ح – المطر مصدر جميع مياه الأرض:

قال تعالى:” أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ” (الزمر، آية: 21).

هذا الماء النازل من السماء.. ما هو وكيف نزل؟ إننا نمر بهذه الخارقة سراعاً لطول الالفة وطول التكرار، إن خلق الماء في ذاته خارقة ومهما عرفنا أنه ينشأ من اتحاد ذرتي أيدروجين بذرة أكسجين تحت ظروف معينة فإن هذه المعرفة خليقة بأن توقظ قلوبنا إلى رؤية يد الله التي صاغت هذا الكون بحيث يوجد الأيدورجين ويوجد الأكسجين وتوجد الظروف التي تسمح باتحادهما، وبوجود الماء من هذا الاتحاد، ومن ثم وجود الحياة في هذه الارض ولولا الماء ما وجدت حياة، إنها سلسلة من التدبير حتى نصل إلى وجود الماء ووجود الحياة والله من وراء هذا التدبير وكله مما – خلق الله- ثم نزول هذا الماء بعد وجوده وهو الآخر خارقة جديدة ناشئة من قيام الأرض والكون على هذا النظام الذي يسمح بتكوين الماء ونزوله وفق تدبير الله.

ثم نجيء الخطوة التالية لإنزال الماء ” فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ” سواء في ذلك الأنهار الجارية على سطح الأرض، أو الأنهار الجارية تحت طباقها مما يتسرب من المياه السطحية، ثم يتفجر بعد ذلك ينابيع وعيوناً، أو يتكشف آباراً ويد الله تمسكه فلا يذهب في الأغوار البعيدة التي لا يظهر منها أبداً.

” ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ” والحياة النباتية التي تعقب نزول الماء وتنشأ عنه، خارقة يقف أمامها جهد الإنسان حسيراً ورؤية النبتة الصغيرة وهي تشق حجاب الأرض عنها، وتريح أثقال الركام من فوقها، وتتطلع إلى الفضاء والنور والحرية، وهي تصعد إلى الفضاء رويداً رويداً.. هذه الرؤية كفيلة بأن تملأ القلب المفتوح ذكر، وأن تثير فيه الإحساس بالله الخالق المبدع الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، والزرع المختلف الألوان في البقعة الواحدة، بل في الزهرة الواحدة إن هو إلا معرض لإبداع القدرة، يشعر الإنسان بالعجز المطلق عن الإتيان بشيء منه أصلاً هذا الزرع النامي اللدن الرخص الطري بالحياة، يبلغ تمامه، ويستوفي أيامه.

– ” ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا”

وقد بلغ غايته المقدرة له في ناموس الوجود، وفي نظام الكون، وفي مراحل الحياة، فينضج للحصاد.

– ” ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا”

وقد استوفى أجله، وأدى دوره، وأنهى دورته كما قدر له واهب الحياة.

– ” إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ”

الذين يتدبرون فيذكرون، وينتفعون بما وهبهم الله من عقل وإدراك(153).