{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ}

ورد ذكر النجم والنجوم (13) مرة في القرآن الكريم

النجوم أجرام سماوية تُزيّن صفحة السماء الدنيا، ويهتدي بها الناسُ في ظلمات البَرّ والبحر، وهي مُسَخَّرة بأمره تعالى، والنجوم كروية أو شبه كروية‏ غازية‏ ملتهبة مضيئة بذاتها‏ متماسكة بقوة الجاذبية على الرغم من بنائها الغازي،. وهي‏ هائلة الكتلة‏ عظيمة الحجم وعالية الحرارة،‏ وتشعّ النجوم موجات كهرومغناطيسية على هيئة الضوء المرئي وغير المرئي بجميع موجاته،‏ ويمكن بدراسة ضوء النجوم الواصل إلينا التعرّف على العديد من صفاتها الطبيعية والكيميائية مثل درجة اللمعان ‏وشدّة الإضاءة ‏ودرجة الحرارة،‏ إضافة إلى حجمها وكتلتها‏ وتركيبها الكيميائي.

في عام (1989)، أطلقت الوكالة الأوروبية للفضاء المسبار (هيباركوس) لتحديد مواقع نحو (100.000) نجم بمجرتنا (درب التبانة) بدقة عالية في مهمة مدتها (3) سنوات؛ وذلك لأن الغلاف الجوي الأرضي يُعيق عمليات الرصد، ولأن الأرض تدور حول نفسها بمحور به بعض التأرجح، وأنها كذلك غير ثابتة، إذ تدور حول الشمس مرّة كل سنة، وأن موقع الشمس في وسط النظام الشمسي غير ثابت نتيجة قوة جذب الكواكب لها، وكذلك الكواكب التابعة لها غير ثابتة.

كما أطلقت وكالة الفضاء الأوروبية المسبار (جايا) في ديسمبر (2013م) في مهمة مدتها (5) سنوات لرصد مواقع بليون نجم من مجرّة درب التبانة وبناء نموذج ثلاثي الأبعاد وذلك لرصد حركتها واتجاهها، وهذا النموذج سوف يوفّر للعلماء صورة واضحة عن نمط حركة النجوم في مجرتنا وقياس حوالي (200) مليون نجم بدقة أفضل من (10٪).

ولا يمكن قياس أبعاد النجوم والمجرات بالمقاييس العادية، حيث تُعدّ سرعة الضوء البالغة (300.000) كم / ث أساساً لقياس المسافات القريبة، بينما تُعدّ السنة الضوئية البالغة (9.5) مليون مليون كم أساساً لقياس المسافات بين الشمس وسائر النجوم والمجرات، وأقرب النجوم إلينا بعد الشمس هو النجم ألفا قنطورس الذي يبعد عنّا (‏4.3)‏ سنة ضوئية (270.000) مرة بُعد الشمس عنّا، بينما يبعد عنّا النجم القطبي حوالي (‏400‏) سنة ضوئية‏،‏ ويبعد منكب الجوزاء (‏1600)‏ سنة ضوئية‏،‏ أما أشد النجوم بُعداً عنّا في مجرتنا‏ فيُقدّر بـ(80.000) سنة ضوئية‏.

وتحتوي مجرتنا حوالي (300) بليون‏‏ نجم‏,‏ وفي الجزء المدرك من السماء الدنيا يُقدّر العلماء (200.000) مليون مجرة على الأقل‏‏ تسبح في ركن من السماء الدنيا، وأقرب المجرات إلينا تُعرف باسم سحب ماجلان التي تبعد عنّا (150.000) سنة ضوئية.

وقد شبّه أحد العلماء المجموعة الشمسية البالغ قطرها (12.000) مليون كم برمّتها بحجم رأس الإبرة نسبة إلى حجم مجرة درب التبانة التي ننتمي إليها، ويبلغ من اتساع هذه المجرة أننا لو قمنا بقيادة سيارة من الأرض بسرعة (160) كم/ساعة، فقد نصل إلى مركز المجرة بعد (345) بليون سنة تقريباً.

ولو تم تصغير حجم مجرة التبانة لتصبح بحجم يعادل حجم الولايات المتحدة الأمريكية، فسيكون حجم المجموعة الشمسية بحجم فنجان قهوة، بينما سيبلغ حجم الأرض أقل من أصغر ذرة غبار لا تكاد ترى من خلال أقوى مجهر في العالم! فما بالك بحجم الإنسان بالمنطق القياسي؟

كما أنّ هناك ما يُسمّى النجـوم العملاقة التي يبلغ حجم الواحد منها ملايين المرات بالنسبة للشمس أو أكثر كما يزيد لمعانها ألوف المرات، ومنها على سبيل المثال الآتية:

نجم الهنعة (الرأس التوأم المؤخر): ويبلغ قطرها (8) مرات قطر الشمس، وحجمها (512) مرة حجم الشمس، والسماك الرامح Arcturus ويبلغ قطرها (25) مرة قطر الشمس، وحجمها يزيد على (15.600) مرة حجم الشمس، ويبلغ قطره قلب العقرب Antares (600) مليون كم، أي أكثر من (428) مرة قطر الشمس، وحجمه أكبر منها بـ(80) مليون مرة.

ويبعد عنّا منكب الجوزاء (النجم الأحمر فوق العملاق) مسافة (1600) سنة ضوئية، وقطره (630) قطر الشمس، ويزيد حجمه على (274) مليون حجم الشمس، ويبلغ قطر أكبر نجمة تم اكتشافها Vy Canis Majoris (2100) قطر الشمس، وحجمها يبلغ حوالي (9261) مليون مرة حجم الشمس وتبدو الشمس بالنسبة لها كالفيروس، وهذه المعلومات لم يكن أحد يعلم عنها شيئاً إلا بعد اكتشاف المقاريب، وكان القدماء يعتقدون أنّ النجوم هي المسامير التي تثبت السماء، وجاء القرآن العظيم وطلب منّا أن ننظر إلى صفحة السماء ونتدبّر عظمة الخالق الذي أبدعها وفطرها وخلقها وسخَّرها لخدمة الإنسان.

الإعجاز القرآني:

ورد ذكر النجم والنجوم (13) مرة في القرآن الكريم، وأقسم تعالى بالنجم في سورة النجم بقوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [النجم:1]، وأقسم بالنجم الطارق {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ . النَّجْمُ الثَّاقِبُ} [الطارق:1-3]، كما أقسم بالخُنَّس {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ . الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} [التكوير:15-16]، إلا أنّ القسم بمواقع النجوم له دلالة أخرى وهو بمثابة تحدّ لعلماء الفلك إلى يوم الدين؛ لبُعد هذه النجوم وضخامتها وسرعة حركتها وانتقالها، قال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة:75]‏,‏ ثم يأتي جواب القسم‏: {إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ . لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ . تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الواقعة:77-80].

والقَسَم القرآني العظيم بمواقع النجوم يُشير إلى سَبْق القرآن الكريم بالإشارة إلى إحدى حقائق الكون المبهرة‏,‏ والتي مؤدّاها أنّ النجوم من أعظم صور إبداع الله في الكون، والتي كشف العلم أنها أفران كونية عجيبة، يخلق الله‏‏ تعالى‏ لنا فيها كل صور المادة والطاقة التي ينبني منها هذا الكون المدرَك‏، ثم إنّ عدد ما أحصاه علماء الفلك من النجوم في الجزء المدرَك من السماء الدنيا إلى يومنا هذا تعدَّى (70) بليون تريليون نجم، ونظراً للأبعاد الشاسعة التي تفصل نجوم السماء عن أرضنا‏ والتي تُقَدَّر بألوف بل أحياناً ببلايين السنوات الضوئية,‏ فإنّ الإنسان على هذه الأرض لا يرى النجوم أبداً،‏ ولكنه يرى مواقع مرّت بها النجوم ثم غادرتها،‏ وفوق ذلك فإنّ هذه المواقع كلها نسبية‏‏ وليست مطلقة؛ ‏لأن الضوء كأيّ صورة من صور المادة والطاقة، لا يستطيع أن يتحرك في صفحة السماء إلا في خطوط منحنية، وعين الإنسان لا ترى إلا في خطوط مستقيمة، وعلى ذلك فإنّ الناظر إلى النجم من فوق سطح الأرض يراه على استقامة آخر نقطة انحنى ضوؤه إليها، فيرى موقعاً وهمياً للنجم غير الموقع الذي انبثق منه ضوءه، ونظراً لانحناء الضوء في صفحة  السماء فإنّ النجوم تبدو لنا في مواقع ظاهرية غير مواقعها الحقيقية، ليس هذا فقط بل إنّ الدراسات الفلكية الحديثة قد أثبتت أنّ نجوماً قديمة قد خبت أو تلاشت منذ مئات الألوف من السنوات،‏ ولا يزال الضوء الذي انبثق منها في عدد من المواقع التي مرّت بها يتلألأ في ظلمة السماء في كل ليلة من ليالي الأرض إلى يومنا هذا.

ومن هنا كان هذا القسم القرآني بمواقع النجوم، وليس بالنجوم ذاتها -على عظم قدرها- و(الفاء) في هذا القَسَم {فَلَا أُقْسِمُ} هي حرف عطف وترتيب وتعقيب، وهي من أساليب اللغة العربية؛ فإدخال (لا) النافية للجنس على فعل القسم‏ {فَلَا أُقْسِمُ} مِن أجل المبالغة وتوكيد القَسَم،‏ فالأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم أصلاً فضلاً عن هذا القَسَم العظيم‏ بمعنى أنه لا يُقسم بالشيء إلا تعظيماً له.‏

وقَسَمُ الله العظيم بمواقع النجوم (المخلوقة) والتي لا نشاهد إلا جزءاً يسيراً منها مشيراً بذلك إلى عجز الإنسان عن معرفة أحجامها وطاقاتها وسرعات حركاتها وتغير مواقعها الحقيقية {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ . وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} (والمقسم عليه): {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} وليس في القرآن قَسَم يخبرنا الله بعده أنه عظيم إلا هذا القسم، وكل أقسام القرآن عظيمة، لكن لعظمة هذا القسم أخبرنا الله أنه قسم عظيم لو علمنا عظمته، وهو أنّ هذا القرآن كريم عظيم، وبالتالي فأنتم أكثر عجزاً أمام معرفة كُنه وحقيقة كلام الله الذي أنزله في الكتاب المكنون، ذلك القرآن الكتاب الكريم، الذي جمع الله فيه للإنسانية كلها‏ من الفوائد والمنافع مما لم يشتمل عليه أي كتاب سماوي سابق من أصول الدين ومن العقيدة والعبادة والحكم والأخلاق والمعاملات، ومن أمور الغيب وضوابط السلوك وقصص الأنبياء وأخبار الأمم السابقة والعبر المستفادة منها‏،‏ إضافة إلى عدد من حقائق ومظاهر الكون الدالة على وجوده تعالى وعلى عظيم قدرته وطلاقة مشيئته وكمال حكمته وإحاطة علمه.

  ')}

بواسطة |2022-02-09T09:20:22+03:00أغسطس 16th, 2018|
اذهب إلى الأعلى