للتواصل: +962795291899|hatem.bishtawi@gmail.com

3- ومن اياته أنك ترى الأرض خاشعة (1 / 2)

//3- ومن اياته أنك ترى الأرض خاشعة (1 / 2)

3- ومن اياته أنك ترى الأرض خاشعة (1 / 2)

    قال تعالى: ” ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت. إن الذي أحياها لمحيي الموتى، إنه على كل شيء قدير” [فصلت: 93].

قال صاحب الظلال رحمه: ونقف لحظة أمام دقة التعبير القرآني في كل موضع فخشوع الأرض هنا هو سكونها قبل نزول الماء عليها فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت. وكأنما هي حركة شكر وصلاة إلى أسباب الحياة. ذلك أن السياق الذي وردت فيه هذه الآية سياق خشوع وعبادة وتسبيح فجيء بالأرض في هذا المشهد، شخصاً من شخوص المشهد، تشارك فيه بالشعور المناسب وبالحركة المناسبة. وقد نستعير هنا صفحة من كتاب »التصوير الفني في القرآن« عن التناسق الفني في مثل هذا التعبير: فعبر القرآن الكريم  عن الأرض قبل نزول المطر. وقبل تفتحها بالنبات، مرة بأنها »هامدة« ومرة بأنها »خاشعة« وقد يفهم البعض أن هذا مجرد تنويع في التعبير فلننظر كيف وردت هاتان الصورتان:فلقد وردتا في سياقين مختلفين على النحو: أما الأولى فوردت هامدة في هذا السياق: ” يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث، فإنا خلقناكم من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة. لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى؛ ثم نخرجكم طفلاً، ثم لتبلغوا أشدكم؛ ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر، لكي لا يعلم من بعد علم شيئاً. وترى الأرض هامدة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج” [الحج: 5]. 

 بينما وردت ” خاشعة “في سياق الآية الكريمة : ” ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذي خلقهن، إن كنتم إياه تعبدون* فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار، وهم لا يسئمون* ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شىء قدير ” [فصلت:37-39].

 وعند التأمل السريع في هذين السياقين، يتبين وجه التناسق في »هامدة« و»خاشعة«، فالجو في السياق الأول جو بعث وإحياء وإخراج، فما يتسق معه تصوير الأرض »هامدة« ثم تهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج. بينما الجو في السياق الثاني هو جو عبادة وخشوع وسجود، يتسق معه تصوير الأرض »خاشعة« فإذا نزل عليها الماء اهتزت وربت » ثم لا يزيد على الاهتزاز والإرباء هنا، الإنبات والإخراج، كما زاد هناك، لأنه لا محل لها في جو العبادة والسجود. ولم تجئ »اهتزت وربت« هنا للغرض الذي جاءتا من أجله هناك. إنهما تحيلان حركة للأرض بعد خشوعها. وهذه الحركة هي المقصودة هنا، لأن كل ما في المشهد يتحرك حركة العبادة، فلم يكن من المناسب أن تبقى الأرض وحدها خاشعة ساكنة، فاهتزت لتشارك العابدين المتحركين في المشهد حركتهم، ولكي لا يبقى جزء من أجزاء المشهد ساكناً، وكل الأجزاء تتحرك من حوله. وهذا لون من الدقة في تناسق الحركة المتخيلة يسمو على كل تقدير«. 

ونعود إلى النص القرآني فنجد أن التعقيب في نهاية الآية يشير إلى إحياء الموتى، ويتخذ من إحياء الأرض نموذجاً ودليلاً. “إن الذي أحياها لمحيي الموتى، إنه على كل شيء قدير “[فصلت:39].

ويتكرر في القرآن عرض مثل هذا المشهد واتخاذه نموذجاً للإحياء في الآخرة، ودليلاً كذلك على القدرة. ومشهد الحياة في الأرض قريب من كل قلب، لأنه يلمس القلوب قبل أن يلمس العقول، والحياة حين تنبض من بين الموات، توحى بالقدرة المنشئة إيحاء خفياً ينبض في أعماق الشعور. والقرآن يخاطب الفطرة بلغتها من أقرب طريق.

     ونزول الماء من السماء، ورؤية الأرض بعده مخضرة بين عشية وصباح، ظاهرة واقعة مكرورة، قد تذهب الألفة بجدّتها في النفوس. فأما حين يفتح الحس الشاعر، فإن هذا المشهد في الأرض يستجيش في القلب شتى المشاعر والأحاسيس، وإن القلب ليحسّ أحياناً أن هذا النبات الصغير الطالع من سواد الطين بخضرته ونضارته، أطفال صغار تبتسم في حرارة لهذا الوجود الشائق البهيج، وتكاد من فرحتها بالنور تطير.

       والذي يحس على هذا النحو يستطيع أن يدرك ما في التعقيب بقوله: “إن الله لطيف خبير”.. من لطف وعمق ومشاكله للون هذا الأحساس، ولحقيقة ذلك المشهد وطبيعته. ونرى اللطف الإلهي في ذلك الدبيب اللطيف. دبيب النبتة الصغيرة من جوف الثرى، وهي نحيلة ضئيلة، ويد القدرة تمدها في الهواء. وتمدها بالشوق إلى الإرتفاع على جاذبية الارض وثقله الطين. وبالخبرة الإلهية يتم تدبير الأمر في إنزال الماء بقدر في الوقت المناسب وبالقدر المطلوب ويتم إمتزاج الماء بالتربة، وبخلايا النبات الحية المتطلعة إلى الإنطلاق والنور.

By | 2020-04-27T20:11:19+03:00 يوليو 15th, 2019|غير مصنف|0 Comments

About the Author:

Leave A Comment