{وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ} [الرعد:12]

الاقتباس (تغيير الصورة)

وردت (السحاب والرياح والغمام) في مواقع شتّى من القرآن الكريم -كتاب الكون- الذي هو مرجع لجميع النواميس في الإنسان والكون والحياة، وفي الأنفس والآفاق؛ كيف قدّرها الله فأحسن تقديرها، وكيف تنشأ وتتولّد، وما دورها في حياة الإنسان وعمارة الأرض.

فقد وردت كلمة (رياح) في القرآن الكريم (28) مرة، بينما وردت لفظة (سحاب) في (11) موضعاً؛ لتدلّ على المعنى العام للسحب أو الغيوم، ويدلّ كل موقع منها على نوع مختلف من أنواع هذه السحب، وما يصاحبها من أحوال جوية؛ كهطول الأمطار وأنواعها، والرياح وأشكالها، وأنظمة الضغط الجوي التي تنتجها، ومراحل تكوين العواصف الرعدية، كما وردت كلمة (سحاب) لتدلّ على الظلمة حيث يمتد السحاب المظلم ليغطّي مئات الكيلومترات أفقياً، وعدة كيلومترات عمودياً، وفي هذه الحالات فإنه يحجب نور الشمس ويمنعه من الوصول إلى سطح الأرض، فيتحول النهار إلى ظلام. كما أنّ هناك نوعاً آخر من السحب وهو السحاب المبسوط على شكل كسف لا ينزل منه مطر ولا برد، ولا يُسبّب البرق والرعد، بل يتكون منه سحب الجبهات الهوائية الدافئة.

“أما السحاب الثقال -الذي نحن بصدده- فهي تلك السحب التي تتمتع بحمولة ضخمة من الأمطار وتكون ممطرة في جميع الأحوال، وتغطي مساحات واسعة من سماء الأرض، ولها القدرة على إغراق مساحات واسعة في غضون ساعات قلائل، ويمكن أن تكون  هذه المساحة بحجم دولة كبيرة يسكنها عشرات الملايين كفرنسا مثلاً، وذلك  بما تحمله من كميات هائلة من الخلايا الممطرة، وهذه السحب شديدة التكاثف والسماكة بحيث تحجب الشمس بشكل يكاد يتحوّل فيه النهار إلى ظلمة حقيقية، وفي هذه الأنواع من السحب يكون حجم حبّات المطر كبيراً جداً، ولونها مائل للسواد من شدة تكاثفها، فتزن السحب ملايين الأطنان من المياه، ويستغرب العلماء كيف تستطيع الرياح حمل كل تلك الأوزان الهائلة وهي بطيئة الحركة نسبياً نظراً لهذا الحمل الضخم”. (الرياح والسحب والمياه والبحار، د. خالد فائق العبيدي، ص51).

ويطلق العلماء على هذه السحب اسم السحب الثقيلة (Heavy clouds)، فلا تكاد تطير في الهواء بسبب ثقلها، ولذا نراها قريبة من سطح الأرض ويتطابق التسمية العلمية مع النص القرآني مع أنّ سرعة بعض السحب تصل إلى (600 كلم / الساعة).

وفي قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ} [الأعراف:57] والتي تؤكّد على عملية نقل الماء من المحيطات إلى اليابسة؛ فبخار الماء الذي تنتجه المحيطات لا فائدة منه لولا الرياح، فهي التي تمرّ عليه لتحمله بعيداً عن المحيطات ليسقط على اليابسة، وإلى جانب نقلها للسحب من مكان إلى مكان تعمل الرياح بما تحمله من ذرّات الرمال والغبار والدخان على تكثيف بخار الماء على هذه الجسيمات الدقيقة، وصدق الله العظيم القائل: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر:22].

ويبلغ وزن قطرة الماء الواحدة (1-100) ميكرون، والميكرون يشكّل (1/1000) من المليمتر، وينشىء الله تعالى من هذه القطيرات الصغيرة التي لا تكاد ترى بأدقّ المجاهر سحب مزن ركامية قد يبلغ وزن سحابة منها حوالى (1000.000.000) (بليون) طن، وهي تحتاج إلى (2) مليون شاحنة لنقلها، وزن كل شاحنة منها (50) طناً، بينما يبلغ وزن فصيلة سحاب ركامي منخفض حوالى (635.000) طن.

ومن الجدير بالذكر أنّ وزن السحب التي تتحرك فوق رؤوسنا يبلغ (15.000.000.000.000) (15 تريليون) طن، وهي كلها لا تشكّل إلا (1/001. %) من مجموع المياه الموجودة في الأرض والبالغة (1360.000.000.000.000.000) متر مكعب؛ فسبحان الذي أخرج من الأرض ماءها، وخزّنه في بحارها وأنهارها وفي جوفها وعلَّقه في سماءها، وحمل السحاب الثقال بين القارات.

وإضافة إلى ما سبق، يفتح لنا حديث نبوي شريف -اجتزأنا منه جزءاً- صفحة نتطلع منها إلى نواميس الغيب التي تحكم حركة الكون، والحديث صحيح أخرجه البخاري في التاريخ الكبير عن أبي نعيم،  كما أخرجه أحمد، ورواه الترمذي والنسائي والطبراني، ورواه أبو نعيم في الحلية، وصحّحه الألباني:

“عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ” أقبلت يهود إلى النبي e فقالوا: يا أبا القاسم، نسألك عن أشياء، فإن أجبتنا فيها اتّبعناك وصدّقناك وآمنا بك. قال: فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذا قالوا: )الله على ما نقول وكيل(. قالوا : أخبرنا عن علامة النبي؟ قال : (تنام عيناه لا ينام قلبه). قالوا: صدقت! قالوا: فأخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: (ملك من الملائكة، موكل بالسحاب معه مخاريق من نار، يسوق بها السحاب، حيث شاء الله). قالوا: صدقت! قالوا: أخبرنا من الذي يأتيك من الملائكة، فإنه ليس من نبي إلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربه، بالرسالة وبالوحي، فمَن صاحبك فإنه إنما بقيت هذه حتى نتابعك؟ قال: هو جبريل. قالوا: ذلك الذي ينـزل بالحرب وبالقتل ذاك عدونا من الملائكة لو قلت: ميكائيل الذي ينـزل بالقطر والرحمة تابعناك! فأنزل الله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ} إلى آخر الآية: {فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة:97–98]”.

وتدلّ الآيات الكريمة والحديث الشريف أنّ حركة السحاب تجري بأمر الله، فهو الذي يُرسل السحاب وهو الذي يُنشىء السحاب الثقال، وهو الذي يسوق السحاب، وهو الذي يُزجي السحاب، وهو الذي يُؤلّف بينه، وهو الذي يجعله ركاماً، وهو الذي يبسط السحاب في السماء كيف يشاء فيجعله كسفاً، وهو الذي أوكل ملائكة خاصة بالسحاب، كما أوكل ملائكة بالقطر، وملائكة بقبض الأرواح، وملائكة بالجبال، وملائكة أخرى بنفخ الروح، وملائكة بتثبيت المؤمنين؛ فسبحان الخالق العظيم الذي خلق كل شيء فقدَّره تقديراً.

وهكذا يتبين لنا الإعجاز القرآني الذي أشار إلى تفسير هذه الاكتشافات العلمية الحديثة وهذه الظواهر الجوية قبل أن يتعرف عليها العلماء ومطابقة النص القرآني لما اكتشفه العلماء من حقائق علمية عن السحب بعد مرور ما يزيد عن (1400) عام من نزول القرآن.

فهل يمكن لإنسان عاقل ومنصف أن ينسب هذا القرآن الكريم لإنسان أمي عاش في بيئة صحراوية لا تظهر فيها السحب الركامية إلا نادراً، ويتحدث عن هذه السحب بكل ثقة، وبتأكيد لا يساوره أيّ شك، فيعطي تفصيلات بالغة الدقة عن تركيب هذه السحب لا زال أكثر الناس في هذا العصر  يجهلها؟!

ألا يدلّ ذلك على أنّ مَن خلق هذه السحب هو الذي خلق الإنسان وأنزل القرآن العظيم، وهو القائل سبحانه: {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ الله الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} [طه:98].