فطر الله النفس البشرية على حُبّ كل جميل، والنفور من كل قبيح، وجعل الله الميل للجَمَال أمراً طبيعيّاً في الفطرة السليمة، فطبع الإنسان ينفر من كل منظر وخلق وصوت قبيح، وجعل الله الجَمَال كذلك أمراً محثوثاً عليه في شرعه الشريف، ففي الجمال اجتماع للأمر الكوني والأمر الشرعي في انسجام باهر. لذلك حثّ الإسلام على جَمَال المنظر، وجَمَال الأخلاق، والأصوات، والرائحة. والمسلم  بخلقه  الجميل، وبعبادته لربّ جميل، وبالتزامه بشرع جميل، يكون جميلاً يشيع الجَمَال والراحة والطمأنينة في المكان الذي يحل فيه، فالمسلم كالغيث أينما حلّ نفع.

ولم توجد عقيدة قبل الإسلام أعطت الجانب الجمالي أهميته في العقيدة أو في العبادة، كما برز ذلك في التربية الإسلامية والحضارة الإسلامية التي جعلت المسلمين كالشامة بين الأمم. فجمعوا بين عميق الإحساس في الجَمَال والكون والحياة والانسان؛ لأن فطرة المسلم شفافة سليمة لم تطمس، ومن لوازم الفطرة الجميلة عمق الإحساس بالجمال في الحياة الاجتماعية والعلاقات الجمالية، فالمسلم جميل في البيت والمسجد والشارع، وهو جميل في خلقه وفي سلوكه وفي إحساسه بالجَمَال؛ فالجَمَال آية من آيات الله في الأنفس والآفاق.

تعريف الجَمَال:

عرّف حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي -رحمه الله- الحسن والجمال بقوله: “كل شيء فجَمَاله وحُسْنه في أن يحضر كماله اللائق به الممكن له، فإذا كان جميع كمالاته الممكنة حاضرة فهو في غاية الجَمَال، وإن كان الحاضر بعضها فله من الحسن والجَمَال بقدر ما حضر، فالفرس الحسن: هو الذي جمع كل ما يليق بالفرس من هيئة وشكل ولون وحسن عدو وتيسر كرٍّ و فرٍّ عليه. والخط الحسن: كل ما جمع من تناسب الحروف وتوازيها واستقامة ترتيبها وحسن انتظامها، ولكل شيء كمال يليق به، فلا يحسن الإنسان ما يحسن به الفرس، ولا يحسن الخط بما يحسن به الصوت ولا تحسن الأواني بما تحسن به الثياب وكذلك سائر الأشياء”.

وقال ابن القيم -رحمه الله-: اعلم أن الجمال ينقسم قسمين: ظاهر وباطن: فالجمال الباطن: هو المحبوب لذاته، وهو جمال العلم والعقل والجود والعفّة والشجاعة، وأما الجمال الظاهر فزينة خصّ بها الله بها بعض الصور عن بعض، وهي من زيادة الخلق التي قال الله تعالى فيها: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} [فاطر:1]، قالوا: هو الصوت الحسن والصورة الحسنة.

الألفاظ الجمالية في اللغة والقرآن الكريم:

استعمل القرآن الكريم الكثير من الألفاظ التي تعبّر عن الجمال وتحثّ عليه وتدعو إلى التمتّع به كما يلي:

  1. الجَمَال: استعمل القران الكريم لفظ (الجمال) في نطاق ضيق لم يتجاوز ثماني مرات؛ واحدة منها بصورة المصدر، والباقي كانت صفة، وكلها في مجال الأخلاق باستثناء واحدة في قوله في سورة النحل: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ . وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ . وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [النحل:5-7] يعني الخيل والإبل.

والجَمَال: مصدر جَمُلَ، جَمِلَ، جَمَالُهَا فَاتِنٌ: حُسْنُهَا، بَهَاؤُهَا، جَمَال: اسْمُ عَلَمٍ للذُّكُورِ.

والجَمَال هو أحد المفاهيم الثلاثة التي تُنسب إليها أحكام القيم: الجمال والحقّ والخير، عكسه القبح، والجَمَال بلا طيبة لا يساوي شيئاً، “إِنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ”. (حديث صحيح رواه مسلم).

قال ابن سيده: الجَمَال يكون في الفعل والخَلق، وقال ابن الأثير: والجَمَال يقع على الصور والمعاني. وجاء في الصّحاح: جمَّله: زيَّنه.

وقد استعملت اللغة العربية الكثير من الكلمات للتعبير عن الجمال؛ ففي كتاب (فقه اللغة) للثعالبي نجد فصلاً تحت عنوان: في تقسيم الحسن، حدَّد فيه لكل كلمة مجال استعمالها؛ فعن ثعلب عن ابن الأعرابي وغيرهما قالوا: الجمال هو الصَّباحة في الوجه، والوضاءة في البشرة، والجمال في الأنف، والحلاوة في العينين، والملاحة في الفم، والظرف في اللسان، والرشاقة في القد، واللباقة في الشمائل، وكمال الحسن في الشَّعر.

2- الحُسن: والحُسن ضدّ القبح ونقيضه، وحسَّنت الشيء: زيَّنته. والحسنة ضدّ السيئة، والإحسان ضدّ الإساءة. وجاء في القاموس المحيط للفيروزأبادي وكذلك في الصّحاح: الحُسن: الجَمَال.

ووردت لفظة الحُسن في القرآن الكريم في صيغ مختلفة وقد استعمل في الصور كما استعمل في المعاني.

وقوله تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة:٧] يعني حسَّن، يقول حسَّن خَلْق كل شيء.

ويقول أبو هلال العسكري في صدد الفرق بين الجَمَال والحُسْن: إنّ الجَمَال ما يشتهر ويرتفع به الإنسان من الأفعال والأخلاق ومن كثرة المال والجسم، وليس هو من الحُسْن في شيء، ألا ترى أنه يُقال لك: في هذا الأمر جَمَال، ولا يُقال لك فيه حُسْن. وفي القرآن: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} [النحل:٦]، على أن المرجع في هذا الموضوع يؤول إلى كلمتين رئيسيتين هما: الحُسْن والجَمَال.

3- البهجة: والبهيج هو الحسن المنظر، والذي يُبهج ويسرّ الناظر الذي ينظر إليه: قال تعالى: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج:5]، وقال: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ الله بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل:60].

4- النُّضرة: وهي النَّضارة في البشرة: قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} [القيامة:22]، وقال: {فَوَقَاهُمُ الله شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} [الإنسان:11]، وقال: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} [المطففين:٢٤].

5- الزينة: والزينة هي كل ما يتزيّن به المرء من وسائل التجميل كالحلية والريش والزخرف.

وامتنّ الله علينا بزينة السماء وكواكبها، وبالأنعام في غدوّها ورواحها، قال تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} [الحجر:16]، وقال: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل:8]. وامتنّ الله علينا أيضاً بحلية البحر التي نلبسها: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل:14].

6- الإعجاب والسرور ولذّة الأعين: والإعجاب هو تعبير النفس عن تأثّرها بالحُسْن.

حقيقة الجمال:

هل للجمال حقيقة قائمة موجودة؟ أم هو مجرد شعور نفسي تجاه شيء ما، وهذا الشيء لا يُوصف بجمال ولا قبح، وإنما شعورنا هو الذي جعله كذلك، وعلى هذا لا يوجد شيء جميل أو قبيح لذاته؛ فما كان في نظر البعض حسناً ربما كان في نظر الغير قبيحاً، ذلك أن الشيء أو الفعل -حسب رأيهم- ليس فيه قبح ولا حسن لذاته.

وقد تكلّم الإمام الغزالي في هذه القضية، فقال: “فاعلم أنّ الحُسْن والجَمَال في غير المحسوسات؛ إذ يُقال: هذا خُلُق حَسَن، وهذا عِلْم حَسَن، وهذه سِيرة حَسَنة، وهذه أخلاق جميلة…”.

وأما ابن قيم الجوزية فيقول: “وهذا فصل في ذكر حقيقة الحُسْن والجَمَال ما هي، وهذا أمر لا يُدرك إلا بالوصف. وقيل: الحُسن معنى لا تناله العبارة ولا يحيط به الوصف”. (الظاهرة الجمالية في الإسلام – صالح أحمد الشامي ص117).

– الجمال والقيم:

الحقّ والخير والجَمَال… هي حقائق في هذا الوجود، كما أنها قيم، وهذا لا يعني أنها في لقاء دائم وأنّ بعضها لا يفارق بعضها الآخر، وإنما يعني بيان مستوى أهميتها في هذه الحياة؛ فالجمال له شخصيته المستقلة في التصوّر الإسلامي، وهذا لا ينفي لقاءه مع الحق والخير، ولكنه أيضاً لا ينفي وجوده في مجالات لا حقّ فيها ولا خير.

والحقّ والخير هما من الميادين التي للجمال فيها كلمة ورأي؛ فالخير خير، ولكنه إذا زُيّن بالجمال كان أقرب إلى الكمال، والحقّ حقّ ولكنه إذا زُيّن بالجمال كان أدقّ في تحقيق العدل، والأمر بالمعروف خير، ولكنه إذا كان بأسلوب مهذّب، بعيداً عن الفظاظة والغلظة؛ أي كان بالمعروف، كان أقرب إلى تحقيق الجدوى؛ لأنه في هذه الحالة أجمل، وقد يوجد الجَمَال ولا يوجد الخير، وأشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة:221]، فقد وُجد الجَمَال هنا لدى المشركة ولم يوجد فيها الخير. (الظاهرة الجمالية في الإسلام – صالح أحمد الشامي ص121).

– الجَمَال والمنفعة:

الجَمَال من الأشياء التي تحب لذاتها لا لشيء آخر وراءها، فمنفعة الانسان من الجَمَال هي متعة نظره أو سمعه أو شمه أو عقله وليس هناك شيء آخر، وأي شيء أكثر نفعاً من تلبية حاجة من حاجات النفس الفطرية، فرؤية الجَمَال تلبية لحاجة النفس في هذا الجانب، وإذن فمنفعة الإنسان من الجَمَال حاصلة في الجَمَال ذاته.

ويفرّق الإمام الغزالي تفريقاً دقيقاً بين لذّة الجَمَال ذاته ولذّة المنفعة الحاصلة منه، وهنا يكون الإنسان أمام لذّتين، فيقول: “إنّ كُلّ جَمَال محبوب عند مدارك الجَمَال، وذلك لعين الجَمَال؛ لأن إدراك الجَمَال فيه عين اللذة، ولا تظنن أنّ حُبّ الصور الجميلة لا يتصوّر إلا لأجل قضاء الشهوة، فإنّ قضاء الشهوة لذّة أخرى قد تحب الصور الجميلة لأجلها، وإدراك نفس الجَمَال أيضاً لذيذ، فيجوز أن يكون محبوباً لذاته، وكيف ينكر ذلك والخضرة والماء الجاري محبوب لا ليشرب الماء وتؤكل الخضرة أو ينال منها حظّ سوى نفس الرؤية، حتى إنّ الإنسان لتنفرج عنه الغموم والهموم بالنظر إليها لا لطلب حظ وراء النظر”. (الظاهرة الجمالية في الإسلام – صالح أحمد الشامي ص122).

 

الهدي النبوي في الجَمَال والحُسن:

يشتمل الحديث الشريف “إنّ الله جميلٌ يُحِبُّ الجمال” على أصلين عظيمين؛ فأوله معرفة وآخره سلوك، فيُعرّف الله سبحانه بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء، ويعبد بالجمال الذي يحبّه من الأقوال والأعمال والأخلاق، فيُحِبّ الله من عبده أن يُجَمِّل لسانه بالصدق وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكّل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه، وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ، أي أن يعرفه سبحانه وتعالى بصفات بالجَمَال، ويتعرّف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة، أي يعرفه بالجَمَال الذي هو وصفه، ويعبده بالجَمَال الذي هو شرعه ودينه؛ فجمع الحديث قاعدتين معاً: المعرفة والسلوك. (الفوائد لابن القيم: 1/185).

كان رسول الله e يُحِبُّ المنظر الحسن والوجه الحسن والاسم الحسن والفأل الحسن، فقال e: “إذا بعثتم إليّ رجلاً فابعثوه حسن الوجه حسن الاسم”. (رواه البزّار وصحّحه الألباني).

وقال e: “خَصْلَتَانِ لا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ: حُسْنُ سَمْتٍ، وَلا فِقْهٌ فِي الدِّينِ”. (رواه الترمذي وصحَّحه الألباني).

وقد كان e يحب الاسم الحسن ويتفاءل به، ويكره الاسم القبيح ويأمر بتغيره؛ وذلك لأن الأسماء لها “تأثير في المسميات، وللمسميات تأثر بأسمائها في الحسن والقبح والخفّة والثقل واللطافة والكثافة”.

لذا يُستحبّ للوالد أن يُحسن اختيار اسم المولود؛ لقول النبي e: “إنكم تُدعَون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فحسّنوا أسماءكم”. (رواه أحمد وأبو داود).

أما الفأل الحسن؛ فعن أنس بن مالك t، قال رسول الله e: “لا عدوى ولا طيرة، ويُعجبني الفأل. قالوا: وما الفأل؟ قال: كلمةٌ طيبة”. (متفق عليه).