الإعجاز النفسي في القرآن الكريم

إنّ القرآن يملك على الإنسان نفسه بالوسيلة الوحيدة التي تقهر تفوّقه في الجدل، أي بتقديم الدليل المفحم لكل شبهة، وتسليط البرهان القاهر على كل حجة؛ فالنكوص عن الإيمان بعد قراءة القرآن يكون كفراً عن تجاهل لا عن جهل، ومن تقصير لا عن قصور، والجدل آفة نفسية وعقلية معاً

 

الوحي الإلهي ليس مجموعة من العلوم رُصَّت في كتاب، ثم قُدِّمت للناس، إنّ عماد هذا الوحي -بعد تقرير الحق الذي جاء به- هو كيف يغرس هذا الحق في النفوس، وكيف تفتح أقطارها له، وكيف تبقى عليه وقد تعرّضت للفتن، وكيف تبقى فيها وقد زاحمه الباطل وضيّق عليه الخناق بصنوف المحرجات؟

إنّ وحدانية الله جلّ جلاله أم العقائد الإسلامية، ومبدأ التوحيد لا يحتاج بيانه إلى كراسات أو مجلدات. بل كلمة التوحيد تُكتب في سطر وتُنطق في لحظات، فهل كذلك الأمر في إشراب القلوب حقيقة التوحيد، وتتبع مسالك الإنسان لنفي الشرك عنها، وإلزامها الصراط المستقيم، وسرد تاريخ الأمم الأولى، وكيف اجتالتها الشياطين عن الفطرة من دون الله أوثاناً!

الأمر هنا يحتاج إلى إفاضة واطراد لكي يستطيع التغلب على طبيعة الإنسان المعاندة، وإغلاق كل منفذ يمكن أن تهرب منه. لذلك يقول الله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} [الكهف:54].

“قد تجد في القرآن حقيقة مفردة، ولكن هذه الحقيقة تظهر في ألف ثوب، وتتوزّع تحت عناوين شتى، كما تذوق السكر في عشرات الطعوم والفواكه، وهذا التكرار مقصود، وإن لم تزد به الحقيقة العلمية في مفهومها، ذلك أنّ الغرض ليس تقرير الحقيقة فقط، بل بناء الأفكار والمشاعر، ونقاط مؤلفه آخر ما تختلقه اللجاجة من شبهات.. ثم الكرّ عليها بالحجج الدامغة، حتى تبقى النفس وليس أمامها مفرّ من الخضوع لمفهومها للحق والاستكانة لله، وعندي أنّ قدراً من إعجاز القرآن الكريم يرجع إلى هذا”(1).

ويسترسل الشيخ الغزالي قائلاً: “فما أظنّ امرءاً سليم الفكر والضمير يتلو القرآن ويستمع إليه ثم يزعم أنه لم يتأثر به.

وقد تقول: ولم يتأثر به؟

والجواب: أنه ما من هاجس يعرض للنفس الإنسانية من ناحية الحقائق الدينية إلا ويعرض له القرآن بالهداية وسداد التوجيه، وما أكثر ما يعزّ المرء من نفسه، وما أكثر الذين يمضون في سبل الحياة هائمين على وجوههم، ما تمسكهم بالدنيا إلا ضرورات المادة فحسب.

إنّ القرآن الكريم بأسلوبه الفريد يردّ الصواب إلى أولئك جميعاً، وكأنه عرف ضائقة كل ذي ضيق، وزلة كل ذي زلل، ثم تكفّل بإزاحتها كلها، كما يعرف الراعي أين تاهت خرافه، فهو يجمعها من هنا وهناك، لا يغيب عن بصره ولا عن عطفه واحد منهم. وذلك سر التعميم في قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} [الكهف:54].

وحتى الذين يكذّبون بالقرآن ويرفضون الاعتراف بأنه من عند الله، إنهم يقفون منه مثلما يقف الماجن أمام أب ثاكل، قد لا ينخلع من مجونه الغالب عليه، ولكنه يؤخذ فترة ما بصدق العاطفة الباكية، أو مثلما يقف الخلي أمام خطيب يهدر بالصدق ويحدث العميان عن اليقين الذي يرى ولا يرون.. إنه قد يرجع مستهزئاً، ولكنه يرجع بغير النفس التي جاء بها.

والمنكرون من هذا النوع لا يطمعون في التأثير النفساني للقرآن الكريم، كما أن العميان لا يطعنون في قيمة الأشعة، ولذا يقول الله عز وجل: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر:23].

“إنّ القرآن يملك على الإنسان نفسه بالوسيلة الوحيدة التي تقهر تفوّقه في الجدل، أي بتقديم الدليل المفحم لكل شبهة، وتسليط البرهان القاهر على كل حجة؛ فالنكوص عن الإيمان بعد قراءة القرآن يكون كفراً عن تجاهل لا عن جهل، ومن تقصير لا عن قصور، والجدل آفة نفسية وعقلية معاً، فالنشاط الذهني للمجادل يمدّه حراك نفسي خفي، قلّما يهدأ بسهولة”.

ويستكمل الشيخ بيانه عن وسائل القرآن التي تُسبّب التأثير في النفس الإنسانية فيقول:

“إنّ طبيعة هذا القرآن لا تلبث أن تعتبر برودة الإلف وطول المعرفة فتتعرّى أمامه النفوس، وتنسلخ من ثكلتها وتصنّعها، وتنزعج من ذهولها وركودها، وتجد نفسها أمام الله -جلّ شأنه- يُحيطها ويُناقشها، ويُعلّمها ويُؤدّبها، فما تستطيع أمام صوت الحق المستعلن العميق إلا أن تخشع وتصيح: يا هذه الدنيا أصيخي واشهـــدي   أنّا بغير محمّـــدٍ لا نقتـــدي”(2).

ثم يقول: “وكما قهر القرآن نوازع الجدل في الإنسان وسكّن لجاجته، تغلّب على مشاعر الملل فيه وأمدّه بنشاط لا ينفد، والجدل غير الملل، فذا تحرّك ذهني قد يجسد الأوهام ويحوّلها إلى حقائق، وهذا موات عاطفي قد يجمّد المشاعر فما تكاد تتأثر بأخطر الحقائق.

وكثير من الناس يصلون في حياتهم العادية إلى هذه المنزلة من الركود العاطفي فنجد لديهم بروداً غريباً بإزاء المثيرات العاصفة، لا عن ثبات وجلادة، بل عن موت قلوبهم وشلل حواسّهم.

والقرآن الكريم في تحدّثه للنفس الإنسانية، حارب هذا الملل وأقصاه عنها إقصاءً، وعمل على تجديد حياتها بين الحين والحين، حتى إنه ليمكّنها أن تستقبل في كل يوم ميلاداً جديداً.

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} [طه:113].

ومِن وسائل القرآن التأثيرية: الترغيب والترهيب، حيث يقول الشيخ الغزالي:

“والشعور بالرغبة والرهبة والرقّة تعمرك وأنت تستمع إلى قصص الأولين والآخرين، تروى بلسان الحق ثم يتبعها فيض من المواعظ والحكم والمغازي والعِبَر تقشعر منه الجلود”(3).

وقد فطن العلماء قدامى ومحدثين لهذا الوجه الدقيق من وجوه الإعجاز القرآني وفي طليعتهم الخطابي والرافعي وعبد الوهاب خلاف وأمين الخولي، حيث لمس هؤلاء العلماء ما أحدثه القرآن الكريم من أثر في النفوس الإنسانية؛ فما من امرىء سليم الفكر، نقي الضمير، يتلو القرآن، أو يستمع إليه إلا تأثر به. وهذا ما أحدثه القرآن فعلاً من أثر من انقلاب اجتماعي بين العرب، وهُم الذين تملكهم الحمية العصبية، وسيطرت على نفوسهم النعرة الجاهلية، لأنه راعى قواعد نفسية في مظاهر الاعتقاد، ومآرب  الانفعال، ونواحي التأثير، وأثار من هذا ما أيّد حجّته، وأظهر دعوته، وهو في ذلك كله يساير من شؤون النفس الإنسانية ويتغلغل في شعابها وجوانبها مما لم يهتد إليه العلم إلا حديثاً.

يقول مصطفى صادق الرافعي:

“والقرآن وإن كان لم يخرج عن أعلى طبقات اللغة، ولا برز عن وجوه العادة في تصريفها، غير أنه أتى من وراء النفس، لا من وراء اللسان، فجعل من نظمه طريقة نفسية في الطريقة اللسانية، وأدار المعاني على سنن ووجوه تجعل الألفاظ كأنها مذهب هذه المعاني في النفس”(4).

ويقول الأستاذ عبد الوهاب خلاف عن القرآن في إعجازه النفسي:

“لن يدار الأمر فيه إلا عن سياسة النفوس، ومخاطبة القلوب، ومناجاة الروح، وإن تفسيره لا يقوم إلا على إدراك ما استخدمه من ظواهر نفسية ونواميس روحية أدار عليها بيانه”(5).

كما يقول الأستاذ أمين الخولي في الإعجاز النفسي في القرآن الكريم:

“إنّ هذا القرآن من حيث هو فن أدبي معجز، ثم من حيث هو هدى وبيان ديني، ثم لم يدر الأمر فيه إلا على سياسة النفوس البشرية ورياضتها، لأنّ الفن هو نجوى الوجدان، والدين هو حديث الاعتقاد، وخطاب القلوب، فصلته بالنفس ومناجاته للروح أوضح من أن يستدل بها”(6).

“ويتضح لنا من هذه الأقوال أنّ القرآن الكريم قد راعى في خطابه القواعد النفسية مستدلاً وهادياً ومقنعاً ومجادلا ًومثيراً ومهدّداً، فاستطاع بهذا الوجه من الإعجاز أن يهدي النفوس الحائرة إلى الإيمان، ويجذب العقول الضالة إلى سواء السبيل، ويلين القلوب الصلدة التي لا تلين إلى ذكر الله، كما أجدى ذلك أيضاً في إنجاح الدعوة وإعلاء الكلمة”(7).

{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر:23].

ويدلّ هذا على أنّ هذا شيء خصّ به أنّه يعتري من لا يفهم معانيه، ولا يعلم تفاسيره، كما روي عن نصراني أنه مرّ بقارىء فوقف يبكي؛ فقيل له ممَّ بكيتَ؟ فقال للشّجا(8) والنظم.

وهذه الروعة قد اعترت جماعة قبل الإسلام وبعده؛ فمنهم من أسلم له لأول وهلة وآمن به، ومنهم من كفر؛ فقد حكي في الصحيح عن جبير بن مطعم قال:

“سمعتُ النبي يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ} [الطور:35-37]، كاد قلبي أن يطير إلى الإسلام”(9)، وفي رواية: وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي.

ويذكر أبو عبيد أنّ أعرابياً سمع رجلاً يقول: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر:94] فسجد وقال سجدت لفصاحته.

وسمع آخر رجلاً يقرأ: {فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً…} [يوسف:80]، فقال أشهد أنّ مخلوقاً لا يقدر على هذا الكلام(10).

ويقول الدكتور لوريا فاليري: “إنّ أسلوب القرآن فريد في بابه، وليس له مثيل سابق في الأدب العربي، وهو يقع من النفس البشرية موقعاً صحيحاً، لا تصنّع فيه ولا افتراء، ولا تميّع فيه ولا استكراه”.

ويقول أيضاً: “إنّ آيات القرآن على جانب كبير من الفصاحة، حتى ما كان منها خاصاً بالأوامر والنواهي التي يجب أن تكون في أسلوب هادىء، كما أن سير الأنبياء فيه وأوصاف بدء الخلق ونهايته، والأحكام، وصفات الله وخصائصه، كل ذلك يتكرّر ذكره في الكتاب العجيب بأشكال وصور متعددة، ولكن دون أن يفقد شيئاً من روعته ومكانته”.

ويضيف: “وكذلك الانتقال في القرآن، من موضوع إلى موضوع، يحصل كثيراً، ولكن دون أن ينحط التعبير عن مستواه أو تقلّ حلاوته”.

هوامش:

  1. نظرات في القرآن – محمد الغزالي – ص 123 –  دار الكتب الإسلامية – مصر – ط3 – 1986.
  2. المصدر السابق – 127 – 129.
  3. المصدر السابق – ص 128.
  4. إعجاز القرآن والبلاغة النبوية – مصطفى صادق  الرافعي –  ص 175-  دار الكتاب العربي –  بيروت –  ط 9 – 1973م .
  5. القرآن وعلم النفس – أمين الخولي – ص77 –  دار العلم  –  مصر – 1962م.
  6. مناهج تجديد  –  أمين الخولي –  ص203 –  دار المعرفة  –  مصر.
  7. بحث د عبد الستار حامد –  الإعجاز القرآني – بحوث المؤتمر الأول للإعجاز القرآني – ص 367 – 368 –  بغداد – 1410 هـ – 1990م.
  8. الشجا: الحزن.
  9. أخرجه البخاري 765، 3050، 4063.
  10. الشفاء القاضي عياض  (مرجع سابق ) ص 199 – 200.

')}

بواسطة |2022-02-11T15:37:46+03:00أغسطس 16th, 2018|
اذهب إلى الأعلى