الجراد جندي من جنود الله، وآية من آياته البينات، أيد الله به رسوله موسى عليه السلام، وسلطه على فرعون وقومه، وهو عقاب وابتلاء يسلطه الله سبحانه على من يشاء، وقد ورد ذكر الجراد مرتين في القرآن الكريم. 

    والجراد  من رتبة  الحشرات مستقيمة الأجنحة التي يزيد عدد أنواعها على 20.000 نوع ، ويمتلك أرجلا خلفية قوية تساعده على القفز إلى 20 مرة طول جسمه وهو ما يعادل قفزة إنسان 36.6 مترا. ويتراوح طول الجرادة الناضجة  بين 3 – 13 سم، ويقسم جسمها إلى رأس  وصدر وبطن (مقسم 11 قطعة) ولها 6 أرجل ، و يغطي جسمها طبقة من الكيتين، وفي رأسها فم يحوي أسنانا حادة، وتحمل الجرادة قرنين قصيرين متميزين للاستشعار. وتصدر أصواتا موسيقية من خلال كحت أرجلها الخلفية أو الأمامية مع جسمها، وتضع أنثى الجراد بيضها في حفر تحت الأرض، وتغطيه بسائل لتحميه من البرد.

    والجراد أكلة مفضلة عند كثير من الشعوب الآسيوية وبعض الدول العربية، فهي غنية بالبروتين الذي يمثل 62 %  من وزنها، ودهون 17 % وعناصر غير عضوية مثل الماغنسيوم، والكالسيوم، والبوتاسيوم، والمنجنيز، والصوديوم، والحديد، والفوسفور . . وغيرها. 

     يحتوي الكيلومتر المربع من الجراد على 50 مليون جرادة على الأقل ( حوالى 50 جرادة في المتر المربع الواحد) وهي تلتهم كل شيء يقابلها من الأوراق والأزهار والثمار والبذور وقشور النباتات والبراعم والسيقان، وتستطيع أن تنهي محاصيل كاملة من القطن والذرة والقمح والأرز والشعير والموز . .  ويلتهم السرب الواحد من الجراد الذي يغطي مساحة  كم مربع واحد حوالى 100.000 طن من النباتات الخضراء في يوم واحد، وهذا الطعام  يكفي لغذاء 500.000  شخص لمدة عام إذ أن الجرادة تأكل 1.5 –  3 جرام  يوميا ، 

     ويكوّن الجراد أسرابا حاشدة تمتد إلى مئات الكيلومترات المربعة، ويستطيع سرب صغير يُقدر وزنه 1 طن واحد أن يأكل ما تأكله 10 أفيال أو 25 جملا أو ما تأكله مدينة يبلغ عدد سكانها 25.000 إنسان في يوم واحد، ورغم أن بعض أنواع الجراد تلتهم نوعا معينا من النباتات، فالحشد قد يحتوي 40 – 80 مليون جرادة. وقد احتوى أكبر حشد شهده القرن الماضي على 000 .40 مليون حشرة ( وهذا الرقم يشكل 6 أضعاف سكان الأرض)، غطت مساحة تقدر بـ 1036 كم2 ( 3 أضعاف مساحة قطاع غزة).

     والجراد الصحراوي هوأهم أنواع الجراد لأنه يستطيع السفر لمسافات طويلة، ويتناسل بدرجة كبيرة؛ حيث تضع الأنثى 3 مرات على الأقل في حياتها، ما بين 95 إلى 158 بيضة في كل مرة،  وهو يتواجد على امتداد منطقة شاسعة من البيئة الصحراوية الجافة في أفريقيا، وجنوب غرب آسيا وموريتانيا والمغرب والسودان وشبه الجزيرة العربية. ومن الغريب أن بتجمع كبير يتحلق في سوق الجردة وسط بريدة في السعودية حول سيارة قادمة من السواحل الغربية لشراء لسلعة من الجراد الحي داخل أكياس مفتوحة من النايلون، حفاظا على ما بداخلها، وتستمع لمزايدات تصل لأكثر من 100 ريال (20 دينارا) لكيس يزن 3 كيلو جرامات.

      ويصف ابن القيم رحمه الله الجراد بقوله: «الجراد جند من جنود الله ضعيف الخلقة عجيب التركيب فإذا رأيت عساكره قد أقبلت أبصرت جنداً لا مرد له،  ولا يحصى منه عدد ولا عدة، فلو جمع الملك خيله ورجله ودوابه وسلاحه ليصده عن بلاده لما أمكنه ذلك، فانظر كيف ينساب على الأرض كالسيل فيغشى السهل والجبل والبدو والحضر حتى يستر نور الشمس بكثرته، ويسد وجه السماء بأجنحته، ويبلغ من الجو إلى حيث لا يبلغ طائر أكبر جناحين منه، كما لا يقدر أهل القوة والكثرة والعدد والحيلة بأجمعهم على دفعه، بل ينظرون إليه يستبد بأقواتهم دونهم ويمزقها كل ممزق ويذر الأرض قفراً منها وهم لا يستطيعون أن يردوه ولا يحولوا بينه وبينها، وهذا من حكمته سبحانه أن يسلط الضعيف من خلقه الذي لا مؤنة له على القوى فينتقم به منه وينزل به ما كان يحذره منه، حتى لا يستطيع لذلك رداً ولا صرفا»

  

  ولم تستطيع منظمة الصحة العالمية الـ FAO ولا هيئات الإغاثة التنبؤ بدقة بوقت ظهور الجراد  ولا مكافحته، كما لم تستطيع الأقمار الصناعية رصده ولا تصويره، ولم يستطع  قبلهم فرعون وقومه أن يوقفوه عندما دخل بيوتهم ومزارعهم، بل إن الله الذي خلقه هو وحده الذي أذهبه عنهم.

   ويوم الحشر يوم عظيم، يحشر الله فيه كل البشر الذين عاشوا يوما في الأرض والذين سيولدون حتى يوم القيامة وقدر عددهم بحوالى 60 بليونا  قبل سنوات، وهم يزدادون يوميا  بمقدار 1/ 2 مليون مولود، فما بالك ببلايين المواليد قبل يوم القيامة، كما سيحشر فيه أعداد الجن الذين ملأوا الأرض قبل آدم عليه السلام، وكذلك جميع الوحوش والدواب والطيورالتي يبلغ أعدادها  أضعاف أعداد البشر وقد عاشت قبل الإنسان بمئات الألوف من السنوات وبعضها بملايين الأعوام، وهي جميعا سوف تحشر أيضا إلى ربها وخالقها.

    ومشهد الجراد المنتشر  متقارب سريع، وهو مع سرعته شاخص متحرك  مكتمل السمات والحركات : فإن هذه الجموع من الإنس والجن تخرج من الأجداث خاشعة أبصارها من الذل والهوان مسرعة نحو الداعي الذي يدعوها لأمر غريب نكير لا تعرفه ولا  تطمئن إليه . .  وقال إبن الجوزي: إنما شبههم في خروجهم في الكثرة والتموج والانتشار في كل مكان  بالجراد الهائم  لأن الجراد عندما يخرج ليس له  جهة بقصدها، فهم كذلك يخرجون من قبورهم فزعين ليس لأحد منهم جهة  يقصدها.

           فسبحان الذي أنزل القرآن العظيم، بلسان عربي مبين، وصور لنا مشهد يوم الخروج كأننا نراه أمامنا رأي العين ونحن نرى أسراب الجراد على شاشات التلفاز – وهي تملأ السهل والوعر – بأوجز العبارات وأوسع المعاني  والدلالات.