حقيقة الجمال

الاقتباس هنا

هل للجمال حقيقة قائمة موجودة ؟ ام هو مجرد شعور نفسي تجاه شيء ما. و هذا الشيء لا يوصف بجمال ولا قبح، و إنما شعورنا هو الذي جعله كذلك. وعلى هذا لا يوجد شيء جميل او قبيح لذاته . وما كانت القضية تحتاج كبير اهتمام لولا أن بعضهم ذهب إلى الرأي الثاني الأمر الذي يفضي الى عدم استقرار المفاهيم ، فما كان في نظرالبعض حسنا ربما كان في نظر الغير قبيحاً. ذلك ان الشيء او الفعل – حسب رأيهم – ليس فيه قبح و لا حسن لذاته.

والقران الكريم رتب الآثار على رؤية الجمال و جعلها عامة، فقال في وصف البقرة (تسر الناظرين) و الناظرين تشمل كل ناظر،  فلو لم يكن الجمال قائما موجوداً فيها لما كان السرورعاماً يتناول كل رآها.

وفي وصف الجنة قال تعالى : “و فيها ما تشتهيه الأنفس و تلّذ الأعين” فجعل اللذة لكل عين يتاح لها تلك الرؤية . . و هكذا فلو لم يكن الجمال مستقراً فيها لكانت هي وغيرها سواء ولكانت اللذة لبعض الأعين.

وقد تكلم الامام الغزالي في هذه القضية ، و لم يستوقفه وجود الجمال في المحسوسات أيضا فقال : ” فاعلم أن الحسن و الجمال في غير المحسوسات ، إذ يقال : هذا خلق حسن ، و هذا علم حسن ، و هذه سيرة حسنة و هذه أخلاق جميلة … ”

و أما ابن القيم  الجوزية  فيقول ” وهذا فصل في ذكر حقيقة الحسن و الجمال ما هي ؟ وهذا أمر لا يدرك الا بالوصف …و قيل : الحُسن معنى لا تناله العبارة و لا يحيط به الوصف”

إنه يقرر وجود الحُسن ، و هذا امر لا شك فيه ، و لكنه يلفت النظر الى وسيلة ادراكه . . و هذا الإدراك قد يكون الوصف وسيلة له ، و قد يدق بعض الأحيان فيستعصي على العبارة .. و لكنه موجود. و المسألة هنا تتعلق بالافعال فقط ، و لا تتناول الأشياء، و لكنها مع ذلك تناقش اصل المسألة وهي قضية الحسن الذاتي و القبح الذاتي. (الظاهرة الجمالية في الإسلام – صالح أحمد الشامي ص 117).

الجمال و القيم : الحق والخير و الجمال… هي حقائق في هذا الوجود. كما إنها قيم. وهذا لا يعني أنها في لقاء دائم وأن بعضها لا يفارق بعضها الآخر. وإنما يعني بيان مستوى أهميتها في هذه الحياة. فالجمال له شخصيته المستقلة في التصور الإسلامي. و هذا لا ينفي لقاءه مع الحق و الخير ،ولكنه أيضاً لا ينفي وجوده في مجالات لا حقّ فيها و لا خير.

والحق والخير هما من الميادين التي للجمال فيها كلمة  ورأي؛  فالخير خير، ولكنه إذا زيّن بالجمال كان أقرب إلى الكمال. والحق حق ولكنه إذا زيّن بالجمال كان أدق في تحقيق العدل. والأمر بالمعروف خير، و لكنه إذا كان بأسلوب مهذب بعيداً عن الفظاظة و الغلظة؛ أي كان بالمعروف، كان أقرب الى تحقيق الجدوى.. لأنه في هذه الحالة أجمل.

و الصدقة على الفقير و المحتاج خير و لكنها إذا كانت على طريقة علي زين العابدين رحمه الله كانت خيراً و جمالاً ،فقد كان يكرم السائل و يقول له: ” أهلا بمن يحمل زادنا إلى الآخرة “.

وقد يوجد الجمال ولا يوجد الخير،  وأشار القرآن الكريم في قوله تعالى : (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ) ، فقد وجد الجمال هنا لدى المشركة و لم يوجد فيها الخير.(الظاهرة الجمالية في الإسلام – صالح أحمد الشامي ص 121)

الجمال و المنفعة: يظن بعض الناس أن الجمال يُسعى إليه على اعتباره وسيلة لما وراءه من منفعة أو لذة، فهو وسيلة و المقصود ما وراءه  . . .  و ليس الأمر كذلك.فالجمال من الأشياء التي تحب لذاتها لا لشيء آخر وراءها ، فمنفعة الانسان من الجمال هي متعة نظره أو سمعه أو شمه أو عقله و ليس هناك شيء آخر. وأي شيء أكثر نفعا من تلبية حاجة من حاجات النفس الفطرية، فرؤية الجمال تلبية لحاجة النفس في هذا الجانب، و إذن فمنفعة الإنسان من الجمال حاصلة في الجمال ذاته.

ويفرق الإمام الغزالي تفريقاً دقيقاً بين  لذة الجمال ذاته و لذة المنفعة الحاصلة منه، وهنا يكون الانسان امام لذتين فيقول: ” إن كل جمال محبوب عند مدارك الجمال، و ذلك لعين الجمال، لأن إدراك الجمال فيه عين اللذة . . و لا تظنن أن حب الصور الجميلة لا يتصور إلا لأجل قضاء الشهوة ، فإن قضاء الشهوة  لذة أخرى قد  تحب الصور الجميلة لأجلها، و إدراك نفس الجمال أيضا لذيذ،  فيجوز أن يكون محبوباً لذاته، و كيف ينكر ذلك والخضرة و الماء الجاري محبوب لا ليشرب الماء و تؤكل الخضرة أو ينال منها حظ سوى نفس الرؤية . .  حتى إن الانسان لتنفرج عنه الغموم و الهموم بالنظر إليها لا لطلب حظ وراء النظر”. (الظاهرة الجمالية في الإسلام – صالح أحمد الشامي ص 122).

بواسطة |2022-02-13T15:32:45+03:00فبراير 13th, 2022|
اذهب إلى الأعلى