وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى

يتميز الإنسان بالضحك والبكاء من بين سائر المخلوقات، وليس في سائر الحيوانات والطيور مَن يضحك ويبكي غير الإنسان، وقد قيل: إنّ القرد وحده يضحك ولا يبكي، والإبل وحدها تبكي ولا تضحك.

ورد لفظ (ضحك) ومشتقاته (10) مرات في القرآن الكريم، وورد (بكى) ومشتقاته (7) مرات و(تبسّم) مرة واحدة.

والضحك والبكاء مما خصَّ الله بهما الإنسان وحده، حيث يمتلكهما كلٌّ منّا، وهما جزء من اللغة الإنسانية  العالمية؛ وفي العالم اليوم آلاف اللغات ومئات الألوف من اللهجات، ولكنّ لغة الضحك قاسم مشترك، يتمتّع بها الناس جميعاً على اختلاف اللغات والأعمار والثقافات؛ فليس هناك ضحكات شرقية ولا غربية بل ضحكة واحدة وبكاء واحد -للبشرية كلها-؛ فالفيلم الكوميدي الأمريكي يضحك أهل أوروبا وأهل آسيا وأفريقيا وأستراليا، وفي الأرض مشاهد مضحكة، وأخرى مبكية, وقد تقسو القلوب فلا تخشع، وتتحجّر الدموع  في العيون فلا تبكي في مواطن الحزن والبكاء..

ويتميز الإنسان بالضحك والبكاء من بين سائر المخلوقات، وليس في سائر الحيوانات والطيور مَن يضحك ويبكي غير الإنسان، وقد قيل: إنّ القرد وحده يضحك ولا يبكي، والإبل وحدها تبكي ولا تضحك. ويبدأ  الطفل الوليد حياته بالضحك بعد مرور (17) يوماً من ولادته، بينما يبدأ بعضهم بالضحك منذ اليوم الأول، وبالتبسم في الشهر الثالث، والأطفال يبدأون بالضحك قبل أن يبدأوا بالكلام.

لقد اندهش العلماء بعد استخدام تقنيات التصوير فوق الصوتي الثلاثي والرباعي الأبعاد عندما لاحظوا أنّ الجنين في رحم أمه تارة يبكي وتارة يبتسم، والجنين لم ير أمه تضحك ولم يرها تبكي، ويتساءل العلماء عمّن علَّم هذا الجنين الابتسام ومن علَّمه البكاء؟ فيقول الدكتور (ستيوارت كامبل): “أنا لا أعرف ما وراء هذا الابتسام؟ ولا أستطيع الإجابة، ولكن بالفعل تنفتح زوايا الفم وتتحرك الأوداج.. إنّ في هذا دليلاً على البيئة الخالية من التوتر التي يوجد فيها الجنين داخل الرحم”. ولكن الإجابة تأتي سريعة من القرآن الكريم وهو يحدثنا عن خلق الإنسان أول مرة؛ فالله هو الذي صوَّر الأجنّة في الأرحام كيف يشاء، ثم هو الذي يُضحكها ويُبكيها، وهو وحده الذي بسط أسارير الوجه وقبضها، وخَلَقَ أسباب القبض والبسط، وخَلَقَ الفرح والحزن، والسرور والغمّ للناس جميعاً.

قال صاحب الظلال -رحمه الله- في تفسيره للآية الكريمة {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} [النجم:43]: “في النص تكمن حقائق كثيرة، ومن خلاله تنبعث صور وظلال موحية مثيرة.. أضحك وأبكى.. فأودع هذا الإنسان خاصية الضحك وخاصية البكاء، وهما سرٌّ مِن أسرار التكوين البشري لا يدري أحدٌ كيف هما، ولا كيف تقعان في هذا الجهاز المركّب المعقّد، الذي لا يقلّ تركيبه وتعقيده النفسي عن تركيبه وتعقيده العضوي، والذي تتداخل المؤثرات النفسية والمؤثرات العضوية فيه وتتشابكان وتتفاعلان في إحداث الضحك وإحداث البكاء.

وأضحك وأبكى، فأنشأ للإنسان دواعي الضحك ودواعي البكاء، وجعله -وفق أسرار معقّدة فيه- يضحك لهذا ويبكي لهذا، وقد يضحك غداً مما أبكاه اليوم، ويبكي اليوم مما أضحكه بالأمس، في غير جنون ولا ذهول، إنما هي الحالات النفسية المتقلّبة، والموازين والدواعي والدوافع والاعتبارات التي لا تثبت في شعوره على الحال!

 وأضحك وأبكى.. فجعل في اللحظة الواحدة ضاحكين وباكين؛ كلٌّ حسب المؤثرات الواقعة عليه، وقد يضحك فريق مما يبكي منه فريق؛ لأن وَقْعَه على هؤلاء غير وَقْعِه على أولئك.. وهو هو في ذاته، ولكنه بملابساته بعيد من بعيد! وأضحك وأبكى.. من الأمر الواحد صاحبه نفسه، يضحك اليوم من الأمر، ثم تواجهه عاقبته غداً أو جرائره فإذا هو باك يتمنى أن لم يكن فعل وأن لم يكن ضحك، وكم من ضاحك في الدنيا باكٍ في الآخرة حيث لا ينفع البكاء! وهذه الصور والظلال والمشاعر والأحوال، وغيرها كثير، تنبثق من خلال النص القصير، وتتراءى للحسّ والشعور، وتظلّ حشود منها تنبثق من خلاله كلما زاد رصيد النفس من التجارب؛ وكلما تجدّدت عوامل الضحك والبكاء في النفوس -وهذا هو الإعجاز في صورة من صوره الكثيرة في هذا القرآن”. (في ظلال القرآن، 7/65).

وقال السعدي في تفسيره: “{وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} أي: هو الذي أوجد أسباب الضحك والبكاء، وهو الخير والشر، والفرح والسرور والهمّ [والحزن]، وهو سبحانه له الحكمة البالغة في ذلك”. (تفسير السعدي، 281).

وللضحك علاقة بالتعبير عن ثقافة المرء وعن الطريقة التي يرى الإنسان من خلالها العالم  وعن قدرته في التعبير عن هذه  الثقافة، والبشر يضحكون بعضهم لبعض، كما أنهم يضحكون بعضهم على بعض، ويستمتعون بذلك في جماعات.

وعمليات الضحك هذه منشّط نفسي، ولها مفعول مزيل للتسمّم المعنوي والجسدي؛ فالضحك يساعد على التخلص من نوبات الاكتئاب البسيط، وحالات القلق التي يتعرض لها المرء في حياته اليومية، يقول طبيب الأمراض العصبية الفرنسي (هنري روبنشتاين): “إنّ دقيقة واحدة من الضحك توفر نحو (45) دقيقة من الاسترخاء اللاحق؛ فالضحك يوفّر دوماً دوراً رئيسيّاً في طور النقاهة الناجحة، وهو يضاعف كمية الأوكسجين في الدم الذي يساعد الجسم على شفاء ذاته ويقاوم عدوى الأمراض”.

وأما تأثير البكاء على الإنسان، فإنّ الدموع تتكوّن من معادن الحديد والنحاس والمنغنيز  والفسفور والصوديوم  ومن (60) نوعاً من البروتينات ومن سائل مالح ومن بيكربونات وإنزيمات تقوم بتحليل الجراثيم من الالتهابات، وهذه المكونات السالفة الذكر تزداد تعقيداً عند ملامستها للأغشية المخاطية داخل القناة الدمعية فيضاف إليها دهنيات وسكريات وأحماض أمينية، وتسكب العين (5) ملم3 من الدموع يوميّاً وتساعد حركة الدموع على مرونة حركة الجفون وتطهيرها وحمايتها من الجفاف، ومن إعجاز الخالق أنّ الدموع تُبطل عمل (90-95) من البكتيريا خلال (5-10) دقائق فقط، ولولا الدموع لما أمكن تثبيت العدسات اللاصقة.

ولدموع الحرقة ودموع الفرح على حدٍّ سواء فضائل يصعب حصرها، ومن فضائلها: تنظيف مرآة النفس من جميع الهموم المتراكمة عليها؛ من الحزن والتعاسة، ومن العواطف المكبوتة والحبيسة، كما تحرّر الجسم من الفضلات الكيماوية السامة. وتقلّل فرص الإصابة بالاكتئاب وقرحة المعدة وارتفاع ضغط الدم… وغيرها للذين يقومون بتفريغ شحنات الانفعال لديهم أولاً فأول؛ فالدموع التي تنهمر كردَّة فعل للأحداث العاطفية تحتوي على مادة (الإندروفين) التي تعتبر مسكّناً طبيعيّاً للآلام، كما تحتوي على هرمونات أخرى تنتجها الأجسام حينما نخضع للتوتر النفسي، ويساعد البكاء على تخفيف تلك الهرمونات تدريجيّاً.

ويستمتع الناس عموماً بالبكاء كما يستمتعون بالضحك، وتعمل الدموع في حالتَي الفرح الشديد والحزن العميق  على تنظيف عدسات العيون وتطهيرها، التي هي على مستوى عال من الشفافية والدقة.

 لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يضحكون في موسم الضحك، ويبكون في مواطن البكاء؛ فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة وأبي هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهم، وروى الإمام مسلم وغيره، وذلك في أحاديث عدة، ترد بمناسبات مختلفة، وسياقات متعددة، كلها تتضمن قوله e: “لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلبَكَيْتُمْ كَثِيراً”.

وقيل لعمر بن الخطاب t: هل كان أصحاب رسول الله e يضحكون؟ قال: نعم! والإيمان والله أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي، وقال الحسن البصري: أضحك الله أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار، وفي الآخرة يبكي المنافقون والكافرون ولا يضحك إلا المؤمنون {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} [المطففين:34].

وتكشف الدراسات الحديثة في علوم النفس وعلوم الطب، المزيد من أسرار خلق الإنسان وما أودعه الله فيه من آيات يتدبّرها أولو الألباب الذين يتفكّرون في أنفسهم؛ فالتفكّر في خلق الإنسان لا يقلّ شرفاً وأجراً عن التفكّر في خلق السماوات والأرض.

بواسطة |2022-02-14T13:33:54+03:00أغسطس 15th, 2018|
اذهب إلى الأعلى