فطر الله النفس البشرية على حب كل جميل، والنفور من كل قبيح، وجعل الله الميل للجمال أمرًا طبيعيًّا في الفطرة السليمة، فطبع الإنسان ينفر من كل منظر وخلق وصوت قبيح، وجعل الله الجمال كذلك أمرًا محثوثًا عليه في شرعه الشريف، ففي الجمال اجتماع للأمر الكوني والأمر الشرعي في انسجام باهر. لذلك حث الإسلام على جمال المنظر، وجمال الأخلاق، والأصوات، والرائحة. والمسلم بخلقه الجميل، وبعبادته لرب جميل، وبالتزامه بشرع جميل، يكون جميلا يشيع الجمال والراحة والطمأنينة في المكان الذي يحل فيه، فالمسلم كالغيث أينما حل نفع.

وورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تتكلم عن الجمال وتحث عليه منها قوله تعالى: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ( النحل 5 – 8).

ولم توجد عقيدة قبل الإسلام أعطت الجانب الجمالي أهميته في العقيدة او في العبادة، او في الجانب النفسي كما برز ذلك في التربية الإسلامية و الحضارة الإسلامية التي جعلت المسلمين كالشامة بين الأمم. فجمعوا بين عميق الإحساس في الجمال و الكون و الحياة و الانسان ، لأن فطرة المسلم شفافة سليمة لم تطمس ، و من لوازم الفطرة الجميلة عمق الإحساس بالجمال في الحياة الاجتماعية و العلاقات الجمالية . فالمسلم جميل في البيت و المسجد والشارع ، و هو جميل في خلقه و في سلوكه و في احساسه بالجمال. ذلك أن الأصل في الجمال أنه يقوم على أصلين عظيمين أوله معرفة و آخره سلوك ، فالمؤمن يعرف الله سبحانه وتعالى بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء من جمال الأقوال ، وجمال الأعمال ، وجمال الأخلاق ، وجمال الصفات ، ويعبد الله بالجمال الذي يحبه : ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾   [ سورة الأعراف : الآية 180] .

يقول ا. كريسي موريسون في كتابه “العلم يدعو إلى الإيمان”: والجمال يبدو ملازمًا للطبيعة، وجمال السّحب وقوس قزح، والسماء الزرقاء، والبهجة الرائعة التي تملأ نفس الناظر إلى النجوم، وإلى القمر في طلوعه، والشمس في غروبها، وإلى روعة الظهر الفائقة، كل ذلك يهزّ مشاعر الإنسان ويسحره، وتحت الميكروسكوب تجد أصغر حيوان وأدقّ زهرة، تزيّنها خطوطٌ من الجمال مُحكمة الصنع، والخطوط البلورية التي للعناصر والمركبات، من نُدفة الثلج إلى الأشكال الأصغر منها، إلى ما لا نهاية، هي صادقة لدرجة مدهشة، حتى إن الفنّان ليس بوسعه إلا أن يقلّدها أو يجمعها معًا “.

-تعريف الجمال: لفت القران الكريم النظر الى الجمال عن طريق الحديث عن آثاره. التي قد تكون آثارا على العين أو على النفس فكما جاء في القران الكريم : (بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) ﴿ البقرة ٦٩﴾ فالسرور اثر من اثار رؤية الجمال.

قال سيد قطب رحمه الله في تفسير الاية: و سرور الناظرين لا يتم الا ان تقع ابصارهم على فراهة و حيوية و نشاط و التماع في تلك البقرة .

و قال تعالى في صدد الحديث عن الجنة في سورة الزخرف : (… وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ …. ) فلذة الاعين من آثار رؤية الجمال.

و قال الله مخاطبا رسوله صلى الله عليه و سلم : (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗوَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا) ﴿ الأحزاب ٥٢﴾. فالاعجاب تعبير النفس عن تأثرها بالحسن .

و قال تعالى في وصف نساء اهل الجنة : (فيهن خيرات حسان) سورة الرحمن 70،

و في الوصف العبقري : (متكئين على رفرف خضر و عبقريٍّ حسان) سورة الرحمن 77،

و في وصف الأرائك : ( متكئين فيها الارائك نعم الثواب و حسنت مرتفقا). الكهف 31

و هكذا تهتم الايات الكريمات بتسجيل اثر الجمال على النفس اذ يعرف الجمال به، و بمدى قوته يعرف مقدار الجمال.

وعرف حجة الإسلام الامام أبو حامد الغزالي رحمه الله الحسن والجمال بقوله: ( كل شيء فجماله و حسنه في ان يحضر كماله اللائق به الممكن له ، فاذا كان جميع كمالاته الممكنة حاضرة فهو في غاية الجمال. و ان كان الحاضر بعضها فله من الحسن و الجمال بقدر ما حضر ، فالفرس الحسن : هو الذي جمع كل ما يليق بالفرس من هيئة و شكل و لون و حسن عدو و تيسر كرٍّ و فرٍّ عليه. و الخط الحسن : كل ما جمع من تناسب الحروف و توازيها و استقامة ترتيبها و حسن انتظامها،

و لكل شيء كمال يليق به . فلا يحسن الانسان ما يحسن به الفرس ، و لا يحسن الخط بما يحسن به الصوت و لا تحسن الاواني بما تحسن به الثياب و كذلك سائر الأشياء ).

و قال ابن القيم رحمه الله : اعلم ان الجمال ينقسم قسمين: ظاهر و باطن : فالجمال الباطن : هو المحبوب لذاته ، و هو جمال العلم والعقل والجود والعفة والشجاعة.. و اما الجمال الظاهر فزينة خص بها الله بها بعض الصورعن بعض، وهي من زيادة الخلق التي قال الله تعالى فيها : ( يزيد في الخلق ما يشاء) ( فاطر – 1)، قالوا : هو الصوت الحسن و الصورة الحسنة.