وحدة الأساس الكوني

اقتباس (تغيير الصور)

للكون أساس، فالمادة والطاقة هما أساسه، والنجوم هي مصدر ذلك الأساس. فالمادة والطاقة وجهان لشيء واحد في الجوهر  على عكس ما قد يبدو في المظهر. فالمادة والطاقة مادة.

وقد ربط العلم الحديث- على يدي أينشتاين – بين المادة  والطاقة في قانون عظيم يعتبر من أهم القوانين التي كشفها العقل البشري في القرن العشرين. والقانون من حروف ثلاثة: الطاء، والكاف، والعين. فإذا جعلنا الأولى تساوي الطاقة = حاصل ضرب الكتلة× مربع سرعة الضوء

وتقاس الطاقة بالإرج، والكتلة بالجرام، والسرعة هي سرعة الضوء بالسنتمتر في الثانية. والقانون يكتب هكذا: ط= ك . ع2.

أما مقدار الطاقة الكامنة في كيلو جرام واحد من أية مادة حجراً كانت أم زلطاً أم حتى لحماً عند تحويلها إلى طاقة كما يلي:

الطاقة = الكتلة (كتلة المادة المختفية) × مربع سرعة الضوء

= 1000 × 30.000.000.000 2

= 900.000.000.000.000.000.000.000إرج

أي ما يعادل 90 مليون مليون جول، أو 90 تريليون جول، وهو ما يعادل 20 تريليون سعر أو ما يعادل الطاقة الناتجة عن احتراق 17 طناً من الفحم!. ولو فرضنا أن القلم الذي نكتب به قد تحول من صورته المادية إلى طاقة فإنه يفنى ليعطي طاقة تكفي لتحريك سفينة ضخمة حول العالم مئات المرات بدلاً من أطنان البترول التي تحترق لتعطي كمية الطاقة ذاتها!.

وهنا يجب التمييز أو التفريق بين نوعين من الطاقة: طاقة الاحتراق التي لا تختفي فيها المادة وإنما تتحول فحسب إلى أخرى، والطاقة الناتجة عن إفناء المادة في الشطر النووي في القنبلة الذرية وفي الدمج النووي في القنبلة الهيدروجينية وفي  بواطن النجوم.

ومن الواضح أيضاً أن المادة ما هي إلا طاقة، والطاقة ما هي إلا مادة، فالمادة لو تحررت صارت طاقة والطاقة لو تجسّدت أصبحت مادة!. وكما نجح العلماء في تحويل المادة إلى طاقة في صنع القنابل بنوعيها، فقد نجحوا كذلك في حالات في تحويل الطاقة إلى مادة، فأثبتوا بذلك إمكانية تمويج الجسيم وتجسيم الموجة، أي أنهم أثبتوا وحدة المادة والطاقة.

ومما يؤكد ذلك ما يلي:

  • خضوع المادة والطاقة لقانون موحد: فالمادة لا تتحول إلى طاقة والطاقة إلى مادة فحسب، وإنما جميع أنواع الطاقة تتحول كذلك من سورة إلى أخرى، فالحرارة مثلاً تتحول إلى حركة والحركة إلى كهرباء والكهرباء إلى ضوء والضوء إلى كهرباء، ويكون التحول في جميع الأحوال كيفياً وكمياً لخضوع الكون كله لقانون موحد هو قانون بقاء المادة والطاقة.
  • تماثل الخواص الذرية لكل من المادة والطاقة: فهناك تماثل في هذه الخواص في مختلف الجسيمات والموجات في الأرض وفي السماء. وقد أيدت ذلك تحاليل كيميائية فيزيائية دقيقة: للنيازك التي تسقطها السماء على الأرض، والعيّنات التي أحضرها رواد الفضاء من على سطح القمر، والضوء القادم إلينا من الشمس وغيرها من النجوم، والإشارات الواردة من الأقمار الصناعية عن الأشعة الكونية والجسيمات الذريّة في الفضاء الخارجي.

ج) تماثل طبيعة الطاقة في الكون كله: فالطاقة في الكون كله بمثابة موجات كهرومغناطيسية تسير، رغم اختلاف أنواعها، بسرعة واحدة في الوسط الواحد هي سرعة الضوء لجميع الموجات أو الإشعاعات المرئية وغير المرئية. وهذه الموجات تجمع في سلوكها بين المادة والطاقة.

د) التماثل هو القانون الذي يحكم جميع العناصر: فجميع العناصر التي نعرفها على الأرض مثلاً يحكمها نظام واحد هو القانون الدوري للعناصر، كما أن هناك إمكانية لتحويل العناصر بعضها إلى بعض، فالهيدروجين مثلاً يمكن تحويله في المفاعلات النووية وفي بواطن النجوم إلى هيليوم وإلى عناصر أخرى أثقل.

 

2- وحدة البنية:

الكون كله، في أرضه وسماواته وما بينهما، له بينة واحدة. فالجميع يتركب من ذرات تتكون كلها، رغم اختلاف عناصرها، من المكونات نفسها: نواة تدور حولها إلكترونات والعناصر ذاتها مردها إلى ذرة واحدة.

فهذه ذرة الهيدروجين، كتب الخالق الأعظم بها أبجدية الكون كله بحرف واحد ومضاعفاته. فأجسامنا تتألف من عناصر مختلفة فيها الكالسيوم وفيها الحديد، وما الكالسيوم سوى اندماج 20 ذرة هيدروجين معاً، وما الحديد سوى اندماج 26 ذرة هيدروجين أيضاً.

وإذا ما انتقلنا إلى الأرض لوجدنا غلافها اليابس يتألف من عناصر فيها المغنيسيوم والألومنيوم، وما المغنيسيوم سوى اندماج 12 ذرة هيدروجين معاً وما الألومنيوم سوى اندماج 13 ذرة هيدروجين كذلك.

والغلاف المائي للأرض عبارة عن أكسجين متحد مع هيدروجين، وما الأكسجين سوى اندماج 8 ذرات من الهيدروجين معاً. وكذلك الغلاف الغازي للأرض فمن أهم مكوناته، بالإضافة إلى الأكسجين، غازا النيتروجين وثاني أكسيد الكربون. وما النيتروجين سوى اندماج 7 ذرات من الهيدروجين وما الكربون سوى اندماج 6 ذرات من الهيدروجين كذلك. وهكذا الشمس وسائر النجوم. فالشمس ما هي إلا هيدروجين وهيليوم وما الهيليوم سوى اندماج ذرتين من الهيدروجين معاً.

وذرة الهيدروجين وحدة الكتل الذرية (و. ك. ذ)، وهي وحدة متناهية في الصغر تستعمل لقياس كتل الذرات وجسيماتها. فهي فعلاً مثقال الذرة.

فسبحان الخالق الأعظم إذ يقول: (وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين) [سبأ: 3].

وتشير هذه الآية الكريمة إلى جملة حقائق علمية مهمة: إن المادة في السماوات والأرض تتكون من ذرات وأن الذرة لها مثقال وهو جد صغير. وعلى الرغم من صغر مثقال الذرة فهناك ما هو أصغر منه ” ولا أصغر من ذلك“.

ولا شك أن ذرة الهيدروجين هي المثقال لأنها أخف الذرات وزناً، بينما نجد في مقابل ذرة اليورانيوم وهي اثقل الذرات وزناً، فوزنها قدر وزن ذرة الهيدروجين 238 مرة.

وزن ذرة الهيدروجين؟

ولكي نحسب وزن ذرة H2 علينا أن نحضر جراماً واحداً من أي مادة ولتكن الحديد. ونفتّته مليار فتوته، ثم نأخذ فتوته من هذا المليار فتفوتة ونفتّتها ثانية إلى مليار فتفوتة، ثم نأخذ فتفوتة من هذا السنكليون فتفوتة ونفتّتها مليون فتفوتة ثم نأخذ 1.67 فتوته من السبتليون فتفوتة هذه، فتكون هذه الفتفوتة الأخيرة هي الذرة‍‍. أي أنها تعادل 1.67/10 24 غرام.

ويجب أن تعرف أن قطرة الماء الواحدة التي تسقط من الصنبور تحتوي على عدد من ذرات الهيدروجين والأكسجين أكبر من عدد سكان الكرة الأرضية، أي أكثر بكثير من 6.000.000.000 ذرة‍.. وأننا لو وضعنا 10 ملايين ذرة جنباً إلى جنب في صف واحد لبلغ طول المجموعة ملليمتراً واحداً‍‍‍.. وأن الجسم الإنساني يحتوي على أكثر من 1000 بليون بليون بليون ذرة‍.

وقد اتضح حديثاً أن غاز الهيدروجين هو الغاز الكوني الذي تكونت منه كل أجرام السماء. قد تم طبخ ذرات العناصر الأخرى الأثقل منه داخل النجوم ومن النجوم تكونت الكواكب والأقمار والتوابع.

وكذلك فإن جميع البشرية قد خلقهم الله تعالى من طين كوكب الأرض، وبهذا فإن ذرات العناصر التي قد تكونت أصلاً بالاندماج النووي لذرات الهيدروجين الموجودة بالشمس منذ بلايين السنين.

فسبحان الله العظيم إذ يقول: (الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين) [السجدة: 7].

3- وحدة المكونات:

ومن دعائم وحدة البنية في الكون، أن ذراته في أرضه وسماواته وما بينهما، لها المكونات نفسها: جسيمات أولية أو جوهرية، وأخرى أساسية أو حقيقية، وثالثة تحت ذرية، ورابعة افتراضية. والمكونات الأولية هي الكوراكات والليبتونات التي كل منها بمثابة وحدة بناء الذرة، والمكونات الأساسية هي البروتونات والإلكترونات والنيوترونات، والمكونات تحت الذرية مثل الجليونات والميزونات. والمكونات الافتراضية مثل الفوتونات والجرافيتونات.

4- وحدة الازدواج:

إذا كانت الذرة العادية، وهي وحدة بناء المادة التي نعرفها، تتألف من نواة بها بروتونات موجبة ونيوترونات متعادلة وإلكترونات سالبة، فقد اكتشف العلماء حديثاً وأثناء إجرائهم بعض التفاعلات النووية، تولد جسيمات مضادة لتلك الجسيمات. فالإلكترون السالب مثلاً له ضد هو الإلكترون الموجب (البوزيترون)، والبروتون الموجب له ضد هو النيوترون ذو العزم المعاكس.

وبهذا فإن قاعدة الأزواج أو الازدواج هي قاعدة عامة في الكون كله، والوحيد الواحد الأحد الذي لا ثاني له هو الله.

فسبحان القائل: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكّرون) [الذاريات: 44]

5- وحدة الحياة:

وعندما نتأمل في خلق الله نجد أن للمخلوقات، على الرغم من تنوعها وتباينها، صفات عامة وخصائص مشتركة تدلّ على وحدانية من خلق، ومن تلك الصفات والخصائص:

  • القدرة على الانتفاع بالمادة والطاقة: فالمخلوقات في جميع صورها قادرة على الانتفاع بالمادة والطاقة وتقف عليهما حياتهما، وهي وحدة تجمع الحياة والمادة والطاقة في متصل متكامل.

فحياة النبات مثلاً في مادته وطاقته تعتمد على عملية تغير كيميائي حيوي في غاية الأهمية، هي عملية البناء الضوئي، وفيها يمتص النبات الطاقة الشمسية ويقوم بتخزينها ليستفيد منها الإنسان بعد ذلك على هيئة نار من الخشب أو الفحم أو البترول ومشتقاته. كما أن حياة كل من الحيوان والإنسان تتوقف من حيث المادة والطاقة على حياة النبات.

وهناك دورات مذهلة تدلّ على عجيب صنع الله، انظروا كيف جعل الله الموت ضرورياً للحياة؟‍ وكيف يخلق الحياة من نواتج التعفن بعد الموت؟1.. فالله سبحانه وتعالى يخلق الأحياء من عناصر مادية محدودة المقدار في الأرض، ويكفي أن يستنفد عنصر واحد منها في جيل أو أجيال لتقف الحياة، ولكن الإرادة الإلهية شاءت تعاقب الموت والحياة لتتجدّد بموت جيل المادة التي يخلق الله منها الجيل الذي يليه..

فالأحياء تستمد الأكسجين من الهواء، فإذا ماتت هذه الأحياء وتحولت بالتعفن إلى ثاني أكسيد الكربون رده الله إلى الهواء ثانية، وبفعل عملية البناء الضوئي يأخذ النبات هذا الغاز ليعطي بدلاً منه الأكسجين الذي تحيا به وعليه أحياء جديدة.

  • القدرة على مقاومة عوامل الفناء: فالمخلوقات جميعها صغرت أم كبرت تسعى للمحافظة على نوعها ضد عوامل فنائها، ففيروس الأنفلونزا مثلاً دائم التشكل لتصعب مقاومته. والحشرات تكتسب مع توالي الأجيال مناعة ضد المبيدات الكيميائية لتحسم المعركة لصالحها. والإنسان إذا استؤصلت إحدى كليتيه نشطت الأخرى تلقائياً لتقوم بعمل الكليتين معا. كما أنه يقوم – لا إرادياً – بعملية تعويض حيث اثبتت الاحصائيات أن معدلات المواليد ترتفع بشكل ملحوظ عقب الحروب.

ج) القدرة على التكاثر: فجميع المخلوقات، دنيئة وراقية، قادرة على التكاثر لتكون ذرية تعمل على بقاء النوع وتضمن عدم انقراضه، سواء كان هذا التكاثر جنسياً أو لا جنسياً.

د) القدرة على التنفس: فكل مخلوق يتنفس وإن اختلفت الوسائل وتباينت الأساليب. فالأميبا تتنفس وهي أدني المخلوقات. والإنسان يتنفس وهو أرقى المخلوقات، والنتيجة في الحالين واحدة: انطلاق الطاقة اللازمة لاستمرار حياة الكائن الحي.

هـ) القدرة على التغذية: فكل مخلوق يتغذى وإن اختلفت كذلك الوسائل وتباينت الأساليب، وجوهر الاغتذاء في كل المخلوقات واحد: تحويل المعقد إلى بسيط يستطيع جسم الكائن الحي امتصاصه وتمثيله.

و)  القدرة على التفاهم: فكل المخلوقات تتفاهم وإن لم نفهم، كما أنها تسبّح لله وإن لم نفقه تسبيحها. ووسائل التفاهم لدى المخلوقات كثيرة: فالحركة لغة، والصوت لغة، والضوء لغة، والرائحة لغة. فالنحل لغته الرقص، والنطاطات لغتها الغناء، وبعض الأسماك لغتها الوميض، والنمل لغته الفرمونات، كما أن بعض الحيوانات في تفاهمها تبصق وتبول..

فسبحان الله القائل: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرّطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون) [الأنعام 28]

      (للكون إله – د. مصطفى الدمرداش) ص510-517

 

ناموس الحرارة الكونية

الحرارة في الكون كله تخضع لنظام واحد ومن ثم فهي تمثل ناموساً أساسياً في ثباتها وتحولها.

وعلى الرغم من أن حرارة الشمس وغيرها من النجوم تنشأ من تحركات جبارة وتغيرات مهولة في الأوزان وتصادمات وتلاطمات وغليان وفوران في كل نجم، إلا أن الطاقة الناتجة تبثّ في الكون بشكل منتظم مستقر ومستمر. هكذا اقتضت مشيئة الحق تبارك وتعالى ناموس الحرارة الكونية من حيث ثبات المقدار واتزان المصدر.

ومعنى هذا الثبات أن الأرض كانت تستقبل كمية الإشعاع نفسها من الشمس خلال الحقب المختلفة ولملايين السنين وحتى في العصور الجليدية  التي مرت بها الأرض، ومن المعلوم أيضاً أنه لا يجوز أن ننسب حدوث تلك العصور إلى تغير في قيمة الإشعاع الشمسي، بل إن هذه العصور شملت الأرض لأسباب تتعلق بالأرض ذاتها، وإن ما يصل إلى الكرة الأرضية هو 2/1000.000.000 جزء من الطاقة الشمسية وهو يعادل 16000 بليون بليون (16×10 21) سعر يومياً وهي تعادل الحرارة الناتجة عن تفجير أكثر من 100.000 قنبلة ذرية في يوم واحد.

ولولا هذه الطاقة الهائلة الواصلة إلى الأرض لتجمّدت الأرض وما عليها ومن عليها. ويجب ان نعلم أن كوكبنا تحيط به برودة فضائية من كل ناحية تقدر بنحو 270 درجة تحت الصفر المئوي، وهي برودة قاسية لا يمكن لكائن حي أن يتحملها. ومع أن أشعة الشمس الحارة تخترق الفضاء البارد ولا تسخّنه.

وذلك لأن هذه الأشعة مأمورة بأن تتحول إلى طاقة حركة متى صادفت جزيئات مادية فقط، أما إن مرت بفضاء فإنها تمرّ مرّ الكرام وتمضي لتأدية رسالتها في تسخين سطح الأرض وجوها.

وفضلاً عما تقدم، فقد أودعت القدرة الإلهية في الحرارة خاصية تمكّنها من تحويل المواد من حال إلى حال ومن صورة إلى أخرى، فهي تحول الصلب إلى سائل والسائل إلى غاز.

وحيث أن ذرات جميع المواد في حركة دائمة حتى ما كان منها داخل أجرام السماء، وأن ناموس تحويل الحرارة يقتضي أن تعمل على رفع الطاقة الحركية لكل ما يصادفها.

فإذا ما مسّت الحرارة جسماً صلباً بدا في التمدد حتى إذا ما بلغ حداً معيّناً تكسّرت الروابط التي توجد بين الجزيئات مما يؤدي إلى انصهار ذلك الجسم.

ولولا تلك الخاصية التي أودعها الله جل وعلا في الحرارة منذ خلقها، وهي القدرة على تحويل الأجسام من حالة إلى حالة، لما ارتقى الإنسان خطوة واحدة بعيداً عن العصر الحجري، ولما تمكّن من تشييد العمارات بغير حديد يصهر، ولما تمكّن أيضا من بناء الطائرات والسيارات والبواخر بغير معدات تتشكّل. قال تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) [إبراهيم: 34].

وكذلك تكتسب جزيئات المواد السائلة سرعات أكبر إذا ما تعرضت للحرارة مما يتيح لبعض هذه الجزيئات فرصة التحرر من أسطح السوائل على هيئة بخار وهذه نعمة أخرى. إذ لولا ذلك الناموس لما استطعنا استثمار قوة البخار في إدارة الآلات والقطارات وغيرهما، ولما أمكننا أن ننشئ جزءاً مهماً من حضارتنا الإنسانية ولا ماءً يجري ولجدبت الأرض واستحالت الحياة، فسبحان الذي خلق كل شيء فقدّره تقديراً.

  للكون إله- د. مصطفى الدمرداش- ص (311- 314)

(الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها) [الرعد: 2]

قوانين الجاذبية والتوازن في الكون

كل ما في هذا الوجود يجذب كل شيء آخر في الأرض أو في السماء، ولصغر ما تعوّدنا عليه من كتل على سطح هذه الأرض فقد صغرت قوى التجاذب حتى أننا لا نكاد نحسّها.

والمرء سجين الجاذبية، فهو لا يستطيع أن يرتفع عن الأرض لأنه سجين لكل ما حولك مما هو ملقى على سطح هذه الأرض، وهذا سجن من نوع أخر، أسواره لا تمنع شيئاً لشدة ضعفها، وأشدّ منها الهواء في منع حركاتنا. وعلى ضآلة قوة الجاذبية وأثرها القليل في حركة الناس على الأرض، ولكنها جبّارة عارمة في السماء حيث الكتل عظيمة هائلة. وهي كذلك نافعة؛ لأن بها تمسك أجرام السماء بعضها بعضاً، وإلا انفرط نظامها.

ومدبّر الكون لم يقدر لها انفراطاً. ولهذا سن لها قانوناً.. لم يسنّه الإنسان، قانون المدبّر الأعظم والأوحد، لا يحتاج إلى نشر فهو في طبيعة الأشياء. وفي طبيعتها كلها وتنقاد له كلها ولو أننا طلبنا برهاناً على وحدة هذا الوجود كله، وانتظامه في سلك واحد، لكان من أول البراهين التي يلقى بها على مائدة البحث قانون هذا التجاذب الذي يعمل في صمت في الأرض والسماء، والهواء، والماء.

فهو يعمل في كل ذي حياة وكل جماد، يعمل فيها جملة وتفصيلاً. والأحياء التي لها شيء من اختيار فيما تصنع ولها إرادة، الظاهر فيها أنها هي التي تصنعها هذه الأحياء لا تكاد تخرق حرمة هذا القانون حتى تجد جزاء ذلك تواً، فلا تحقيق، ولا تدقيق ولا نيابة، ولا شرطة، ولا قضاء، بل هو القضاء الذي يصدر أحكامه على التوّ وفي صرامة لا تعرف من الرحمة شيئاً.

إن الذي يتحدى قانون الجاذبية فيمشي من فوق سطح بيت إلى الفضاء يهوي به هذا القانون فيدقّ على الأرض بعنقه، فلا يكاد يمهله ليدرك من عاقبة تحدّيه لسنة الله شيئاً.

وللجاذبية ناموس كوني موجود في طبيعة الأشياء كلها ويعمل في صمت في السماوات والأرض وما بينهما فكلّ الأجسام المادية تتجاوب وفقاً لقانون معين.

هذه هي الجاذبية وقوانينها التي اهتدى إليها بذكائه العالم الإنجليزي نيوتن (1642-1727) والذي كان يعيش في حيرة من هذا الأمر بقوله (إنه لأمر غير مفهوم حقاً أن نجد مادة هامدة لا حياة فيها ولا إحساس هي تشدّ مادة أخرى دون أي رباط بينهما).

ووصل نيوتن من خلال قوانين رياضية إلى القانون العام للجاذبية الذي ينص على أن: (كل جسمين في هذا الكون يجذبان بعضهما بقوة جذب متبادل. وهذه القوة تتناسب طردياً مع حاصل ضرب الكتلتين المتجاذبتين وعكسياً مع مربع المسافة بينهما).

فإذا ضاعفنا كتلة أي جرم تضاعفت القوة، وأما إذا ضاعفنا المسافة بينهما، فإن القوة تنقص إلى الربع.

والجاذبية ناموس إلهي مشمول بالنفاذ الفوري وبغير تحقيق ولا تدقيق. فالطائر عندما يموت يهوي إلى الأرض، ورفع الحجر يتطلب مجهوداً والصعود إلى الجبل أشق من النزول، وكل هذا بفعل الجاذبية.

ولقد تم تطبيق قانون نيوتن للجاذبية في دراسة علم الفلك والتنبؤ بعودة مذنب هالي أعوام (1758، 1834، 1910، 1986) أي مرة كل 76 عاماً، وفي اكتشاف الكواكب الأخيرة مثل نبتون، وبلوتو في المجموعة الشمسية، وما زال القانون مستخدماً حتى الآن في حساب مسارات سفن الفضاء كما حدث في رحلات أبوللو للقمر، وسفن فويجير للكواكب البعيدة بعد المشتري.

ونستنتج بذلك أن هناك بالفعل قوانيناً رياضية تمّ التعرّف عليها حديثاً لتكون شاهداً على وحدة الوجود، ووحدانية الخالق، وعظمته، وحكمته، ويشير القرآن الكريم إلى هذه القوانين الفلكية في قول الله تعالى: (الشمس والقمر بحسبان) [الرحمن: 5].

لقد توقع نيوتن أن قوة الجاذبية تؤثر على حركة الكواكب، وتجعلها تدور فعلاً في مسارات شبه دائرية (أهليلجية) فتمنعها من التعثر في الفضاء.

أما قوله تعالى: (والسقف المرفوع) [الطور: 5]

فبيّن لنا الله سبحانه وتعالى ان السماء رفعت فوق الأرض، وصارت كالسقف بالنسبة للأرض، وهنا نجد تشبيهاً حيث شبّه الله سبحانه وتعالى السماء والأرض كالبناء فالسماء هي سقف هذا البناء وقد حفظه الله سبحانه وتعالى / سقفاً محفوظاً: بحيث لا يمكن تجاوزه لإنس أو جن.

ويقول سبحانه وتعالى:

(أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت* وإلى السماء كيف رفعت* وإلى الجبال كيف نصبت* وإلى الأرض كيف سطحت*) [الغاشية: 17-20].

فرفع السماء وبسط الأرض، مسألتان يجب التفكير والتدبير بشأنهما، فالأرض إهليلجية ولكن لكبر سطحها وعظمه بالنسبة للإنسان صارت تبدو وكأنها منبسطة، (وصار سطحها واسعاً عظيماً) بالنسبة للإنسان ليتمكن من الحياة عليها، ورفع السماء فوق الأرض (رفع سمكها فسواها) أي رفع سقفها وجعلها خالية من العيوب لا نقصان فيها.

إذاً : فالله سبحانه رفع السماء ووضع الأرض، وكما نرى فإن السماء بالنسبة للأرض كالسقف بالنسبة للبناء، ونعلم أن الأرض كروية الشكل تقريباً/ مفلطحة/ إذاً: يمكن أن نستنتج بأن السماء تحيط بالأرض من الجهات كافة، وطبعاً دون أن تكون هناك أعمدة استناد للسماء على الأرض، وهذا ما يبينه الله سبحانه وتعالى لنا بقوله/ ترونها/ أي بأم أعينكم، قد رفعت كالسقف للأرض بدون أعمدة.

وهو دحض لمزاعم الكافرين أن السماء تحملها أعمدة فوق رؤوسهم.

قال تعالى: ( الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها) [الرعد: 2].

(خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم)[لقمان:10].

إذاً: نرى السماء بأعيننا (واللفظ لكل السماوات جميعاً)، والبشر على سطح الأرض ومن جهاتها كافة ، فهم في أي مكان من سطح الأرض يرون السماء، فالسماء إذاً تحيط بالأرض فهي كالسقف بالنسبة لها.

إن الكواكب والنجوم على اختلاف أنواعها في السماوات تدور حول مراكز دوران معينة لكل منها، وأثناء الدوران تؤثر على كل جرم يدور قوتان متساويتان (حتى يبقى في مساره أثناء الدوران).

وهاتان القوتان هما:

  • قوة/ جاذبة مركزية/ فهي تجذب الجسم الدائر أو / تشدّه/ نحو مركز الدوران.
  • قوة/ نابذة/ ناشئة عن سرعة الدوران تحاول إبعاد الجسم الدائر عن مركز الدوران.

وهاتان القوتان لو لم تكونا متساويتين، فإما أن يسقط الكوكب أو النجم على مركز دورانه إذا كانت القوة الجاذبة أكبر، أو سينفلت مبتعداً عن مركز الدوران ذاك الذي يدور حوله.

وفي كلتا الحالتين يعني انعدام النظام وحلول الفوضى، فعند تعادل هاتين القوتين، يبقى الجرم في مكانه النسبي بحركة دائرية منتظمة.

ولكن يلاحظ اقتراب الجسم من مركز الدوران، وبابتعاد الجسم تنقص سرعة دورانه، وتنقص معها القوة النابذة لتبقى معادلة للقوة الجاذبة التي نقصت بالابتعاد، وهذا هو النظام الذي وضعه الله سبحانه وتعالى في هذا الكون، وسيّر الله تلك الأجرام السماوية وفقه- فالمسار ليس دائرياً تماماً، بل هو بشكل إهليلجي، أو يمكن القول إنه قطع ناقص- ويخبرنا عز وجل بقوله عن ذلك النظام:

(إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً) [فاطر: 41].

ولنتمعن بدقة كبيرة في هذه الآية الكريمة لما لها من أهمية في معرفة الشكل الذي تأخذه السماوات قال تعالى: (والسماء ذات الحبك) [الذاريات: 7].

يقول المفسرون: أي إن الله عز وجل يقسم بالسماء ذات الطرائق المحكمة، والبنيان المتقن، وقال ابن عباس رضي الله عنه: ذات الخلق الحسن المستوي.

ورد في مختار الصحاح قول الفراء: الحبك: تكسّر كل شيء، كالرمل إذا مرت به الريح/ رمال الصحراء مثلاً/، والماء الساكن إذا مرت به الريح أيضاً يصبح ذا سطح ملتو فيه ارتفاعات وإنخفاضات أو ما يعرف باسم أمواج فهو سطح متموج – متجعد – ودرع الحديد لها حبك أيضاً، والشعرة الجعدة تكسرها/ تجعدها/ حُبُك، وفي حديث الدجال/ إن شعره حُبُك / أي أجعد أي أن شعره يلتوي التواءات عديدة.

إذاً: يمكن أن نفسر قوله تعالى: (والسماء ذات الحبك) أي يقسم سبحانه وتعالى بالسماء ذات الشكل المتجعد، حيث ترتبط السماء بعضها ببعض بإحكام وإتقان وقوة، حتى صارت كأنها النسيج المتين الشديد، ذات التواءات (وبنينا فوقكم سبعاً شداداً) [النبأ: 12].

وبما أنه سبحانه وتعالى أقسم بهذه السموات لما لها من أهمية بالغة وأنها ذات الحبك، وهذا التجعد أو التموج في السماء هل يمكن تفسيره بأنه تقوّس في السماء عند التقائها مع الأرض / مثلاً/، وأن الأرض ذات تقوّس موجب/ فهي مفلطحة/ وعلى هذا يحصل تقوسات في السماء عند الأجرام السماوية المختلفة، وهذا يتم في كل السماوات السبع لأن لفظ السماء هو لفظ عام يشمل السماوات السبع ولم يخصص في القسم سماء واحدة.

فكواكب المجموعة الشمسية مثلاً كما ذكرنا زيّنت السماء الدنيا، والشمس والقمر في السماء الدنيا، وكل جرم من تلك الأجرام السابقة الذكر يحصل عند تقوس في السماء نتيجة تقوّس ذلك الجرم.

وهكذا بالنسبة للنجوم كلها، في السماوات السبع أو أن تفسير التموج (التجعد) في السماء لـمّا يعرف بعد.

أو يمكن تفسير هذا التجعد بسبب شدة الجاذبية المحلية (المكانية)، وهذه المادة المكانية التي شوهت الفضاء الثلاثي الأبعاد الذي نعيش فيه، (جعّدته إلى بعد مادي رابع لا ندركه بشكل مباشر (حسب النظرية النسبية)، ذلك البعد هو الزمن، وهكذا يمكن القول بأن الكتل تؤثر مباشرة في الزمان والمكان.

  (الكون والنظرية النسبية بين القرآن الكريم
والنظرية عبدو محمد خير الأحمر ص 99- 100)

ويضيف الدكتور أحمد فؤاد باشا في كتابه رحيق العلم والإيمان حول تفسيره لنفس الآية: (والسماء ذات الحبك* إنكم لفي قول مختلف*) [الذاريات-7]، وقد جاء في التفسير أن الحبك جمع حبيكة: أي مسير النجم، وقيل حبكها صفاقها، يقال في الثوب الصفيق حسن الحبك، وقال ابن عباس: ذات الجمال والبهاء، والحسن والاستواء، فإنها من حسنها مرتفعة وشفافة صفيقة، شديدة البناء متسعة الأرجاء، أنيقة البهاء، ويقال حبك الشيء: أحكمه. فتبارك الله تعالى القدير، الذي أوجد هذا الكون بإرادته المباشرة المطلقة، وجعل بناءه آية في الروعة والكمال، ليس فيه اختلاق ولا تنافر، ولا نقص ولا عيب ولا خلل، ولا شقوق ولا خروق ولا صدوع، وتمجّد الله الخالق الواحد الذي أخبر عن عظيم سلطانه وآثار قدرته، وبيّن غاية الإحكام والإتقان في بديع خلقه وباهر صنعته، فقال عز من قائل: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير* الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور* الذي خلق سبع سماوات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور*ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير) [الملك 1-4]

قال ابن عباس ومجاهد: (هل ترى من فطور)، أي شقوق، وقال السدى: (أي من خروق) وقال قتادة: أي هل ترى خللاً يا ابن آدم؟ وقال الإمام الفخر في تفسيره الكبير: المعنى إنك إذا كررت نظرك لم يرجع إليك بصرك بما طلبته من وجود الخلل والعيب، بل رجع خاسئاً مبعداً لم ير ما يهوى من الكلال والإعياء.

وقد أكّد القرآن الكريم هذا المعنى في مواضع مختلفة، ونبّه العباد إلى الحكمة السامية وراء التناسق والإبداع في خلق هذا الكون، وذلك في مثل قوله تعالى: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج*) [ق-6]، وقوله سبحانه: (الذي أحسن كل شيء خلقه…*) [السجدة -7]، وقوله جل شأنه: (إنا كل شيء خلقناه بقدر*) [القمر-49]، وجاءت الإشارة إلى حدوث الانفطار أو الانشقاق في الكون عندما أخبر الله – سبحانه وتعالى – عن علامات الساعة وأهوال يوم القيامة، وذلك في مثل قوله: (إذا السماء انفطرت*) [الانفطار -1]، وقوله: (إذا السماء انشقت* وأذنت لربها وحقت*) [الانشقاق1-2]، وقوله: (وانشقت السماء فهي يومئذ واهية*) [الحاقة-16]، وقوله: (اقتربت الساعة وانشق القمر*) [القمر-1].

      (رحيق العلم والإيمان أحمد فؤاد باشا ص 58)

كما يشير الدكتور خالد فائق العبيدي في كتابه (المنظار الهندسي للقرآن الكريم ص565)

إلى الآية السابقة وهي قوله الله تبارك وتعالى: (والسماء ذات الحبك*) [الذاريات:7]

والحبك هي الطرائق أو الطرق المحكمة الخلق، وهي ما اكتشفه العلماء مؤخراً في الطبقات السفلى من الغلاف الجوي، وأسموها (مواسير التنفس) وتوصلوا إلى معرفة وظيفتها، وهي تخليص الغلاف الجوي من الغازات المتأينة التي تدخله مما يحدث فوق سطح الأرض كانفجار البراكين، واحتراق النفايات، وعوادم المحركات والمصانع، وهي الغازات والنواتج والعوادم التي تقذف بها الرياح إلى الطبقات العليا من الغلاف الجوي، مصداقاً لقول الله تبارك وتعالى: (والمرسلات عرفا*) [المرسلات- 1]، فالله عز وجل يقسم في هذه الآية بالرياح العالية التي تعلو وترتفع حاملة معها هذه المواد الضارة، ولو أوقف الله سبحانه وتعالى عمل هذه (المرسلات) لبقيت هذه الغازات الخانقة والمواد الضارة والعوادم الخطيرة في طبقة التروبوسفير (الملامسة لسطح الأرض) وإلا اختنقت الأحياء وماتت..

وتتميز الطبيعة الفريدة لجو الأرض بكونها تحتوي على تركيز عال من الأوكسجين الجزئي مقارنة بالأجرام الأخرى، ومن المعروف عند تزايد الأكسجين الجزئي المجتمع في طبقة الستراتوسفير (15-100) كلم فإن تركيز الأكسجين الثلاثي الأوزان (O3) يزداد أيضاً بشكل تدريجي ، وبهذا يحمي الأرض من الأشعة فوق البنفسجية المؤذية، وهكذا نستيقن أن الميزان الإلهي محسوب للنجوم والكواكب التي تمتلئ بها السماء؛ فكل كوكب مثلاً ينجذب نحو الشمس بقوة الجاذبية ويتأثر بنفس الوقت بقوة مضادة تدعى القوة الطاردة المركزية نتيجة دورانه في فلكه، وتتساوى القوتان العمد (غير المرئي) والقوة الطاردة المركزية وكأنهما كفتا ميزان. ويدور الكوكب بذلك مستقراً في فلكه بحيث يتناسب مربع زمن دورته مع مكعب بعده عن الشمس، وبحيث يكنس الخط الوهمي الواصل بينه وبين الشمس مساحات متساوية في أزمنة متساوية. فقوة الشمس هي التي تجعل الشمس تمسك بالأرض فتدور حولها كما جعلت الشمس تمسك بعطارد والزهرة وجعلتهما يدوران حولها كل في مداره.

موجات الجاذبية:

قال تعالى: (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا) [فاطر 41].

افترض أينشتاين في بداية القرن العشرين وجود ما يسمى بموجات الجاذبية وذلك في مجال تفسيره لماهية الجاذبية كما يلي:

ومن المعروف أنه إذا تحركت مادة مشحونة كهربائياً مثل البروتونات والإلكترونات في ذرات المواد فهذه الجسيمات تكون مصحوبة في حركتها بموجات تدعى الموجات الكهرومغناطيسية. وقياساً على ذلك فالمادة غير المشحونة تكون مصحوبة في حركتها بموجات الجاذبية. ويفترض علماء الفيزياء انبعاث هذه الموجات من جسم ذري جديد يحتمل وجوده في كل الذرات يسمى الجرافيتون! ويتوقع العلماء أن تسير موجات الجاذبية تلك بسرعة الضوء!.

أما إذا انعدمت الجاذبية في الكون فإن العقد الكوني ينفرط وينهار البناء، وعلى مستوى أرضنا فإن كل شيء عليها يتركها ويندفع في الفضاء وحتى سطحها نفسه يتخلى عنها ولن يلبث دورانها أن يبددها ذاتها إلى أجزاء تتناثر وتتطاير.

ونستطيع بذلك السير، على السقوف أو على جدران المنازل بالسهولة نفسها التي نسير بها على الأرض دون خشية السقوط! كما أننا لن تستطيع صب الماء من الإناء في كوب، بل إننا لن تحتاج أصلاً لمثل ذلك الإناء، بل يكفي أن نترك قبضة من الماء في الهواء كي تظل معلقة به!. ويمكننا أن نحمل بسهولة مكتباً ثقيلاً بإصبع واحد لنضعه على السقف حيث يستقر عليه!. كما نستطيع أن نضرب بأقدامنا لنندفع في الهواء حتى نصطدم بشيء آخر! بل يمكننا أن نخلع معاطفنا ونعلقها في الهواء على لا شيء! وإذا أحضرنا أي ميزان فإننا نستطيع ان نزن عليه بالضبط صفراً من الكيلو جرامات! كما يمكننا أن نضع بكل سهولة فيلاً وزنه على الأرض ستة أطنان على أفواهنا ونجعله في تمام الاتزان!.

وتبدو لنا هذه الأمور عجيبة ومضحكة لعدم ألفتنا على سطح الأرض بها، ولكنها أمور (طبيعية) في منطقة انعدام الوزن. والتي تبدأ من ارتفاع 3200 كيلو متراً فوق سطح الأرض. وحيث أن الجاذبية تتناسب عكسياً مع مربع البعد عن مركز الأرض، ولذلك فإذا ارتفع جسم إلى مسافة كبيرة فوق سطح الأرض فإن تأثير الجاذبية عليه يقل، وعندما يصل إلى الارتفاع السابق يتلاشى تماماً تأثير الجاذبية. ويمكننا الإحساس بانعدام الوزن ونحن على الأرض لبضع ثوان إذا كنا في مصعد نازل أو طائر منقضّ.

وكذلك يمكن لرواد الفضاء الخروج من سفينتهم للسباحة في الفضاء دون خشية السقوط، وهم في داخلها لا يشعرون بوجود الكراسي تحتهم، إذ أنه ليس هناك فوق ولا تحت، وإذا أراد أحدهم أن يمشي فإن مجرد ضغط قدميه على أرض المركبة يكون كافياً لرفعه إلى سقفها، وإن أراد النوم فإن حركة الشهيق والزفير كفيلة بأن ترفعه عن السرير ليهيم في جوها.

       (للكون إله – مصطفى الدمرداش ص 290-292)

فوائد الجاذبية:

لما كانت الحياة عل سطح كوكبنا لا تستقيم بغير وجود غلاف جوي مناسب، ولاستمرار هذا الغلاف ممسوكاً من قبل الأرض، فإن وزنها يجب أن لا يتعدى قيمة معينة حتى يتمكن من جذب مثل هذا الغلاف حتى لا يهرب إلى الفضاء فتصير الأرض جرداء قاحلة مثلما حدث للقمر. وهكذا شاءت إرادة الله أن تصل الأرض إلى كتلة تمكّنها من جذب غلاف جوي مناسب، وفي الوقت نفسه تحدّد حجم الأرض حتى لا تؤدي الزيادة فيه إلى كبر المسافة بين مركز الأرض ومراكز الغازات المكونة للغلاف الجوي فتقل تبعاً لذلك قوة الجاذبية ويهرب الغلاف. فالأمر محسوب ودقيق بدرجة تفوق تصور العلم والعلماء.

أما عن فائدة الجاذبية في السماوات، فإن لها فوائد اربعة: في التكوين، والرفع، وتحديد السرعات، والتوازن.

فبالنسبة للتكوين فقد أودعت الحكمة الإلهية في الذرات والجسيمات الكونية الأولية سراً هائلاً هو سر الجاذبية، حيث تعلّمت الأجسام مذ خلقت أن تتجاذب معاً وفقاً لقانون الجذب العام. وقد نتج عن ذلك التجاذب معاً تكاثف جزيئات المادة الكونية الأولى حول بعضها البعض، فتكوّنت أنويه الأجرام السماوية، ثم استمر التجاذب بحيث كبرت هذه الأنويه وأصبحت أكثر قدرة على الجذب من مسافات بعيدة. وهكذا استمر تسلسل جذب الأجسام بعضها إلى بعض حتى تكونت بدايات النجوم والكواكب والأقمار وسائر الأجرام، وشكّلت مجموعات النجوم المتقاربة نسبياً جزراً كونية متمايزة هي ما نسميها المجرات. ثم توالي جذب كل جرم لما حوله من جسيمات إلى أن تمت مرحلة النمو وحدوث الاستقرار في كل من الوزن والحجم والشكل على الصورة التي نألفها الآن. فاستقرت كتلة القمر مثلاً عند نحو 70 مليون مليون مليون طن، وأصبحت كتلة الأرض تعادل نحو 82 قمراً، وبلغت كتلة الشمس نحواً من 333000 أرض.

وبالنسبة للرفع فإنه على قدر ضآلة قوة الجاذبية على الأرض، ولكنها عارمة جبارة في السماوات حيث الكتل هائلة وهي تتماسك – رغم تباعدها- بقوى الجذب التي تمسك أجرام السماء وتمنعها من الانفراط لأن مدبر الكون لم يأذن بعد بانفراطها. وقى الجاذبية هذه هي القوى غير المرئية التي يعتمد عليها بناء السماوات.

فسبحان القائل: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها) [الرعد: 2].

فالسماوات مرفوعة بأعمدة من شأنها ألا ترى وهي أعمدة الجاذبية التي كشفها العلم بعد نزول القرآن الكريم بأكثر من 1000 عام!.

أما بالنسبة لتحديد السرعات فالجاذبية تحدد سرعات الدوران كما تحدد سرعات الهروب. وبالنسبة لسرعات الدوران فالجاذبية هي التي تحدد سرعات دوران الكواكب حول نجومها. فمن المعروف أن الكواكب القريبة من النجم تدور حوله بسرعة حتى لا تسقط فيه، وأما الكواكب البعيدة فتدور حول نجومها ببطء حتى لا تفلت منها. ويحكم ذلك قانون من نواميس الكون وهو ناموس الحركة. وأما عن سرعات الهروب فقانون الجذب العام هو الذي يحدد سرعة هروب أي شيء من سطح أي جرم. فإطلاق الأقمار الاصطناعية وسفن الفضاء من الأرض مثلاً يتم بسرعات معينة تكفي للتغلب على جاذبية الأرض لها. فلإطلاق الأقمار الاصطناعية يجب إعطائها سرعة لا تقل عن 5 ميل/ث للهروب من الأرض والدوران حول الشمس، بينما تحتاج هذه السفن إلى سرعة لا تقل عن 25 ميل/ ث للهروب من جاذبية الشمس لتقع في أسر نجم آخر غيرها.

وصدق الله القائل: (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان) [الرحمن: 33].

أما بالنسبة للأقمار الاصطناعية فيخال البعض وكأنها ثابتة في السماء والصحيح غير ذلك ولكن ذلك يعود لأن سرعة دوران تلك الأقمار حول الأرض تتزامن تماماً مع سرعة دوران الأرض حول نفسها. وتقوم فكرة إطلاقها على أساس التوازن بين القوانين الجاذبة والطاردة. وهي تدور حول الأرض في مدارات مختلفة حسب أغراضها.

وبالنسبة للتوازن فالجاذبية هي المسؤولة عن إقامة التوازن في مختلف أنحاء الكون.

ناموس التوازن

وإن من النواميس التي تبقي الوضع على ما هو عليه في كل أرجاء الكون، في السماوات والأرض وما بينهما، ناموس التوازن، والذي لولاه لانفرط العقد وانهارت العمارة الكونية المذهلة. وهذا الناموس يتجلى فيما يلي:

التوازن بين القوتين في قلب الذرة:

حيث تكون إحداهما شديدة والأخرى ضعيفة. والشديدة قوى ربط تعمل على جمع الجسيمات الأساسية في قلب الذرة وهي البروتونات والنيوترونات والإلكترونات، بينما الضعيفة هي قوى تفكك وتعمل على التفريق بين تلك الجسيمات. والتوازن الدقيق بين هاتين القوتين يعمل على التحكم في التفاعلات النووية في قلب النجوم وإلا زاد الضغط داخل النجم بدرجة كبيرة مما قد يؤدي إلى انفجاره.

التوازن بين قوتي الدفع والشد في رفع الغلاف الجوي للأرض:

فسقف الأرض المرفوع، وهو غلافها الجوي، يرتفع فوق سطحها نتيجة التوازن بين قوتين متساويتين مقداراً ومتضادتين اتجاهاً: الأولى تدفع بغازاته إلى الفضاء؛ لأن من خصائص الغازات أن تندفع بقوة تلقائية لتملأ الفراغ الذي تعرّض له، بينما تمسكه الثانية وتشدّه إلى سطح الأرض لتحول دون تسربه في الفضاء وتبدّده وهي بطبيعة الحال قوة جذب الأرض له. وتتعادل القوتان فيظل سقف الأرض مرفوعاً إلى ما شاء الله. والقوتان كلاهما غير مرئي.

فسبحان القائل: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها) [الرعد: 2].

التوازن بين قوتي الجذب والطرد المركزيتين:

إذ لو ترك ناموس الجاذبية على إطلاقه لاستتبع ذلك بالضرورة توالي جذب الأجسام الأكبر للأجسام الأصغر بحيث تلتصق جزيئات الأغلفة الجوية بأسطح الأراضي وتقع الأقمار على كواكبها والكواكب على نجومها، والنجوم على ما هو أكبر منها، وهكذا إلى أن تتكتّل كل مواد الكون في جرم مركزي هائل هو محصلة السماوات التي تحطّمت والأراضي التي تلاشت.

وطبعاً فإن هذا لا يحدث لوجود القوى المضادة قوى الطرد المركزي في مواجهة قوى الجذب المركزي.

ومن المعروف علمياً أن قانون الجذب العام يرغم أجرام السماء على الدوران حول بعضها البعض، فالقمر مثلاً يدور حول الأرض، والأرض حول الشمس، مما يؤدي إلى اتزانها.

وإذا نظرنا مثلاً إلى دوران القمر حول الأرض، كنموذج لذلك الاتزان، نجد أن الأرض تجذب القمر بقوة جاذبة مركزية، ولكن القمر يتغلّب على ذلك بقوة أخرى هي القوة الطاردة المركزية التي يعانيها أي جسم متحرك في مسار دائري. ونظراً لأن القوتين متساويتين مقداراً ومتضادتين اتجاهاً فهما متعادلتان تماماً كما تتعادل كفتا الميزان، ويظل القمر دائراً في مداره في حالة اتزان إلى ما شاء الله من غير أن يقع على الأرض.

 (للكون إله – قراءة في كتاب الله المنظور
د. مصطفى الدمرداش. (ص 286-ص 323)
.

بواسطة |2022-02-13T12:41:21+03:00فبراير 13th, 2022|
اذهب إلى الأعلى