قال تعالى:

– { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [التين:4]·

– {ا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} [الانفطار:6-7]·

– { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ} [السجدة:7]·

– {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} [الكهف:37]·

– {هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا * نَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } [الإنسان: الانفطار:6-7]·

– {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ*  لَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *  عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } [العلق:1-5]·

– { وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا } [البقرة:31]·

– {إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ص: 71-72]·     

وهذا بعض ما يقوله القرآن الكريم في خلق الله لهذا الإنسان؛ من التراب والماء، في الأجل المسمّى عنده، بعد أن لم يكن له وجود على الأرض، ولم يكن شيئاً مذكوراً؛ وهو يكاد يكون نفس ما يقوله العلم عن تكوين الإنسان من التراب والماء والنطفة الأولى، في آجال من التطور، بعد أن لم يكن له أثر في طبقات الأرض السفلى· فما هو حظ المصادفة في خلق هذا الإنسان؟·

وهذا الإنسان العجيب الذي يبدأ حياته من تراب وماء ثم من نطفة، مثل كل حيوان أعجم، ثم يصبح فيلسوفا ( يعلم الأسماء كلها) ويتسع عقله لإدراك كل ما في هذا الكون من وجود، ومادة، ونظام، وحق، وخير، وجمال، ويصوغ منها علماً، وفناً، وأدباً، وشعراً، ونغماً، وحكمة، وفلسفة، وتصوفاً، يكشف بأنوارها، وهو لا يدري، عما فيه من روح الله . . هذا الإنسان هل كان خلقه أثراً من آثار المصادفة العمياء؟!·

ما هذا الإنسان وبأيّ عجائب خلقه يُذكّر . .؟·

كيف يخلق في الظلمات الثلاث . . ؟

كيف يتطور في بطن أمه من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى إنسان كامل، خلقاً بعد خلق . .؟ كيف يتغذى في بطن أمه بتلك الطريقة العجيبة . .؟

كيف يتنفس . . كيف يرضع . . كيف يأكل . . كيف يمضغ . . كيف يبتلع . . كيف يهضم . .  كيف يمتص غذاءه . .  كيف يدفئ جسده . . كيف يكنس جوفه . . كيف يلفظ كناسته . . كيف يقايض عليها بوقود جديد . . ؟

كيف يدفع دمه في جداول بدنه ليسقي حقوله الواسعة الشاسعة بتلك المضخة العجيبة ذات البيوت المقسمة والصمامات المحكمة، التي تعمل دهراً كاملاً في دورة دموية مستمرة تذهب فيها الجداول الزرقاء به، مملوءاً السواقط والنفايات وأشلاء العمال الموتى،  إلى مصفاة بل محرقة هائلة تنقّيه وتطهّره وتحمّله الوقود الجديد، ليرجع إلى المضخة التي تدفعه ثانية في الجسد، لتستمر الحياة دهراً كاملاً لا تقف فيه لحظة واحدة . . ؟  كيف يحوّل هذا الإنسان غذاءه في كبده ويعدّله ويخزنه . .؟

ثم ما هذا الكبد؟ ما هذه الغدة العظيمة الجليلة، الكريمة البخيلة، المتّزنة العاقلة، المعدّلة العادلة، المدّخرة الموفّرة، الخازنة المقتّرة، التي إذا زاد السكر (Glucose) في دمك عن واحد في الألف منعت وحرمت، وإن نقص أعطت وتكرمت، وإن كثر الفائض خزنته بعد تحويله إلى يوم حاجته ولزومه، لتغذّيه وتحميه من سمومه ؟

ما هذه الغدد (الهرمونية) ذات الإفرازات الكيماوية السرّية التي تتحكم في الأعصاب والعضلات والعظام والعقل والقلب والشرايين والجنس: فتكبّر الجسم وتصغّره، وتطوّله وتقصّره، وتذكي العقد فلا يهمد، و تدفئ الجسد فلا يبرد، وترفع الضغط وتهبطه، وتنشط العصب وتُثبطه، وتحفظ على الملح نسبته، وتضبط له حسبته، وتزيد في السكر عند نقصانه، وتحرقه عند طغيانه، وتمسك على العظام كلسها، وتعطي خلايا الجنس جنسها . .؟·     ما هي هذه الخلايا التي لا تُرى بالعين والتي يبلغ عددها في جسم الإنسان التريليونات، وكيف تنتظم جماعات ليصنع كل منها جانباً من الجسم، كأنها النمل أو النحل تعرف الدور الذي كُتب عليها أن تقوم به في رواية الحياة . . ؟·

ما هذا التنسيق الآلي الكيميائي العصبي العجيب الذي يجعل كل عضو، وكل غدة، وكل خلية تتجاوب وتتعاون لإيجاد توازن ثابت دقيق في دم الجسم، ومائه، وحرارته، وأمصاله، وعصاراته، وأملاحه، وأحماضه، وقلوياته، وسكرياته؛ وتقوم بإصلاح كل فساد، وترميم كل خراب، وتعويض كل نقص، وتسديد كل عجز، وتعديل كل إفراط أو تفريط، ورتق كل فتق، ورقع كل خرق، وجبر كل كسر، وقطع كل نزيف، وتعبئة كل قوة، وشحذ كل سلاح، وصنع كل سُمّ ومصل لرد كل عدوان، وتحطيم كل عدو، وإمداد الجيش بجنود جدد، بدلاً من شهداء الوطن العزيز . . ؟·

وهذا العقل الذي حارت كل العقول، ومازالت حائرة، في أسراره، وعن أي عجائبه نتحدث . . ؟·

كيف نفهم؟ كيف ندرك، كيف نعقل، كيف نحفظ، كيف تخزن ملايين الملايين من المعارف، وأين نختزنها، وكيف نستخرجها من مخازنها عند الحاجة، وكيف نتذكر، وكيف نقارن، وكيف نعلّل، وكيف نستنتج، وكيف نحكم . . ؟·

وما هي هذه القطعة من اللحم والشّلة من الأعصاب التي علّمنا بها الخالق الأسماء كلها وجعلنا بها فوق الملائكة  . . ؟·

ما هذا الجهاز العصبي العجيب المدهش الذي نسيطر عليه، ويسيطر علينا، من حيث ندري ومن حيث لا ندري، فنتحكم، بجانب منه، في بعض أعضائنا، بإرادتنا، ويتحكم هو بجانب آخر من خيوطه، في أعظم أعضائنا خطراً بل في كل خلية من جسمنا، بإرادته الخاصة المطلقة بدون علم منا، كأنما في هذا الجهاز عقلان مستقلان: الواعي، وغير الواعي الذي هو أحق وأجدر أن يوصف بالوعي، لأن ذلك الواعي قد يخطئ وهذا لايخطئ أبداً، ولأن الواعي لا يعي أعمال زميله ولا يتدخل فيها أبداً، ولو وعاها وتدخل فيها لأفسدها، أما غير الواعي فيشعر بكل أعمال الواعي ويتدخل سراً بتنسيقها، وإذا سكن الواعي أو تعطّل فكل الذي ينتج عن سكونه أو تعطيله أن تتوقف عضلاتنا عن الحركة وأن يكلَّ دماغنا عن التفكير الصحيح، ويصبح حالنا أشبه بحال النائم؛ وأما إذا تعطل غير الواعي فالقلب يختل، والمعدة تختل، والكبد يختل، والسمع يختل، والبصر يختل . .  بل كل شيء فينا يختل، ويكون مصيرنا الموت المحتم . . فهل كان هذا الفصل العجيب المحكم الحكيم بين السلطتين أثرا ًمن آثار المصادفة العمياء . . ؟

وما هذه المادة المخيَّة المحتوية على أكثر من 12 بليون خلية تتصل إحداها بالأخرى بليف عصبي ذي فروع لا تعدّ ولا تحصى، فتعمل، بدقة عجيبة وتناسق مدهش، كأنها خلية واحدة . . ؟

وما هذا السحائي الدماغي الذي كأنه مركز قيادة في كل بيت من بيوته ضابط يتلقى من الخارج ألوف الرسائل الواردة من طريق الحواس ويخبر بها القيادة العليا . . ؟

وما هو هذا القائد الأعلى الذي يتولى تنسيق تلك الرسائل العديدة، فيقرأ هذه، ويؤخّر هذه، ويطرح تلك في الأعماق، ثم يقارن، ويعلّل، ويصحّح، ويعدّل، حتى يستنتج، ويكوّن من الأحاسيس الجديدة والقديمة المخزونة، إدراكاً عقلياً عجيباً يخرجُ به هذا الحيوانَ الأعجمَ السافكَ الدماء عن بهيمته، حتى يسمو أحياناً إلى عتبة ذلك الذي جعله في الأرض خليفة وكّرمه، وبالقلم علّمه  . . ؟·   أفكلُّ هذا الإحسان، والإتقان، والتقويم في الخلق، والتقدير، والاتزان، والتنظيم، والإحكام، والتعديل، والترابط، والتجاوب، والتعاون، والتناسق بين ملايين الملايين من الذرات والخلايا والأعصاب هو أثر من آثار المصادفة العمياء؟· { أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} [الكهف : 73]

{بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ *وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ* وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} [الصافات: 11-13]  [1]

والإنسان الذي بدأ حياته عند تقابل خليتين، بويضة تقدمها الأم، وحيوان منوي يقدمه الأب، ومن هنا بدأت أيضا حياة الآباء والأجداد وأجداد الأجداد، حتى يصل بناء أسلافنا إلى الأب الأول آدم وزوجه ، فهاتان الخليتان هما حلقة الاتصال التي تربطنا بالأجيال السالفة التي يرث فيها المولود الجديد خصائص أبيه وأمه معا ، كما يرث من صفات الأجداد والجدات  ومن الجنس البشري الذي ينتمي إليه، أليس هذا تقدير العزيز العليم الذي أحسن كل شيء خلقه ؟ فتبارك الله أحسن الخالقين.

ويقول الفقيه أبو بكر بن العربي:  ليس لله خلق أحسن من الإنسان، فإن الله تعالى خلقه حيّاً، عالماً، قادراً، متكلماً، سميعاً بصيراً، مدبّراً حكيماً، وهذه صفات الربّ جلّ وعلى” .

ويقول الدكتور مصطفى الدمرداش معلّقاً على حسن خلق الإنسان: ترى لو كانت عينا الإنسان في أعلى رأسه أو في أسفل ذقنه أو في خديه أو حتى في قفاه، أكان ذلك أحكم؟! أم كونهما في مكانيهما الحاليين؟  تُرى هل هناك جزء من جسم الإنسان كان خليقاً أن يكون أحكم في غير محله أو يمكن الاستغناء عنه؟· فلنأخذ اليد مثلاً لتبيان مواطن الحكمة في خلقها: إنه من الصعب تماماً إن لم يكن مستحيلاً ابتكار آلة تضارع يد الإنسان من حيث البساطة والكفاءة وسرعة التكيف· فحينما يريد أحدنا قراءة كتاب مثلاً فإنه يتناوله بيده، وبها يثبته في الوضع الملائم للقراءة، ويصحِّح وضعه تلقائياً، وحينما يقلّب صفحاته يضع أصابعه تحت الورقة ويضغط عليها بالدرجة التي يقلبها بها، ثم يزول الضغط بقلب الورقة· واليد تمسك القلم وتكتب، وتستعمل الآلة لتصنع، وتقبض على الطعام لنأكل، وتمسك مقود السيارة لنقود، ونحمل بها ما نريد، ونلتقط، ونلمس، ونستعملها في تحس مواطن الجمال لننقلها إلى القلب، واليد تُتَوِجها أظافر زينةً لها وحماية، ولوضع الإبهام الفريد بالنسبة لليد، حيث يمكنه الحركة على محورها بزاوية قائمة، الفضل الأكبر في كل ذلك!

وبقول الدكتور الكسيس كاريل الحائز على جائزة نوبل في كتابه ” الإنسان ذلك المجهول ” : إن الإنسان يجهل الكثير مما يجري حوله فكيف بسرّ الحياة؟

[1] قصة الإيمان – الشيخ نديم الجسر – ص 426 – 430