التكريم الإنساني

اقتباس (تعديل الصور)

قال تعالى: (ولقد كرَّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) [الإسراء: 70].

كرَّم الله سبحانه وتعالى الإنسان بالعلم وميَّزه على بقية المخلوقات، وبين ذلك في أول آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في أرجح الأقوال وهي قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علَّم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم) [العلق: 1-5].

يقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآيات: “فأول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهنَّ أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم. وفيه التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأنَّ مِن كَرَمِه تعالى أنْ علَّم الإنسان ما لم يعلم، فشرّفه وكرَّمه بالعلم، وهو القَدْر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة. والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبَنان؛ ذهني ولفظي ورسمي، والرسمي يستلزمهما من غير عكس، فلهذا قال: (اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم). وفي الأثر: “قيِّدوا العلم بالكتابة”. وفيه أيضاً: “من عمل بما علم؛ ورَّثه الله علم ما لم يكن يعلم”. وفي الآيات السابقة إشارة إلى أن الإنسان تكمل إنسانيته بالعلم والمعرفة لأن الله خلقه وعلمه، فذكر العلم بعد الخلق منبهاً إلى الاهتمام به وأنه من مميزات الإنسان عن بقية المخلوقات. ونجد ذلك واضحاً في قوله تعالى: (الرحمن. علَّم القرآن. خلق الإنسان. علَّمه البيان) [الرحمن: 1-4].

إن الميزة التي خصّ بها الخالق الكريم آدم على الملائكة هي معرفة خصائص الموجودات للانتفاع بها في عمارة الكون، وهو ما نجده في قوله تعالى: (وعلَّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) [البقرة: 31]. وهذه العمارة لا تتم إلا بالتعاون والعمل البنَّاء بين أفراد المجموعة البشرية.

وإذا كان القرآن صريحاً في أن الغاية التي خُلِقَ الإنسان من أجلها هي عبادة الله وأن وظيفته أن يكون خليفة الله في الأرض فيشيع العدل والسلام والأمن فيها، وأن ذلك لن يتم إلا بالعمل المتبادل والسعي المشترك، فمن الضروري أن يؤخذ هذا في الاعتبار عند تحديد معنى العبادة التي خُلق الإنسان لها. لأن العبادة الخالية من العمل على تعمير الأرض توجد في الملائكة بشكل أقوى وأكمل. والعمل نفسه عبادة فإن الله أمرنا بالعمل وجعل لنا أجراً عليه، وأمرنا بالمشي في مناكب الأرض والأكل من رزقه وذلك لتتحقق خلافة الإنسان في الأرض ويعمر به الكون.

فالله سبحانه وتعالى أراد أن يُعرَف في هذا الكون فخلق الإنسان ونَعَّمَه وأكرمه وأعطاه ومنحه، كما أن الله خلق الناس ومنحهم فرصة الحياة الدنيا ليهتدوا بما يرسله لهم جلَّ شأنه من رسل، ويغالبوا الشيطان فلا يستجيبوا له، فمن استجاب لداعي الله وغلب الشيطان فقد فاز في الدنيا وفي الآخرة. وهكذا يكون الإنسان قد خلقه الله سبحانه وتعالى رحمة منه ورحمة به، وليعرف الشيطان أن لله عباداً يطيعونه ويؤمنون به ويرجون ثوابه. فكما ينال الشيطان وأعوانه أشد العقاب كذلك ينال العبد المؤمن المطيع أفضل الجزاء.

والله تبارك وتعالى خلق الإنسان في الدنيا رحمة منه ورحمة به حتى يسلك الطريق الذي يعود به إلى الجنة بعد أن يجاهد الإنسان الشيطان، ويصبر على ما قد يناله في الدنيا وإيماناً واحتساباً وذلك بنص الآية الشريفة: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) [آل عمران: 142].

التكريم الإنساني:

يقول سيد قطب رحمه الله: كرّم الله هذا المخلوق البشري على كثير مِنْ خَلْقِه. كرَّمه بخلقته على تلك الهيئة بهذه الفطرة التي تجمع بين الطين والنفخة، فتجمع بين الأرض والسماء في ذلك الكيان. كرّمه بالاستعدادات التي أودعها فطرته، والتي استأهل بها الخلافة في الأرض، يغيّر فيها ويبدّل وينتج فيها وينشئ، ويركّب فيها ويحلّل، ويبلغ بها الكمال المقدر للحياة. وكرّمه بتسخير القوى الكونية له في الأرض، وأمدّه بعون القوى الكونية في الكواكب والأفلاك، وكرّمه بذلك الاستقبال الفخم الذي استقبله به الوجود، وبذلك الموكب الذي تسجد فيه الملائكة ويعلن فيه الخالق جلّ شأنه تكريم هذا الإنسان، وكرّمه بإعلان هذا التكريم بأن سجّله في كتابه المنزل من الملأ الأعلى الباقي في الأرض وهو القرآن.

(وحملناهم في البر والبحر): والحمل في البر والبحر بتسخير النواميس وجعلها موافقة بطبيعة الحياة الإنسانية، وما ركب في الإنسان من استعدادات، ولو لم تكن هذه النواميس موافقة للطبيعة البشرية لما قامت الحياة الإنسانية وهي ضعيفة ضئيلة بالقياس إلى العوامل الطبيعية في البر والبحر ولكن الإنسان مزود بالقدرة على الحياة فيها، ومزوّد كذلك بالاستعدادات التي تمكّنه من استخدامها، وكل ذلك من فضل الله.

(ورزقناهم من الطيبات): والإنسان ينسى ما رزقه الله من الطيبات بطول الألفة فلا يذكر من هذه الطيبات التي رزقها إلا حين يحرمها فعندئذٍ يعرف قيمة ما يستمتع به، ولكنه سرعان ما يعود فينسى هذه الشمس، وهذا الهواء، وهذا الماء، وهذه الصحة، وهذه القدرة على الحركة، وهذه الحواس، وهذا العقل، وهذه المطاعم والمشارب والمشاهد. هذا الكون الطويل العريض الذي استخلف فيه، وفيه من الطيبات ما لا يحصيه (وفضلّناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) فضّلناهم بهذا الاستخلاف في ملك الأرض الطويل العريض، وما ركب في فطرتهم من استعدادات تجعل المخلوق الإنساني فذّاً بين الخلائق في فلك الله([1]).

ومن التكريم أن يكون الإنسان قيّماً على نفسه محتملاً تبعة اتجاهه وعمله، وهذه هي الصفة الأولى التي بها كان الإنسان إنساناً. حرِّيَّة الاتجاه وفردية التبعية، وبها استخلف في دار العمل، فمن العدل أن يلقى جزاء اتجاهه وثمرة عمله في دار الحساب. ومن تكريم الله للإنسان أن جعله مسؤولاً مسؤولية كاملة عن تصرفاته وعن الذي يكون تحت رعايته. وهذه المسؤولية تضيف إليه فضلاً جديداً لأنه يوم أن يقصر في شيء منها تكون مسؤوليته وحسابه أمام الله على قدر ما كلفه من عمل وما حمله من أمانة.

ومن تكريم الله للإنسان أن جعل ما سواه بمثابة المعونة له لما قال تعالى في معرض الامتنان عليه: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) [البقرة: 29].

وهذا الفضل كله لا يرجع إلى الصفات التي يشترك فيها مع غيره من المخلوقات الأخرى، ولكنه شيء أسمى وأعلى.

يذكر الإمام الراغب الأصفهاني في هذا المعنى ما يوضحه فيقول: (فليس فضل الإنسان بقوة الجسم، فالفيل والبعير أقوى جسماً منه، ولا بطول العمر فالنسر والحية أطول منه عمراً، ولا بشدة البطش فالأسد والنمر أشد منه بطشاً، ولا بحسن اللباس فالطاووس والدُرّاج([2]) أحسن منه لباساً، ولا بالقوة على النكاح فالحمار والعصفور أقوى منه نكاحاً، ولا بكثرة الذهب والفضة فالمعادن والجبال أكثر منه ذهباً وفضة، ولا بعنصره الموجود منه كما زعم إبليس حيث قال: (خلقتني من نار وخلقته من طين) (ص:76)، بل ذلك بما خصَّه الله تعالى به وهو المعنى الذي ضمَّنه فيه، والأمر الذي رشَّحه له. وقد أشار إليه بقوله تعالى: (خلقتُ بيديّ) (ص:75)([3]).

وقد أضفى الله تعالى على هذا الكائن أجلّ ألوان الكرم والفضل، فقد نسب خلقه إلى ذاته جل وعلا فقال: (قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لِمَا خلقتُ بيديّ) [ص: 75].

وهذه المرة الوحيدة التي يستعمل فيها هذه الصيغة بالنسبة لأي خلق من خلقه. وكل الخلائق أخبر عنها بأنه تعالى خلقها أو فطرها أو سوَّاها أو جعلها.. إلخ. لكنه جلَّ شأنه لم يضف شيئاً من الخلق إلى يديه إلا الإنسان، وفي هذا الموضع فقط من القرآن، وفي هذا دلالتان في غاية الأهمية:

الأولى: غاية الإكرام من الرب الأعلى لهذا المخلوق أن تولاه بيديه ولم يكلف به أحداً من خلقه.

الثانية: التصريح بابتداء خلقه على هذا النمط الفريد من غير أن يأتي متولداً أو متطوراً عن غيره من الأحياء، ولذلك يقول البيضاوي في معنى الآية: (خلقته بنفسي من غير توسط كأب وأم ونحن على عقيدتنا من حمل الآية على حقيقتها بلا كيف ولا تمثيل).

وهذا الإكرام للإنسان كان وهو لا يزال قبضة من الطين عولجت حتى سُوِّيت بيد المولى جلَّ شأنه.

وهناك إكرام آخر في نفخة الروح حكاه الله تعالى لنا بأسلوب يدلّ على غاية الإجلال والإكرام بهذا الإنسان من مولاه. قال تعالى: (فإذا سوَّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) [الحجر: 29]. وهذه الألفاظ تكررت في سورة (ص: 72)، وجاءت ثالثة يقرب منها. (…وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. ثم سواه ونفخ فيه من روحه) [السجدة: 7–9].

فهذه الآيات الثلاث تشترك في ألفاظ ثلاثة: (التسوية، النفخ، الروح) وكلها مسند أو مضاف إلى المولى جل شأنه. والتسوية في الخلق صفة مشتركة بين الخلائق، ولكن الآيات تنفرد بإسناد (النفخ) إلى الله تعالى بلفظ الإفراد (نفخت، نفخ)، تنفرد بإضافة الروح إليه بلفظ الإفراد أيضاً (روحي، روحه). وهذا الأسلوب لم يأت التعبير به في خلق كائن، فهذا إكرام منفرد في بابه خُصَّ به الإنسان وتشريف وتعظيم له بالغان أقصى ما يضفى على مخلوق من الإجلال شرّف الله تعالى به. وبذلك يحتل الإنسان من دون الخلائق الغفيرة هذه المنزلة الرفيعة التي أخبرنا بها على عظمتها وكثرتها في عالمي الغيب والشهادة([4]).

الهوامش:

[1]    في ظلال القرآن، سيد قطب، تفسير سورة الإسراء، ص 54.

[2]    الدُرّاج -بالضم وبالتشديد-: نوعٌ من الطير ذكراً كان أو أنثى.

[3]    كتاب تفضيل النشأتين وتحصيل السعادتين، ص 38 – 39.

[4]    نعم الله في خلق الإنسان كما يصوره القرآن، د. عزت محمد حسن، ص 95، 98، 99.