للتواصل: +962795291899|hatem.bishtawi@gmail.com

الحياة على الكواكب

يقدر العلماء عدد المجرات المرئية التي أمكن رصدها بتليسكوب ” ماونت بالومار ” بأكثر من بليون مجرة ! ويتوقع الفلكيون إمكانية رصد المزيد من بلايين المجرات والسدم باستخدام التليسكوب الفضائي الجديد … فما أكثر المجرات في هذا الكون…!!

وتشابهت المجرات في أشكالها عامة، وفيما تضمنته من أجرام، فضلاً عن احتوائها على بلايين النجوم !! إنها نجوم كثيرة حقاً، وأطيافها تدل عليها فهي كسائر ما عرفنا من نجوم، تفصلها مسافات هائلة تفوق الوصف … فما أعظم القسم الإلهي في قوله سبحانه وتعالى : )فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم(  [الواقعة:75-76].

ولقد تبين لنا خلو كواكب منظومتنا الشمسية من صور الحياة الراقية أو العاقلة إلا على الأرض، ألا يمكن أن ينطبق ذلك على المنظومات الشمسية الأُخر في مجرتنا وغيرها من المجرات؟.

وإنه إزاء اتساع الكون، كتاب الله المنظور، اتساعاً يعجز العقل البشري عن استيعابه، بتصور حدوده أو إحصاء مجراته أو قياس أبعاده، فلا يمكن أن تقتصر صورة الحياة الراقية أو العاقلة على الأرض وحدها ، مع ضآلتها حجماً وانزوائها مكاناً في ركن بعيد من أركان جزيرة كونية تتحوطها جزر عديدة على غرارها أو أضخم.

وإن من ينكر وجود عالم خارج عالمنا الصغير كمثل من لا يرى للأفق امتداداً أبعد من مدى بصره ! وإن من يدّعي أنه لا توجد إلا حياة راقية عاقلة واحدة في هذا الكون الهائل كالذي يقول إن هذا الحقل الكبير لن تنبت فيه إلا بذرة واحدة ! أو أن هذه العمارة التي بها مليارات المليارات من الشقق لن تسكن منها سوى شقة واحدة ! والإصرار على انفراد كوكبنا وحده بالحياة ليشبه الإصرار على وجود زهرة حمراء وحيدة مثلاً في كل حدائق الأرض !!. فلا بأس أبداً من أن تكون هناك حضارات أكثر وعياً وأكثر تقدماً من حضارتنا نحن أهل الأرض في مكان منا من كون الله الفسيح، وما  علينا إلا محاولة الاتصال بها.

ومن المعقول أن العناصر الأساسية التي تتوقف عليها الحياة على الأرض لا يلزم أن توجد فوق العديد من الكواكب التي تمتلئ بها مجرات السماء، أو على الأقل ليس هناك ما يمنع من ذلك ولكن يكون الكوكب مؤهلاً لاحتضان الحياة فيه أو عليه، يجب أن يمتلك عدداً كبيراً من المواصفات.

ومن هذه المواصفات: متوسط بعده عن النجم الذي يتبعه، ودورانه حول نفسه وميله، وكتلته، وتطاول شكل مداره، وحتى أقماره التي يجب أن تدور في أفلاكٍ مقدرة ومسافاتٍ محددة، وذلك فضلاً عن الغلاف الهوائي المتعادل الصالح للتنفس، والماء بصوره الثلاث … الخ.

نعم لا بد من توافر هذه المواصفات، ولا شك أن بعض النجوم العديدة الشبيهة بالشمس في معظم أمورها كالحجم والقِدَم والحرارة وغيرها لها كواكب باردة تدور حولها كما تدور الأرض وسائر الكواكب السيارة حول شمسنا، إلا أن المسافات الفلكية الرهيبة بيننا وبين هذه النجوم ذوات الكواكب تحول دون رصد هذه الكواكب، فضلاً عن ضآلة حجم الكوكب وبرودته واختلاط ضوئه الخافت بالضوء بالغ السطوع لنجمه. وإن كان هذا لا يمنع من أن يكون للعديد من النجوم دورات بطيئة كما لشمسنا وكلها تستدعي منا التفكير في وجود كواكب سيارة تابعة لها.

ولا ننسى أن نتذكر أنه عندما ننظر إلى نجوم السماء فإننا نراها كما كانت عند صدور أشعة الضوء منها ولكننا لا نعرف الآن شيئاً – حقيقة – عنها.

وبينما ننظر دائماً في ماضي السماء ولا نعرف شيئاً عن حاضرها ! ولعل بعض نجومها النائيات الساطعات قد زالت من الوجود وتوفَّاها الله ولا تزال أشعتها منطلقة إلينا من ملايين السنين !.

ولتوضيح صعوبة رصد الكواكب، فلنتخيل أننا في الفضاء الخارجي بعيداً عن منظومتنا الشمسية عند منتصف الطريق بين أقرب النجوم إلينا وهو النجم ألفا قنطورس، أي على بعد 4.4 من السنوات الضوئية، حيث تبدو شمسنا وغيرها من النجوم كنقط صغيرة مضيئة في سماءٍ قاتمة. وأما الأرض وبقية أخواتها من كواكب منظومتنا الشمسية فإنها لا ترى حتى بأكبر المناظير المعروفة. كما أن أرضنا لا يمكن تمييزها من مسافة سنة ضوئية واحدة (وهو ما يعادل ربع المسافة إلى الشمس وأقرب النجوم إلينا) من مرصد لا يعكره وجود غلاف جوي أو تداخلات ضوئية أخرى. وهكذا فمن المتعذر تماماً رؤية توابع النجوم ذوات الكواكب حتى من خارج منظومتنا الشمسية. والتجم السابق هو أقرب إلينا، والذي لا توجد كواكب تدور حوله، وبالتالي لا يمكن تمييز النجوم ذوات الكواكب في مجرتنا، وذلك من محطة فضاء كونية او تليسكوب فضائي متطور.

وقد اكتشف عالمان بريطانيان في عام 1991م أول كوكب سماوي شبيه بأرضنا، يدور حول نجم نيوتروني يقع بالقرب من مركز مجرتنا وعلى بعد 33 سنة ضوئية من ذلك المركز حيث تبدو فرص الحياة عليه مستحيلة ؛ لعدم توافر الظروف والمواصفات اللازمة للحياة كما نعرفها.

فالإشعاع الناتج عن النجم المركزي النيوتروني الذي يدور حوله الكوكب ليس مثل أشعة الشمس بضوئها وحرارتها وإنما هو إشعاع من نوع آخر أكبر كثافة وأكثر تدميراً للحياة العضوية. والكوكب الجديد أكبر من الأرض حجماً بنحو 10 أو 15 مرة، ويدور حول نجمه مرة كل ستة أشهر بتوقيت الأرض أي أن سنته تعادل 1/2 سنة من سنواتنا على الأرض. وبسرعة تقترب من سرعة الضوء فإننا نحتاج إلى نحو 125 ألف سنة لنصل إليه لنتأكد بأنفسنا عما إذا كان صالحاً لحياة البشر أو مأهولاً بما لا نعلم وبمن لا نعلم.

وعلى الرغم من ذلك فإن اكتشاف هذا الكوكب يعزّز الآمال المعلقة على احتمال وجود ملايين الكواكب في مجرتنا والمجرات الأخر.

ولقد توصل علماء الفضاء الأمريكيون حديثاً إلى شواهد جد مهمة تشير إلى احتمال وجود حضارات أخر في مجرتنا، فهناك كواكب تدور حول ثمانية نجوم على بعد 450 سنة ضوئية من أرضنا. كما أكد علماء آخرون وجود توابع تدور حول تسعة نجوم يشبه كلاً منها شمسنا في منطقة الثور بمجرتنا، وكذلك وجود كوكبين يدوران في فلك نجم يعرف باسم ” البولسر ” أو النجم الخفي في برج العذراء والذي يقترب حجمه من حجم شمسنا وعلى بعد نحو 1500 سنة ضوئية من أرضنا.

وتشير آخر المعلومات – أغسطس عام 2000 – إلى أن مجموع ما تم اكتشافه من كواكب خارج منظومتنا الشمسية يقدر بنحو 50 كوكباً منها واحد في حجم كوكب المشتري، مما يدعم احتمالات وجود الحياة في اماكن أخرى من الكون المترامي الأطراف والمجرات.

ووفقاً لنظرية الاحتمالات، التي لها مكانتها لدى العلماء كلغة لتفسير المستغلق من الأمور، لا يعقل أن تقتصر ظروف وجود الحياة على واحد فقط من بين ملايين الكواكب المنتشرة حول نجومها، فالخلق واحد والظروف واحدة عند بدء التكوين، فكيف يمكن أن تقل الاحتمالات – والحال كذلك – لتصبح فرصة وحيدة يتيمة فقط هي الحياة فوق أرضنا ؟!.

والمعروف أن مجرتنا تضم أكثر من 300.000 مليون نجم،  وبتشابه 10%  من نوعها الطيفي على الأقل  مع النوع الطيفي لشمسنا. ويرجح أن تحتوي النجوم المنتسبة إلى هذه النسبة على نظم كوكبية تدور حولها كواكب من بينها كواكب تتشابه ظروفها وظروف كوكبنا. لذا يعتقد بعض العلماء أنه في مجرتنا وحدها احتمال وجود ما لا يقل عن 100.000 حضارة متقدمة قريبة أو بعيدة الشبه بحضارتنا، حالياً أو في المستقبل. ولا يستبعد ان تكون هذه المخلوقات قد خلقها الله من عنصري الكربون والنيتروجين الشائعين في الكون أو حتى ربما من السليكون أو أي عنصر آخر نجهله ولا يعلمه إلا الله.

ولكن هل يمكن أن يخلق مخلوق من غير الطين، من السليكون مثلاً؟!.

فإن الله وحده هو الخالق: )ويخلق ما لا تعلمون( [النحل:8]

وعلى الرغم من الاعتقاد الجازم لدى العلماء بأن الحياة المعتمدة على عنصر الكربون هي صورة الحياة التي نتوقع وجودها في أي مكان في الكون، إلا أنه ما زال هناك احتمال في وجود أنماط أخرى من الحياة لا نعرف نحن عنها شيئاً.

فقد تتكون بعض المخلوقات التي نجدها في المجرات الأخرى من عناصر أخرى غير الكربون، فبعض مركبات السليكون مثل فلوريداته تستطيع أن تتحمل درجات حرارة جداً مرتفعة قد تزيد على 1000درجة مئوية، وقد يتكون منها نوع من المخلوقات له القدرة على تحمل الحرارة العالية !.

كذلك يعتقد بعض العلماء أن هناك مركبات الكربون مثل فلوريداته قد تتكون منها مركبات مساندة للحياة تستطيع تحمل درجات حرارة تصل إلى 400 درجة مئوية، وربما يكون ذلك الكبريت المنصهر.

أما بالنسبة للأماكن التي قد تنخفض فيها درجات الحرارة كثيراً فإن النشادر السائل يصلح لأن يكون وسطاً لحدوث بعض التفاعلات الكيميائية التي تسهم في تكوين جزيئات مساندة للحياة، بشرط ألا تقل درجات الحرارة عن 50 أو 60 درجة مئوية تحت الصفر. أما إذا انخفضت درجات الحرارة عن ذلك وبلغت نحو 165 درجة مئوية تحت الصفر، فإن الميثان السائل قد يصلح لأن يكون وسطاً بديلاً للماء.

هذا وإن ارتفاع درجات الحرارة سيؤدي إلى تفكك الكثير من المركبات المعروفة كما أن انخفاضها سيؤدي إلى بطء التفاعلات الكيميائية بطئاً شديداً.

ومع هذا فكل تلك التكهنات العلمية ممكنة الحدوث، وعلينا ان نتوقع – دائماً – أي شيء وكل شيء في مجال بحثنا عن أي أثر للحياة في الكون.

ولذا سيجد الإنسان بالضرورة صعوبات بالغة في دراسة أشكال الحياة التي تعيش فيها، وستكون شديدة السمّية بالنسبة له إن لم يستطع توقي خطرها بطريقة ما. وليس هذا فحسب، فالكائنات التي قد تعيش في درجات الحرارة المنخفضة ستكون بطيئة الحركة بشكل كبير، وقد يحتاج الكائن منها إلى وقت طويل كي يتحرك حركة واحدة، لذا سيصعب على الإنسان تماماً اكتشاف مثل هذه الكائنات البطيئة جداً حيث ستبدو له كأنها غير حية ويحسبها جماداً !.

فلو اعتبرنا كرة مركزها الشمس ونصف قطرها 100 سنة ضوئية، ولا تزال في مجرتنا، فسنجد نحو 1000 نجم شبيه بالشمس في صفاتها. وإذا كانت حضارتنا الأرضية هي الحضارة الوحيدة المتقدمة تكنولوجياً في مجرتنا كما نعلم حتى الآن، وإذا علمنا بأن الأرض بما عليها ومن عليها لا تمثل في مجرتنا الهائلة شيئاً مذكوراً، فلا بد أن تكون هناك في المجرة ذاتها حضارات تكنولوجية أخرى لا نزال نجهلها، وقد تكون جد متقدمة بحيث تمكنت من الارتحال عبر الفضاء الكوني باستخدامها طاقات النجوم والثقوب السود، كما نستخدم نحن الأنفاق تحت الأرض أو الجبال أو البحار لاختزال الزمن وطي المسافات.

ومن المحتمل أننا كلما توغلنا نحو مركز مجرتنا نجد الكواكب أقدم من الأرض تكويناً ومن ثم حضاراتها أعرق وأعظم. وربما أخذ سكان هذه الكواكب في اكتشاف كواكب أخر تماماً مثلما نقوم نحن باكتشاف المريخ بإرسال إنسان آلي هبط عليه أولاً (في عام 1998) ثم يهبط عليه ثانياً (في عام 2004) ثم رائد فضاء ثالثاً يدقّه بقدميه (في عام 2019).

وإن ما ستكشفه تلسكوبات الفضاء، مثل تلسكوب الفضاء الأمريكي ” هابل “، خلال قادم الأعوام سيكون بمثابة ثورة في علم الفلك يصحّح معارفنا ويزيد معلوماتنا ويحسن من قراءاتنا لكتاب الله المنظور. وسيكشف لنا عن بعض أسرار ذلك الكتاب المتمثلة في غموض ظواهره كالثقوب السود والكوزارات (أشباه النجوم)، والبولسارات (النجوم النوابض) وغيرها.

وقد تم في عام 1997 إنشاء نظام أرضي متكامل بالغ التقدم بهدف التوصل إلى الإجابة عن الأسئلة الأساسية الخاصة بتكوين أنظمة الكواكب حول النجوم، بما في ذلك عدد الكواكب والتركيب الكيميائي لكل منها، ومحاولة الاستدلال على ما إذا كانت بها حياة أم لا، كما بني في إحدى جزر “هاواي” في المحيط الهادي مرصد متقدم بإمكانه الكشف عن مساحات هائلة من الكون وحل ألغاز وكشف أسرار استعصت على العلماء قروناً وقروناً. كما ابتكر العلماء في مرصد فلكي بريطاني تلسكوباً حديثاً يقرّب تفاصيل النجوم ألف مرة بالنسبة للتلسكوب العادي. ومن المتوقع ظهور تفاصيل جديدة للبقع الشمسية والنجوم المتغيرة والنجوم ذوات الكواكب. كما أعلن العلماء في كاليفورنيا في عام 1992 أنهم صمموا تلسكوبات فضائية يمكن أن تساعد وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” على رصد “رقع” فضائية جديدة في الكون لم يسبق لأحد من قبل رصدها.

وهكذا فالفضاء الكوني الذي يعج بمليارات المجرات، لا شك في أنه توجد فيها منظومات شمسية هائلة قد تحتوي بعض كواكبها على صورة من صور الحياة.

وبعد المجرات، أو الجزر الكونية، ومنها الكثير يشبه مجرتنا، توجد في الكون العناقيد.

وهذه العناقيد المجرية، ومنها العناقيد الصغيرة والعناقيد الجبارة قطعناها، علماً بأن متوسط المسافة بين كل مجرتين متجاورتين لا يقل عن مليون سنة ضوئية.

وعلى العموم، فالأمل في وجود حضارات راقية وعاملة وعاقلة على العديد من كواكب مجرتنا والمجرات الأخرى لا يزال قائماً بقوة ويتراقص في مخيلة الكثيرين ويدغدغ أحلامهم .

   (للكون إله – د. مصطفى الدمرداش – ص392-401)

 

 

By | 2020-04-27T20:12:32+03:00 ديسمبر 19th, 2018|الارض, الانسان, الكون, مقالات منشورة|0 Comments

About the Author:

Leave A Comment