قال تعالى:” الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ” (الروم، آية: 1 – 4).

     كانت الفرس والروم قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا من أقوى دول الأرض، وكان يكون بينهما من الحروب والقتال ما يكون بين الدول المتوازنة، وكانت الفرس مشركين يعبدون النار، بينما كانت الروم أهل كتاب ينتسبون إلى الإنجيل وهم أقرب إلى المسلمين من الفرس، فكان المؤمنون يحبون غلبتهم وظهورهم على الفرس وكان المشركون لاشتراكهم والفرس في الشرك يحبون ظهور الفرس على الروم، فظهر الفرس على الروم وغلبوهم غلباً لم يُحط بملكهم بل بأدنى أرضهم، ففرح بذلك مشركو مكة وحزن المسلمون، فأخبرهم الله ووعدهم أن الروم ستغلب الفرس ” فِي بِضْعِ سِنِينَ”: تسع أو ثمان ونحو ذلك مما لا يزيد على العشر ولا ينقص على ثلاث، وأن غلبة الفرس للروم ثم غلبة الروم للفرس كل ذلك بمشيئته وقدره ولهذا قال:” لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ” فليس الغلبة والنصر لمجرد وجود الاسباب، وإنما هي لابد أن يقترن بها القضاء والقدر ” وَيَوْمَئِذٍ” أي: يوم يغلب الروم الفرس ويقهرونهم:” يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُون* بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء” أي يفرحون بانتصارهم على الفرس، وإن كان الجميع كفاراً، ولكن بعض الشر أهون من بعض، ويحزن يومئذ المشركون ” وَهُوَ الْعَزِيزُ”: الذي له العزة التي قهر بها الخلائق أجمعين، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعزُ من يشاء ويذل من يشاء، ” الرَّحِيمُ” بعباده المؤمنين، حيث قيض لهم من الاسباب التي تسعدهم وتنصرهم ما لا يدخل في الحساب(184).

أ – أدنى الأرض في العلوم الحديثة:

ثبت علمياً بقياسات عديدة أن أكثر اليابسة انخفاضاً هو غور البحر الميت ويقع البحر الميت في أكثر أجزاء الغور انخفاضاً، حيث يصل مستوى منسوب سطح الماء فيه إلى حوالي 400 متر تحت مستوى سطح البحر، ويصل منسوب قاعه في أعمق أجزائه إلى قرابة 800 متر تحت مستوى سطح البحر، وهو بحيرة داخلية بمعنى أن قاعها يعتبر في الحقيقة جزءاً من اليابسة، وغور البحر الميت هو جزء من خسف أرضي عظيم يمتد من منطقة البحيرات في شرقي إفريقيا إلى بحيرة طبرية، فالحدود الجنوبية لتركيا مروراً بالبحر الأحمر، وخليج العقبة، ويرتبط بالخسف العميق في قاع كل من المحيط الهندي، وبحر العرب وخليج عدن، ويتراوح عمق الماء في الحوض الجنوبي من البحر الميت بين  6 – 10 أمتار وهو بذلك في طريقه إلى الجفاف ويعتقد أنه كان جافاً إلى عهد غير بعيد من تاريخه، وكان عامراً بالسكان، وأن منطقة الأغوار كلها من وادي عربة في الجنوب إلى بحيرة طبرية في الشمال كانت عامرة بالسكان منذ القدم، حيث عرف البحر الميت في الكتابات التاريخية القديمة، ووصف بأسماء عديدة من مثل: “بحر سدوم” “بحيرة لوط” “بحيرة زغر” “البحر النتن” “بحر عربة” “بحر الاسفلت” ” البحر الميت” وذلك لأن المنطقة اشتهرت بخصوبة تربتها، ووفرة مياهها فعمرتها القبائل العربية منذ القدم، واندفعت إليها من كل من العراق والجزيرة العربية وبلاد الشام ومنهم: قوم لوط عليه السلام الذين عمروا خمس مدن في أرض الحوض الجنوبي من البحر الميت هي “سدوم” و”عمورة” و”أدمة” و “صوبييم” و”زغر” وقد ازدهرت فيها الحياة إلى أواخر القرن العشرين قبل الميلاد ودمرت بالكامل في عقاب إلهي أنزل بها، وجاء خبر عقابها في القرآن الكريم، يقول الحق عز وجل ” فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ” (هود، آية: 82).

والأرض في حوض البحر الميت ـ بصفة عامة ـ وفي الجزء الجنوبي منه بصفة خاصة تعرف باسم الأرض المقلوبة وقد أثبتت الدراسات الجيولوجية مؤخراً أن تتابعات الصخور هنا مقلوبة فعلاً كما ذكر القرآن الكريم يقول ربنا تبارك وتعالى:” فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ” (هود، آية: 81 ـ 82).

وقوله تعالى:” فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ” (الحجر، آية: 74).

وتتميز منطقة غور البحر الميت بالحرارة الشديدة، ويتفجر كل من العيون المائية، والأبخرة الكبريتية الحارة فيها، ويتناثر كتل الاسفلت التي كثيراً ما كانت تطفو على سطح مياه البحر الميت إلى عهد غير بعيد(185).

 

 

 

 

ب- وخلاصة القول أن منطقة أغوار وادي عربة /البحر الميت/ الأردن، تحوي أخفض أجزاء اليابسة على الإطلاق والمنطقة كانت محتلة من قبل الروم البيزنطيين في عصر البعثة النبوية الخاتمة، وكانت هذه الإمبراطورية الرومانية يقابلها ويحدها من الشرق الإمبراطورية الفارسية الساسانية، وكان الصراع بين هاتين الإمبراطوريتين الكبيرتين في هذا الزمن على أشده ولابد أن كثيراً من معاركهما الحاسمة قد وقعت في أرض الأغوار وهي أخفض أجزاء اليابسة على الإطلاق، ووصف القرآن الكريم لأرض تلك المعركة الفاصلة التي تغلب فيها الفرس على الروم ـ في أول الأمر بـ ” أدنى الأرض” وصف معجز للغاية، لأن أحداً من الناس لم يكن يدرك تلك الحقيقة في زمن الوحي، ولا لقرون متطاولة من بعده ووردوها بهذا الوضوح في مطلع سورة “الروم” يضيف بعد آخر إلى الإعجاز الانبائي في الآيات الأربع التي استهلت بها هذه السورة المباركة ألا وهو الإعجاز العلمي فبالإضافة إلى ما جاء بتلك  الآيات من إعجاز شمل الإخبار بالغيب، وحدد لوقوعه بضع سنين، فوقع كما وصفته وكما حددت له زمنه تلك الآيات فكانت من دلائل النبوة، فإن وصف أرض المعركة بالتعبير القرآني ” أدنى الأرض” يضيف إعجاز علمياً جديداً، يؤكد أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق وأن النبي الخاتم الذي تلقاه كان موصولاً بالوحي، ومعلماً من قبل خالق السماوات والأرض وكما كانت هذه الآيات الكريمة من دلائل النبوة في زمن الوحي لإخبارها بالغيب فتحقق، فهي لا تزال من دلائل النبوة في زماننا بالتأكيد أن المعركة الفاصلة قد تمت في أخفض أجزاء اليابسة على الإطلاق، وهي أغوار البحر الميت وما حولها من أغوار ويأتي العلم التجريبي ليؤكد هذه الحقيقة(186)