قال تعالى:” أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ” (الأنبياء، آية: 30).

مع أهمية الماء ووفرته في الحياة حيث أن 71% من سطح كرتنا المائية “الأرضية” مغطى بالمياه، احتارت البشرية قروناً في وضع التعريف الدقيق للماء ولما عجزوا قالوا: وفسر الماء بعد الجهد بالماء، وفي العصر الحديث تباينت نظرة الناس للماء فعندما طلب تعريف دقيق للماء مع أيضاح أهميته من بعض الناس جاءت الإجابات متباينة:

– فقطاع الزرّاع يرى أن الماء هو الشيء الأساسي للحياة فإذا غاب لا تنبت البذور ولا الحبوب ولا الجراثيم، ولا تنمو المزروعات، ولا توجد الأنعام، ويهلك الحي منها ويموت.

– أما الأطباء فيرون الماء من زاوية أهميته لحياة الناس وصحتهم الخاصة والعامة فجميع العمليات الحيوية في الجسم تحتاج إلى الماء حتى تتم.

– والبيولوجيون يجمعون في نظرتهم بين نظرتي الزراع والأطباء، ويزيدون عليها أن الحياة جميعاً هي الماء وأن التربة الزراعية والنبات والحيوان والإنسان والكائنات الحية الدقيقة تحتاج إلى الماء في كل مرحلة من مراحل حياتها.

– أما علماء التاريخ والجغرافيا البشرية فيربطون بين نشأة الحضارات والماء، فالحضارة المصرية ارتبطت بنهر النيل، وحضارة سبأ ارتبطت بالمياه الموسمية وسد مأرب، وحضارة العرب ارتبطت ببئر زمزم وتفجر الماء العذب منه.

– أما الفيزيائيون والذين يخططون للمستقبل فيرون أن الماء هو مصدر الهيدروجين عنصر الطاقة الحيوية والاستراتيجية في المستقبل القريب.

– والجيولوجيون يرون نشأة الحياة وتكوّن التربة والحفريات وعناصر الطاقة ومصادرها القديمة والحديثة مرتبطة بالمياه ووجودها ودورتها في الحياة(146).

– فسبحان من قال في كتابه:” وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ” (الأنبياء، آية: 30).

وقد ورد ذكر كلمتي ماء والماء في القرآن الكريم 59 مرة، وورد ذكر الماء في كلمات أخرى “ماءك، ماءها، ماؤكم، وماؤها، أربع مرات، وبذلك يكون الماء قد ورد ذكره في القرآن الكريم 63 مرة وبقراءة الآيات القرآنية التي ورد ذكر الماء فيها يمكن إدراجها تحت المواضيع التالية:

أ ـ نزول ماء السماء بقدر:

قال تعالى:” وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ” (المؤمنون، آية: 18).

” وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ” بحكمة وتدبير لا أكثر فيغرق ويفسد، ولا أقل فيكون الجدب والمحل ولا في غير أوانه فيذهب بدداً من غير فائدة ” فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ” وما أشبهه وهو مستكن في الأرض بما النطفة وهو مستقر في الرحم “في قرار مكين” كلاهما مستقر هنالك بتدبير الله لتنشأ عنه الحياة وهذا من تنسيق المشاهدة على طريقة القرآن في التصوير ” وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ”: فيغور في طبقات الارض البعيدة بكسر أو شق في الطبقات الصخرية التي استقرت عليها فحفظته أو بغير هذا من الأسباب، فالذي أمسكه بقدرته قادر على تبديده وإضاعته إنما هو فضل الله على الناس ونعمته(147).

ب- “أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ”

قال تعالى:” أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ” (الواقعة، آية: 68 ـ 70).

وهذا الماء أصل الحياة، وعنصرها الذي لا تنشأ إلا به كما قدر الله، ما دور الإنسان؟ دوره أنه يشربه أما الذي أنشأه من عناصره وأما الذي أنزله من سحائبه، فهو الله سبحانه، وهو الذي قدر أن يكون عذباً فكان ” لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا” مالحاً لا يستساغ ولا ينشيء حياة، فهلا يشكرون فضل الله الذي أجرى مشيئته بما كان؟

والمخاطبون ابتداء بهذا القرآن كان الماء النازل من السحائب، في صورته المباشرة، مادة حياتهم، وموضع احتفالهم، والحديث الذي يهز نفوسهم، وقد خلدته قصائدهم وأشعارهم، ولم تنقص قيمة الماء بتقدم الإنسان الحضاري، بل لعلها تضاعفت، والذين يشتغلون بالعلم ويحاولون تفسير نشأة الماء الأولى أشد شعوراً بقيمة هذا الحدث من سواهم، فهو مادة اهتمام للبذائي في الصحراء، وللعالم المشتغل بالأحداث سواء(148).

ج – نزول الغيث من مفاتيح الغيب:

عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله “إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (لقمان، آية: 34)(149).

– الله – سبحانه وتعالى – قد جعل الساعة غيباً لا يعلمه سواه، ليبقى الناس على حذر دائم، وتوقع دائم، ومحاولة دائمة أن يقدموا لها، وهم لا يعلمون متى تأتي فقد تأتيهم بغتة في أي لحظة، ولا مجال للتأجيل في اتخاذ الزاد، وكنز الرصيد.

– والله ينزل الغيث وفق حكمته، بالقدر الذي يريده، وقد يعرف الناس بالتجارب والمقاييس قرب نزوله ولكنهم لا يقدرون على خلق الإنسان التي تنشئه والنص يقرر أن الله هو الذي ينزل الغيث، لأنه سبحانه هو المنشيء للأسباب الكونية التي تكونه والتي تنظمه، فاختصاص الله في الغيث هو اختصاص القدرة كما هو ظاهر من النص، ـ مع علم الله الشامل المحيط بكل شيء

– فعلم الله وحده هو العلم الصحيح الكامل الشامل الدائم الذي لا يلحق به زيادة ولا نقصان.

– ” وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ”.. اختصاص بالعلم كالاختصاص في أمر ” السَّاعَةِ” فهو سبحانه الذي يعلم وحده علم يقين، ماذا في الأرحام في كل لحظة وفي كل طور، من فيض وغيض، ومن حمل حتى لا يكون للحمل حجم ولا جرم، ونوع هذا الحمل ذكراً أم أنثى، حين لا يملك أحد أن يعرف عن ذلك شيئاً في اللحظة الأولى لاتحاد الخلية والبويضة وملامح الجنين وخواصه وحالته واستعداداته، فكل أولئك مما يختص به علم الله تعالى.

– ” وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا”.. ماذا تكسب من خير وشر، ومن نفع وضر، ومن يسر وعسر، ومن صحة ومرض، ومن طاعة ومعصية، فالكسب أعم من الربح المالي وما في معناه، وهو كل ما تصيبه النفس في الغداة، وهو غيب مغلق عليه الأستار والنفس الإنسانية تقف أمام سدف الغيب، لا تملك أن ترى شيئاً مما وراء الستار ” وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ” فذلك أمر وراء الستر المسبل السميك الذي لا تنفذ منه الأسماع والأبصار.

وإن النفس البشرية لتقف أمام هذه الأستار عاجزة خاشعة، تدرك بالمواجهة حقيقة علمها المحدود، وعجزها الواضح، ويتساقط عنها غرور العلم والمعرفة المدعاة وتعرف أمام ستر الغيب المسدل أن الناس لم يؤتوا من العلم إلا قليلاً، وأن وراء الستر الكثير مما لم يعلمه الناس، ولو علموا كل شيء آخر فسيظلون واقفين أمام ذلك الستر لا يذرون ماذا يكون غداً بل ماذا يكون اللحظة التالية، وعندئذ تضامن النفس البشرية من كبريائها وتخشع لله.

والسياق القرآني يعرض هذه المؤثرات العميقة التأثير في القلب البشري في رقعة فسيحة هائلة، رقعة فسيحة في الزمان والمكان وفي الحاضر الواقع، والمستقبل المنظور، والغيب السحيق، وفي خواطر النفس، ووثبات الخيال، ما بين الساعة البعيدة المدى، والغيث البعيد المصدر، وما في الارحام الخافي عن العيان والكسب في الغد، وهو قريب في الزمان ومغيب في المجهول، وموضع الموت والدفن، وهو معبد في الظنون، إنها رقعة فسيحة الآماد والأرجاء، ولكن اللمسات التصويرية العريضة بعد أن تتناولها من أقطارها تدق في أطرافها، وتجمع هذه الأطراف كلها عند نقطة الغيب المجهول، وتقف بها جميعاً أمام كوة صغيرة مغلقة لو انفتح منها سم الخياط لاستوى القريب خلفها بالبعيد، ولانكشف القاصي منها والدان، ولكنها تظل مغلقة في وجه الإنسان، لأنها فوق مقدور الإنسان، ووراء علم الإنسان تبقى خالصة لله لا يعلمها غيره، إلا بإذن منه وإلا بمقدار ” إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” وليس غيره بالعليم ولا الخبير(150).

أ – قصة الزنداني مع البروفيسور الأمريكي:

يقول الشيخ عبد المجيد الزنداني: التقيت ببروفيسور كبير، يدير مرصداً، معهداً لدراسة الطقس في أمريكا، تشترك في هذا المعهد “57” جامعة وفي المعهد أكثر من “200” دكتور يحملون دكتوراه في الطقس و”150″ مهندساً لتشغيل الصناعات والأجهزة وتطويرها.

قال له الشيخ: في المؤتمر قدم أحد العلماء مع مجموعة من المسلمين.

وقالوا: إن الإنسان لا يستطيع أن يتنبأ بنزول المطر.

قال: أنظر: عندنا أقمار صناعية، ومحطات لدراسة الطقس، في بواخر مخصوصة تمشي في البحار، وطيارات تطير باستمرار، تقيس التغييرات، وعندنا نقاط لدراسة الطقس فوق الجبال، وفي الصحراء وعلى الجليد، وفي أنحاء العالم لأن الطقس يهمنا خاصة للمسافرين في الطائرات، والذين يسافرون في البواخر، ولكن أقوال لك لقد نجحنا في تحديد الحرارة وتحديد الضغط واتجاه الرياح.. استطعنا أن ننجح في هذا بدقة لا بأس بها، قال الشيخ عبد المجيد: والمطر؟

قال: أما المطر فحظنا فيه كحظ الذين يقدمون نشرة الأخبار الجوية(151).

ب – الدكتور فوت يُذعن بالحقيقة:

قال الشيخ عبد المجيد الزنداني: متى يأتي المطر؟

موضوع بحث قدم في المؤتمر الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة في إسلام آباد.. قدمه دكتور أمريكي “الدكتور فوت” من علماء الإرصاد المتخصصين، واشترك معه عدد من علماء الارصاد المسلمين، فقالوا: متى يأتي المطر؟ لغز إلى هذه اللحظة لا يقدر عليه أحد، ثم دللوا على ذلك قالوا: نستطيع، ويستطيع علماء الارصاد أن يتنبؤا بما يكون في غد؟ غداً كم ستكون درجة الحرارة؟ كم سيكون الضغط الجوي؟ أين ستكون حركة الرياح متجهة؟ وينجحون نجاحاً لا بأس به، لكن إذا قالوا: غداً يأتي المطر، أو غداً لا يأتي المطر، فعندئذ يفشلون فشلاً ذريعاً.

قالوا: لكي ينزل المطر لابد أن نعرف حركة الرياح قالوا: ولكن حركة الرياح تكون سائرة في اتجاه، وفجأة تغير مسارها، وهذا يؤثر على تكوين السحاب وعلى تكوين المطر، لكي ينزل المطر لابد من حبوب اللقاح، وحبوب اللقاح عبارة من تراب وغبار وحبيبات وشيء من الدخان، وشيء من الملح يتطاير من البحر، هذه الحبيبات إذا كانت ملساء نعرف هل ينزل المطر أم لا، وإذا كان شكلها معرجاً فالاحتمال بنسبة كذا، وإذا كانت مدببة فالاحتمال بنسبة كذا.. نقول الآن الجو كذا، وفجأة يأتينا غبار وأتربة فتغير لنا المعادلة، كلما حاولنا أن نضبطها من جهة، اختلفت من جهة أخرى.. وهذه العوامل مختلفة متجددة يقول علماء الأرصاد: إن جناح نسر يرفرف قد يحدث تغييراً في الجو وقد يحدث عاصفة، كيف هذا؟ قالوا: إذا رفع الهواء وفيه بخار ماء تكثف فإذا تكثف خرجت منه حرارة وهكذا.. نسر يخفق بجناحيه، فيغير العملية، يغير الحسبة، تفسد النبوءة وتخطيء الحسابات، ولا يعرفون سبباً لفشلهم هذا(152).