قال تعالى: “وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى” (الرعد، آية: 2)

       ومن معاني تسخير الشمس والقمر ضبط حركة كل منهما لما فيه صلاح الكون واستقامة الحياة على الأرض ومن معاني أن كلا منهما يجري إلى أجل مسمى: أن الكون ليس بأزلي ولا بأيدي، بل كانت له في الأصل بداية تحاول العلوم المكتسبة تحديدها، وكل ما له بداية لابد وأن ستكون له في يوم من الأيام نهاية، لها من الشواهد الحسية في كل من الشمس والقمر ما يؤكد على حتميتها، ومن جوانب تسخير الشمس ما يلي:

– الاتزان الدقيق بين تجاذب مكونات الشمس وتمددها.

– تسخير طاقة الشمس من أجل ضبط حركة الحياة على الأرض.

– تكوين نطق الحماية المختلفة للأرض بفعل طاقة الشمس فقد شاءت إرادة الله “تعالى” أن يحمي الحياة على سطح الأرض بعدد من نطق الحماية التي لعبت أشعة الشمس “ولا تزال” الدور الأول في تكوينها “بعد إرادة الله” وأولها من الخارج إلى الداخل.

– النطاق المغناطيسي للأرض.

– أحزمة الإشعاع.

– النطاق المتأين.

– نطاق الأوزون.

وهذه النطق تتعاون في حماية الأرض من كل من الاشعاعات الكونية وفوق البنفسجية ومن العديد من الجسيمات الكونية الدقيقة والكبيرة والتي منها النيازك والشهب ولو لم تكن هذه النطق موجودة لاستحالت الحياة على الأرض ولو لم تكن الشمس موجودة ما تكونت تلك النطق على الإطلاق، ووجودها صورة من صور التسخير التي لم تكن معروفة في زمن الوحي بالقرآن الكريم ولا بعد قرون متطاولة من نزوله حتى نهاية القرن العشرين.

– تحديد الزمن: يتحدد كل من الليل والنهار ويوم الأرض وشهورها وفصولها وسنينها بدورة الأرض حول محورها، وبسبحها في مدارها حول الشمس وبذلك يستطيع الإنسان إدراك الزمن وتحديد الأوقات والتاريخ للأحداث.

– تسخير القمر:  والقمر تابع صغير للأرض يبعد عنها بمسافة تقدر بحوالي 384,400 كم في المتوسط، وهو على هيئة شبه كرة من الصخر، يقدر قطرها بحوالي 3474 كم ومساحة سطحها بحوالي 38 مليون كم2 ، وحجمها بحوالي 22 مليون مليون كم3  ومتوسط كثافتها بحوالي 3,34 جرام / سم 3، وكتلتها بحوالي 735 مليون مليون طن، ويتمثل تسخير القمر في النقاط التالية:

– تحديد الشهر القمري بدورة القمر حول الأرض.

– تسخير أطوار شكل القمر لتقسيم الشهر إلى أسابيع وأيام.

– إضاءة سماء الأرض بمجرد غياب الشمس: وذلك بمراحله المتتالية من الهلال الوليد، إلى ميلاد الهلال الجديد في أول الشهر التالي، وعلى ذلك فإن القمر في دورته الشهرية حول الأرض قد سخره ربنا تبارك وتعالى مصدراً للنور في ليل الأرض.

– تسخير القمر وسيلة من وسائل إتمام عمليتي المد والجزر: وهما قوتان من قوى الارض يعملان على تفتيت صخور الشواطئ وتكوين أنواع عديدة من الرسوبيات والصخور الرسوبية على طول تلك الشواطئ، كما تعملان على تركيز العديد من الثروات المعدنية من المعادن ذات الكثافة العالية في رمالها “أو ما يعرف باسم الرمال السوداء” هذا قليل من كثير من صور التسخير التي أعدتها الإرادة الإلهية بحكمة بالغة لكي يكون كل من الشمس والقمر لبنات صالحة في بناء الكون وفي انتظام حركة الحياة في الأرض، وجاءت الإشارة القرآنية إلى تسخير كل من الشمس والقمر وإلى جريهما إلى أجل مسمى “أو لأجل مسمى” في أربعة مواضع من القرآن الكريم على النحو التالي:

– قال تعالى: “اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ” (الرعد، آية: 2).

– وقال تعالى: “يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ” (فاطر، آية: 13).

– وقال تعالى: “خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ” (الزمر، آية: 5).

– وقال تعالى: ” أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ” (لقمان، آية: 29).

– ومعنى ذلك أن كلاً من الشمس والقمر يجري إلى نهايته المحتومة بقيام الساعة وأن هذا الأجل المسمى صورة من صور التسخير، والساعة لا تأتي إلا بغتة كما جاء في قول الحق تبارك وتعالى: “يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ” (الأعراف، آية: 187).

ولذلك فقد أبقى ربنا تبارك وتعالى في صفحة السماء من الشواهد الحسية ما يؤكد لكل ذي بصيرة حتمية فناء كل من الشمس والقمر، فتفقد  الشمس في كل ثانية من عمرها ما يعادل 4,6 مليون طن من كتلتها “على هيئة طاقة” ، مما يعني أن الشمس تحترق بتدرج واضح ينتهي بها حتماً إلى الفناء التام، ولكن الآخرة لن تنتظر فناء الشمس باحتراقها بالكامل، وذلك لأن الآخرة أمر إلهي بـ”كن فيكون”، وعلى ذلك لا تأتي إلا بغتة دون انتظار لحركة السنن الراهنة والتي أبقاها الله “تعالى” شاهدة على حتمية الآخرة، وإن كانت الآخرة لن تتم بواسطتها.

وقد ثبت أن الأرض تفقد من سرعة دورانها حول محورها- بفعل كل من الأمواج البحرية “خاصة عمليتي المد والجزر في البحار الضحلة”، وحركة الرياح- ما يقدر بحوالي الواحد من الألف من الثانية في كل قرن من الزمان، وهذا النقص في سرعة دوران الأرض حول محورها – على ضالته – يؤدي إلى تزايد مطرد في سرعة دوران القمر حول محوره مما يدفعه إلى التباعد عن الأرض بمعدل 3 سم في كل لحظة، ويقدر علماء الفلك أن هذا التباعد التدريجي للقمر سوف يخرجه حتماً في لحظة من اللحظات من نطاق أسر الأرض إلى نطاق جاذبية الشمس فتبتلعه وتكون في ذلك نهايته الحتمية، وهنا تكفي الإشارة التي سبق القرآن الكريم بتقرير حتمية ابتلاع الشمس للقمر من قبل ألف وأربعمائة سنة وذلك يقول الحق تبارك وتعالى: “فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ” (القيامة، آية: 7 – 9).