قال تعالى: “وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ” (يس، آية: 38 ـ 40)، أي: دائماً تجري لمستقرٍّ لها، قدَّرها الله، لا تتعداه ولا تقصر عنه وليس لها تصرف في نفسها ولا استعصاء على قدرة الله تعالى: ” ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ” الذي بعزته دبر هذه المخلوقات العظيمة بأكمل تدبير وأحسن نظام “العليم” الذي بعلمه جعلها مصالح لعباده ومنافع في دينهم ودنياهم، ” وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ” ينزلها، كل ليلة ينزل منها واحدة “حتى” يصغر جدَّاً فيعود “كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ” أي: عرجون النخلة الذي من قدمه نشَّ وصغر حجمه وانحنى، ثم بعد ذلك ما زال يزيد شيئاً فشيئاً حتى يتم نوره، ويتسق ضياؤه، وكلٌ من الشمس والقمر والليل والنهار قدّره الله تقديراً لا يتعداه، وكل له سلطان ووقت، إذا وُجد، عُدم الآخرة ولهذا قال: ” لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ”، أي في سلطانه الذي هو الليل، فلا يمكن أن توجد الشمس في الليل ” وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ” فيدخل عليه قبل انقضاء سلطانه “وَكُلٌّ”: من الشمس والقمر والنجوم ” فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ”: أي: يترددون على الدوام، فكل هذا دليل ظاهر وبرهان باهر على عظمة الخالق وعظمة أوصافه خصوصاً وصف القدرة والحكمة والعلم في هذا الموضع(44).

قال الشاعر: الشمس والبدر من أنوار حكمته   والبَرُّ والبحر فيض من عطاياه

                فالطير سبَّحه والزرع قدَّسه          والموج كبره، والحوت ناجاه

                والنمل تحت الصخر الصم مجتهد   والنحل يهتف حمداً في خلاياه

                رب السماء ورب الأرض قد خضعت     إنس وجن وأملاك لعلياه

                الناس يعصونه جهراً فيسترهم    والعبد ينسى وربي ليس ينساه(45)

  ويقول العلم عن جريان الشمس لمستقر لها : أكد علماء الفلك أن الشمس تجري وسرعة هذه الجري تبلغ 12 ميلاً في الثانية، وهذا الجري غير الدوران المعروف للشمس أما المستقر فهو إشارة إلى نهاية الحركة أي لا حركة عند بلوغ المستقر، ويؤكد علماء الفلك جميعاً أن الشمس كأي نجم آخر لا بد أن يعتريها ازدياد مفاجئ في حرارتها وحجمها وإشعاعها بدرجة لا تصدقها العقول، وعندئذ يتمدد سطحها الخارجي بما حوى من لهب ودخان حتى يصل إلى القمر، وهذه هي نهاية الشمس، وهذا يؤكده قول الله تعالى: “يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ * فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ” (القيامة، آية: 6 – 12).

وفي قوله تعالى: ” لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ” يقول العلم الحديث: إن هناك قانوناً مطلقاً صادقاً شاملاً لكل شمس من شموس الكون، يجبر كل الإجرام والأفلاك أن تحترم مواقعها، التي حددت لها، فالشمس لا يمكن أن تدرك القمر، إي لن تستطيع أن تزيد في قدرتها الذاتية على الدوران بسرعة أكثر مما حدد لها، ولن تستطيع أن توسع من دائرة فلكها بحيث يصطدم بفلك القمر أو الأرض، لأن القدرة الإلهية حددت لكل جرم سماوي سرعته بقدر، فإذا دار الجسم حول نفسه بسرعة فائقة فلا بد أن تكون نصف قطر الدائرة التي يدور فيها صغيراً، وكذلك لو دار حول نفسه بمعدل نصف قطر الدائرة السابق، وكل شيء في الفضاء يسبح كما نصت الآية(46).

ومن أوجه الإعجاز العلمي في قوله تعالى:” وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ” (يس، آية: 39).

– وإن التعبير بمنازل القمر يشير إلى مواقع القمر الثمانية والعشرين وهي مواقعه اليومية المتتالية في السماء بالنسبة إلى نجوم تبدو مواقعها قريبة ظاهرياً، فإن التعبير “منازل القمر” يمكن إطلاقه على مراحل القمر المتتالية وعلى منازله المتوافقة مع تلك المراحل وهناك ترابط شديد بين منازل القمر ومراحل أشكال القمر المتتالية من الهلال الوليد إلى التربيع الأول إلى الأحدب الأول إلى البدر ثم الأحدب الثاني، ثم الهلال، ثم المحاق إلى الهلال الوليد للشهر القمر الجديد.

– والقمر يبدأ ميلاده بهلال دقيق، ثم يندرج في النمو حتى يصبح بدراً كاملاً، ثم يعاود التناقص في الحجم حتى يصير كالعرجون القديم، ثم يختفي لمدة يوم أو يومين في مرحلة المحاق، وتتكرر هذه الدورة في كل شهر قمري حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

– وضوء الشمس يغمر نصف القمر باستمرار فيعكس من فوق سطحه المظلم نوراً ينير ظلمة ليل الأرض، وكل ما يستطيع أهل الأرض أدراكه من هذا النور يختلف من يوم إلى يوم تبعاً لموضع كل من الأرض والقمر والشمس في صفحة السماء والجزء المرئي من نور القمر قبل اكتماله بدراً يعرف باسم “قوس النور”، أما البدر الكامل فيعرف باسم “دائرة النور” ، ونظراً لترنح القمر في دورانه حول محوره، ولضخامة حجم الشمس بالنسبة إلى حجم القمر فإن ضوء الشمس ينير أكثر من نصف سطح القمر بقليل ولذلك يمكن أن يرى خيط رفيع من النور يحيط بالقمر عند ميلاد الهلال.

– وتقدير هذه المنازل القمرية فيه من الدلالة على طلاقه القدرة الإلهية ما فيه لأهميته في معرفة الزمن، وتقديره وحسابه باليوم الأسبوع والشهر والسنة، وفي التاريخ للعبادات والأحداث والمعاملات والحقوق ولما فيه من تأكيد على ضبط سرعة القمر ضبطاً دقيقاً من أجل الحيلولة دون ارتطامه بالأرض فيفنيها وتفنيه أو انفلاته من عقال جاذبيتها فينتهي إلى نهاية لا يعلمها إلا الله، وفي نفس الوقت الارتباط الدقيق بين سرعة دوران كل منهما حول محوره، فإذا زادت إحداهما قلت الأخرى بنفس المعدل ولما كانت سرعة دوران الأرض حول محورها في تناقص مستمر بمعدل جزء في الثانية في كل قرن من الزمن، فإن سرعة دوران القمر في تزايد مستمر بنفس المعدل تقريباً مما يؤدي إلى تباعد القمر عن الأرض بمقدار ثلاث سنتيمترات في كل سنة وهذا التباعد سوف يخرج القمر في يوم من الأيام من اسار جاذبية الأرض ليدخله في نطاق جاذبية الشمس فتبتلعه تحقيقاً للواقعة القرآنية التي يصفها الحق سبحانه وتعالى بقوله:” فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ” (القيامة، 7 – 9).

ومن هنا كانت هذه الإشارة القرآنية المعجزة التي وصفت مراحل القمر المتتالية في كل شهر والتي يقول فيها ربنا عز وجل” وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ” (يس، آية: 39).

ومن المعجزات القرآنية في هذا الباب وصف المرحلة الأخيرة من مراحل الدورة الشهرية للقمر بالعرجون القديم، وهو العنقود من الرطب “الغدق” إذا يبس وانحنى واصفرّ لونه، وهو عند يبوسه على النخل ينحني تجاهها فكذلك الهلال الثاني ينحني بطرفيه تجاه الأرض، بينما الهلال الوليد ينحني بهما بعيداً عنها، فما أروع هذا التشبيه القرآني المعجز.