قال تعالى:” وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا” (الشمس، آية 1). وتبدأ السورة الكريمة بقسم من الله- الغني عن القسم- بتسع من آياته الكونية المبهرة التي جاءت متتابعة على النحو التالي:

– ” وَالشَّمْسِ” وهو قسم بالشمس وهي أقرب نجوم السماء إلينا ومصدر الطاقة والدفء للأرض ومن عليها.

– ” وَضُحَاهَا” أي: وبضحاها وهي لحظة إشراقها في حركتها الظاهرية إلى وقت الظهيرة.

– “وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا” أي: وبالقمر إذا تبعها في إنارة الأرض بعد غروب الشمس.

– ” وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا” أي: وبالنهار الذي وضحها أي وضح لنا الشمس وجعلها ظاهرة للعيان لأن أشعة الشمس لا ترى إلا بعد تشتتها وانعكاساتها لمرات عديدة على الأجسام المتناهية الضالة في الطبقة الدنيا من الغلاف الغازي للأرض مثل هباءات الغبار، وقطيرات الماء وبخاره وجزيئات الغازات المختلفة المكونة للهواء بتركيز معين.

– “وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا” أي: وبليل الأرض إذ يغطيها عنا بطبقة ظلمته الرقيقة التي تلتقي مع ظلمة الكون، فلا ترى الشمس لمن هم في ظلمة الليل على الرغم من وجودها.

– “وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا” أي: وبالسماء وبنائها المحكم الدقيق على ضخامته والإله القادر الحكيم العظيم الذي بناها.

– “وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا” أي: وبالأرض ومدها وبسطها والمد بلا نهاية هو قمة التكوير والذي كورها فمدها وبسط سطحها.

– “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا” أي: وبالنفس الإنسانية وبالذي خلقها.

–  فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا” أي: بين لها طريقي الخير والشر، وترك الخيار لها، ثم يأتي جواب هذا القسم المغلظ بقول الحق تبارك وتعالى.

قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا” (الشمس، آية: 9 ـ 10).

وكل آية من الآيات الكونية والنفسية التي جاءت الإشارة إليها في سورة الشمس تحتاج إلى دراسة عميقة(64).

ولكننا نقتصر الحديث عن الآية الأولى ” وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا” أي: نورها ونفعها الصادر منها(65) والقسم بالشمس إشارة إلى أهميتها والتي قد تم ذكر بعضها- فهذه الآية الكونية البديعة لخالقها بطلاقة القدرة، وبديع الصنعة وعظيم الحكمة، وإحاطة العلم، ومن هنا كان قسم الله تبارك وتعالى بها وهو سبحانه غني عن القسم لعباده، وإنما جاء هذا القسم من أجل تنبيهنا إلى تلك الأهمية القصوى للشمس، التي بدونها ما قامت الحياة على الأرض، وذلك حتى لا نمر عليها ونحن غافلون عنها، لأننا لو أدركنا أهميتها للحياة لأدركنا جانباً من جوانب العظمة المطلقة لخالقها، الذي أبدعها وأبدع الكون كله في نظام بالغ الدقة والإحكام والتكامل مما يشهد له سبحانه وتعالى بالإلوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق كل خلقه بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع، ولا صاحبة ولا ولد فقد تنزه جلت قدرته عن كل ذلك لأنها جميعها من صفات المخلوقين والله تعالى منزه عن صفات خلقه(66)، ولاشك أن هذا القسم من الله الخالق سبحانه بالشمس إلا تأكيداً لأهمية الشمس وأهمية ضحاها لاستقامة الحياة على الأرض وفي الكون، وأن يكون في ذلك شهادة على عظمة الخالق الذي أبدعها، لأن في بناء الشمس، وفي انضباط حركاتها ما يقطع بأن ذلك لا يمكن إلا أن يكون نتاج تقدير محكم دقيق من الخالق العليم الخبير الذي أتقن كل شيء خلقه ولذلك أورد ذكر الشمس في خمسة وثلاثين موضعاً في محكم كتابه، وسمى باسمها سورة من سوره، وأقسم بها في مطلع تلك السورة الكريمة، كما أشار إلى شيء من صفاتها وتسخيرها، وانضباط حركاتها، وحتمية فنائها(67)، وذلك مثل قوله تعالى: “وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ” (الأعراف، آية: 54).

– وقال تعالى: “وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ” ( إبراهيم، آية: 33).

– وقال تعالى: “وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ” (النحل، آية: 12).

-وقال تعالى: “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء” (الحج، آية: 18).