ثانيا : بصمات الإنسان الأخرى:  وليست بصمات البنان هي البصمات الخاصة بالإنسان التي نراها في حياتنا اليومية بل تتعداها لتشمل كل جزء من جسمه وكل خلية من خلاياه ، وقد تمكنت العديد من الدراسات العلمية من إثبات أن جسم الإنسان يمتلك العديد من البصمات الخاصة  في أذنيه وعينيه،  وفي أسنانه ولعابه،  وفي جلده وكبده، وفي صوته ومشيته، وفي غدده ورائحته، وفي عظامه وبصيلات شعره، وفي لعابه ونخاعه، وفي فكه ولسانه، وفي أية قطرة من دمه أو قطعة من لحمه، أو في جزء من جسمه ، كما نجدها في الكبد والبنكرياس والقلب والشفاه، كما أودعها تعالى في حيوانات الإنسان المنوية وفي جيناته الورائية وفي حامضه النووي DNA وفي المايتوكندريا، وفي بصماته الغذائية بحيث لا يتشابه إثنان تماما من أهل الأرض في بصماتهم جميعا، فسبحان الذي خلق كل شىء فقدره تقديرا!

ويتجلى الإعجاز في خَلق الإنسان أن تكون بصماته في جيناته وخلاياه وسمعه وبصره وجلده ولسانه ودمه  ولحمه وعظمه وبصمات بنانه أدل عليه من وجهه وصورته وأقوى برهان على شخصيته وأدل عليه من إمضائه،

هل هناك بصمات أخرى للإنسان ؟
لقد توصلت الأبحاث العلمية أخيراً إلى وجود بصمات أخرى في الإنسان وهي بمثابة علامات فارقة تميزه عن غيره من بني جنسه عندما تدعو الحاجة إلى ذلك.

.1بصمة الصوت:   يعتبر لسان الإنسان من آيات عظمة الله وقدرته ، قال تعالى : ” ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم ”  الروم – 25 ، وقد تتشابه بعض أصوات الإنسان مع أصوات بعض الأقارب ، ولكن يبقى لكل إنسان صوته الذي يميزه .  يحدث الصوت نتيجة اهتزاز الاوتار الصوتية في الحنجرة بفعل هواء الزفير وبمساعدة العضلات المجاورة التي تحيط بها وهي 9 غضاريف صغيرة تشترك جميعها مع الشفاه واللسان والحنجرة لتخرج نبرة صوتية تميز الإنسان عن غيره ، فإن لكل صوت خصائصه الفريدة،  وهناك الكثير من البرامج التي أثبتت هذه الحقيقة في المعامل الجنائية، وليس ذلك بعجيب فقد تمكنت نملة في وادي النمل أن تتعرف على صوت سليمان عليه السلام من بين ألوف الأصوات من البشر والدواب والطيور ، وكما في الآية الكريمة: ” حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون” (النمل: 18) فقد جعل الله بصمة لصوت سيدنا سليمان مما  جعلت نملة أن تتعرف عليه وتميزه عن أصوات جيشه الكبير.

وجعل الله لكل إنسان بصمة صوته المميزة وهو ما يستعمله  البحث الجنائي في تحقيق شخصية المتحدث، حيث يمكن تحديده حتى ولو نطق بكلمة واحدة، وذلك بتحويل رنين صوته إلى ذبذبات مرئية بواسطة جهاز تحليل الصوت «الاسبكتروجراف” وتستخدمها بنوك في أوروبا بتخصيص خزائن خاصة لعملاء لا تفتح إلا ببصمة الصوت.

.2 بصمة الشفاه : كما أودع الله بالشفاه سر الجمال أودع فيها كذلك بصمة صاحبها، ونقصد بالبصمة هنا تلك العضلات القرمزية التي كثيراً ما تغنى بها الشعراء وشبهها الأدباء بثمار الكرز، وقد ثبت أن بصمة الشفاه صفة مميزة لدرجة أنه لا يتفق فيها  إثنان في العالم، وتؤخذ بصمة الشفاه بواسطة جهاز به حبر غير مرئي حيث يضغط بالجهاز على شفاه الشخص بعد أن يوضع عليها ورقة من النوع الحساس فتطبع عليها بصمة الشفاه، وقد بلغت الدقة في هذا الخصوص إلى إمكانية أخذ بصمة الشفاه حتى من على عقب السيجارة.

.3 بصمة الأذن:  تختلف بصمة الأذن الخارجية من إنسان لآخر ، ويولد الإنسان وينمو وكل ما فيه يتغير إلا بصمة أذنه، فهي البصمة الوحيدة التي لا يمكن التلاعب بها ن فهي لا تتغير منذ ولادته وحتى مماته، وتهتم  بها بعض الدول، حيث يستفاد من تغير تجاويف الأذن ، ويتم مسحها باستخدام بعض البرامج الحديثة وتبلغ نسبة دقتها 99.6 %.

 .4 بصمة العين :  أثبت العلم أن بصمات العيون فريدة في نوعها ، وأنه لا تتشابه بصمات عيون فردين في الأرض مطلقا حتى مع التوائم ، ولكن قد يتطابق شكل العين بشكل كامل ، ولكن يبقى اختلاف في حدقة العين. وقد  إبتكرت إحدى الشركات الأمريكية لصناعة الأجهزة الطبية بصمة للعين ، وتؤكد الشركة أنه لا يوجد عينان متشابهتان في كل شيء، حيث تم أخذ بصمة العين عن طريق النظر في عدسة الجهاز الذي يقوم بدوره بالتقاط صور لشبكية العين، وعند الإشتباه في أي شخص يتم الضغط على زر معين بالجهاز فتتم مقارنة صورته بالصورة المختزنة في ذاكرة الجهاز، ولا يزيد وقت هذه العملية على ثانية ونصف.

.5  الحمض النووي البصمة الوراثية :  الإنسان بجيناته وعوامله الوراثية فقد كثرت الدراسات في هذا الموضوع  والتي لا يعدها عاد ويمكن فحص جميع العينات الحيوية من أي نسيج في الجسم البشري كالشعر والدم والعظم والجلد… الخ عن طريق تقنيات الحمض النووي الوراثي DNA  ، إذ تتعدى تلك الدراسات الشخص وجنسه ونسبه وعمره ومشاكله الصحية وأصوله الجغرافية.

  1.  بصمة الدماغ :  يتم التعرف على البصمات الدماغية باستخدام  الموجات الكهرو مغناطيسية  على الدماغ و البصمات الكهربية للقلب بل و بصمات التعرق أيضا،و ما زالت بصمة الدماغ تحت الدراسة وقد تأخذ وقتاً يصل إلى 20 سنة أو أكثر، والفكرة في ذلك عن طريق فك الرموز الكيميائية للذاكرة حيث تحتفظ الذاكرة آخر صورة قبل الوفاة.
  2.  بصمة اللسان :  تمكن العلم من إثبات أن النقاط الموجودة على ألسنتنا عبارة عن حلمات للتذوق، وأن هذه الحلمات  موضوعة على اللسان بطريقة معينة و منتظمة وتختلف من شخص لآخر، حيث تكون بصمة فريدة من نوعها .
  3.  بصمة الرائحة : أثبت العلماء أن لكل شخص رائحة مميزة تنتج عن تركيبة فريدة تتناسب مع عمره ، وطبيعة غذائه، وحالته الصحية والنفسية،  وكونه ذكرا أو أنثى، كما أثبت العلماء والتجارب أن بعض الناس يحتفظون بهذه الذاكرة لديهم ولو مضى عليها عشرات السنين ، ألم يتذكّر يعقوب عليه السلام رائحة يوسف عليه السلام بعد مضي عشرات السنوات على غيابه  وحتى على بعد مسافات طويلة من تلك الرائحة، و كذلك فإن الأطفال الرضع يميزون أمهاتهم من رائحتهن الخاصة ، وأن الإنسان يستطيع أن يميز 10.000 نوع من الروائح المختلفة، وأن الله قد منح بعض أنواع الكلاب القدرة على التفريق بين الأشخاص ولو بلغ عددهم عشرات الألاف ولو بلغ سمك الرائحة 4 / 1000.000.000 من الجرام.
  4.  بصمة الوجه : أثبت العلماء أن التوائم لا يمكن أن يتشابها في بصمة الوجه ، تلك البصمة التي يحددها شكل عظام وعضلات الوجه بشكل دقيق.  وقد استخدم بصمة الوجه العديد من البنوك و الشركات الفريدة بهدف الاحتفاظ بالعديد من الأمور السرية ، حيث يقوم صاحب البصمة بالوقوف أمام جهاز الماسح الضوئي لمدة ثواني معدودة ليقوم الجهاز بعمل بصمة لوجهه ، ومن ثم يمكنه اجتياز هذا الأمر السري أو رفضه .
  5.  بصمة الأسنان: و قد تم استخدام هذه البصمة في علم الوراثة منذ أقدم العصور ، تلك البصمة التي يحددها طبيعة ترتيب  الأسنان و تعرجاتها و شكلها الخارجي و شكل الحلق .
  6. بصمة الشعر: يحتوي جسم الإنسان حوالى 5 مليون شعرة ، ويحتوي الرأس على  100.000 – 150.000 شعرة ، وهو يتغير كل 7 سنوات والشعر مصدر هام للخلايا الجذعية ، ويقوم شعر الرأس بحماية الرأس من الكدمات والعوامل  الخارجية، وتعبر بصيلات الشعر عن حقائق تتعلق بشخصية الإنسان وحياته وبيئته وطعامه وشرابه وعمره علما بأن سمك الشعرة أقل من 30 ميكرو ملم أي 30 نانو.

12 . بصمة المشي : أثبت العلماء أن لكل إنسان طريقة مشيه الخاصة التي لا يشبهها أحد غيره، ولو كانا والديه ، فقد تتشابه في بعض نقاط الاختلاف ،  وتعتبر بصمة المشي إحدى وسائل التعرف على شخصيته الخاصة ، وقد أرجع العلماء أن ذلك يعود إلى تصميم فريد في تركيب عظامه وعضلاته ، مما ينتج عنه تفرده بشكل المشي ولو بين مئات الناس.

13 . بصمة الأظافر: كما تعبر أظافر الإنسان عن شخصيته وعمره  وصحته وأمراضه

بصمات أخرى:

هذا ليس كل شئ فقد قامت العديد من الدراسات العلمية ، حول جسم الإنسان تمكنت من إثبات أن تقريبا ، جسم الإنسان بشكل عام يمتلك العديد من البصمات ، فلكل منا تركيبة فريدة في رائحة عرقه ترجع لنوعية طعامه و غدده فهل يعقل أن تكون هذه الأشياء كلها مصادفة .

  1. بصمات العظام
  2. بصمة الكبد
  3. بصمة اللعاب
  4. بصمة الدم
  5. بصمة أعقاب السجائر

الخلاصة

أكدت الدراسات والبحوث والتجارب والإحصاءات العلمية أنه لا يمكن أن تنطبق بصمتان في العالم لشخصين مختلفين ، وأن مما تمتاز به بأن لكل شخص تنوعاً لا حد له، بحيث تتميّز بصمات كل شخص بعلامات مميّزة خاصة ينفرد بها دون أي شخص آخر، وهذه الحقيقة هي التي تضفي على البصمات أهميتها باعتبارها قاطعاً في تحقيق الشخصية.

وإن من الاعجاز الخَلقي في الإنسان أن تكون بصماتـه أدل عليه من وجهه وصورته وأقوى برهان على شخصيته وأدل عليه من إمضائه، وهذا الجلد لو احترق تكوّن مكانه لظهر مكانه جلد جديد وبه نفس الأشكال التي كانت في جلده القديم.

وكما يتجلى الإعجاز أيضا أن الخالق المصور سيبدع ما هو أعظم من إعادة خلق عظام الإنسان بل يتعداه إلى كسوة الوجه وسائر الجسم  والأيدي باللحم، بل تتعداه إلى صنع الأصابع بلحمها وعظمها ودقة إحساسها، والآية الكريمة تثبت قدرة الله على أن يبعث الناس إلى الحياة الأخرى وقد أعيد إليهم تركيب هياكلهم العظمية النخرة ، وعادت إليهم  أصابعهم وبصماتهم الخاصة التي كانت لهم في حياتهم الدنيا. وعادت لهم جلودهم التي كانت تحفظهم، وعادت لهم ألسنتهم التي كانوا يتكلمون بها، وأعينهم التي كانوا يبصرون بها، وآذانهم التي كانوا يسمعون بها، ونواصيهم التي كانوا يتكبرون بها، واقدامهم التي كانوا يسعون إلى الفساد فيها، كما عادت ذاكرتهم وفيها سعيهم وأعمالهم وخطرات قلوبهم وخزائن صدورهم.

الإعجاز العلمي

يتجلى الإعجاز القرآني في هذه الآية الكريمة التي تتكلم عن حقائق علمية عن البصمات لم يكتشفها العلماء إلا بعد أكثر من ثلاثة عشر قرنا من نزول القرآن الكريم، أن الإنسان كله بصمات، فبصماته توجد فى يديه وقدميه وشفتيه وأذنيه ودمه ولعابه وفي شعره وعيونه وغيرها. وقد كانت البصمة ولا تزال سراً من أسرار عظمة الله عز وجل فى خلقه ليثبت قوله. (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) سورة النحل – 88 ، وقدرته على إحياء العظام وهي رميم.

أن الخالق المصور سيبدع ما هو أعظم من إعادة خلق العظام بكثير، أما الأعظم من ذلك فهو إعادة صنع الأصابع بلحمها وعظمها ودقة إحساسها كما خلقها أول مرة، والآية الكريمة تثبت قدرة الله على أن يبعث الناس إلى الحياة الأخرى وقد عادت إلى أصابعهم تلك البصمات الخاصة التي كانت  تميزهم في حياتهم الدنيا.

ولكن الشيء المستغرب لأول نظرة تأمل في هذا القسم هو القدرة على تسوية البنان ذلك  الجزء الصغير والذي لا تتجاوز مساحته 1/ 2 سم2 من جسم الإنسان، ووضع فيه من أسرار خلقه ما تعجز العقول عن قياسه وتدبره والتفكر فيه . قال تعالى : ( أو لم يتفكروا في أنفسهم ) ، وكل ذلك  ما يشهد على عظمته تعالى وقدرته وحكمته.

كما أن في الآية الكريمة  دليلا ربانيا على أن الله سبحانه قادر على بعث الخلائق من جديد وجمع العظام وإعادة الأصابع إلى سيرتها الأولى كما كانت رغم صغرها واختلاف مميزاتها ودقائقها والتي أقرّ العلم الحديث في مجال البصمات انفرادية كل بصمة إصبع عن الإصبع الأخر.

فمن الذي أخبر محمدا عليه السلام بهذه الحقائق التي بدأ العلماء باكتشاف أسرارها بعد أكثر من ثلاثة عشر قرنا بعد نزول القرآن الكريم ولا يزالون يكتشفون، إن الله الخالق الحكيم الذي خلق كل شىء  فقدره تقديرا.