؤه، بل لا يرتجّ مخه، ولا يدوخ، ولا يقع مرة عن ظهر هذه الدابة الذلول!

وهذه الحركات الثلاث لها حكمة، وقد عرفنا أثر اثنين منها في حياة هذا الإنسان، بل في الحياة كلها على ظهر هذه الأرض، فدورة الأرض حول نفسها هي التي ينشأ عنها الليل والنهار، ولو كان الليل سرمداً لتجمدت الحياة كلها من البرد، ولو كان النهار سرمداً لاحترقت الحياة كلها من الحر.

ودورة الأرض حول الشمس هي التي تنشأ عنها الفصول، ولو دام فصل واحد على الأرض ما قامت الحياة في شكلها هذا كما أرادها الله، أما الحركة الثالثة – فلم يكشف ستار الغيب عن حكمتها بعد، ولا بد أن لها ارتباطاً بالتناسق الكوني الكبير.

فهل أحسست أيها القارئ يوماً وأنت على ظهر الأرض بدورانك حول الشمس؟ وهل أصابك الدوار من جراء هذه الدورة التي تتكرّر كل عام؟ وهل أحسست بجريان الشمس التي تنهب الفضاء نهباً؟ وها هم علماء الفلك والطبيعة يخبروننا بأن الكواكب السيارة بما فيها الأرض تدور حول الشمس طبقاً لقوانين “كبلر” وقوانين الجذب العام، وأنّ الأرض وهي تسير في فلكها تجذبها قوة وتدفعها أخرى تعادلها، ولذا فهي تسبح في فلكها.

والله عز وجل هو رب الأرض وفاطرها ومالك خزائنها وكنوزها، فهذه خزائن الماء الأساسية المكونة من الهيدروجين والأكسجين، وهذه خزائن الرزق المتمثلة في النبات الأخضر المكونة من النيتروجين في الهواء، والكربون والأكسجين المركب في ثاني أكسيد الكربون وتلك الأشعة التي ترسلها الشمس إلينا وهي كلها جميعاً من خزائن رحمته وفضله.[3]

وأودع الله في قشرة هذه الأرض حوالى 3000 نوع من المعادن المختلفة  الألوان والمواصفات والإستخدامات وهي تشكًل قوام حياة الإنسان ورفاهيته، وهذه المعادن تتكون أصلاً من مزيج لعنصرين أو أكثر من 100 عنصر توجد بصورة طبيعية في الكرة الأرضية، ولولا هذه الخامات لما قامت حياة راقية للبشر على سطح الأرض.[4]

وقال تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [النحل :8] والله هو الذي خلق كل وسائل النقل الحديثة ويبلغ طول السكك الحديدية في العالم 1.3 مليون كم أي 30 مرة ضعف محيط الكرة الأرضية. كما أن في العالم اليوم حوالى 1055 مليون سيارة وشاحنة وباص لنقل الركاب (ضمن 325.000 نوع) ، وينتج العالم سنويا 70 مليون سيارة و140 مليون دراجة.

[1]    الطبيعيات والإعجاز العلمي في القرآن الكريم – د. عبد العليم عبد الرحمن خضر – ص 55 – الدار السعودية – جدة – 1986 م.

[2]    للكون إله – د. مصطفى الدمرداش – ص 272 – 273 – مكتبة المنار الإسلامية – بيروت – 2001م.

[3]  المنهج الإيماني للدراسات الكونية – د.عبد العليم عبدالرحمن خضر – ص 391 – الدار السعودية للنشر والتوزيع – ط2 – 1985 م – 1406 هـ.

[4]   أسرار الكون في القرآن الكريم- د. داود سلمان السعودي- ص 120- دار الحرف العربي- لبنان- ط2-1999 م.

بواسطة |2022-02-16T11:54:21+03:00فبراير 15th, 2022|
اذهب إلى الأعلى