الدواب في القرآن الكريم

وفي هذا السياق أكّد القرآن الكريم اهتمامه بالحيوان بأنْ أطلق أسماء بعض أصنافه على بعض سوره الشريفة مثل: سورة البقرة، وسورة الأنعام، وسور النحل والنمل والعنكبوت، وسورة العلق، وسورة العاديات، وسورة الفيل.

قبل أن يهتمّ العلم الحديث بالحيوان ويخصّص له الدراسات المستقلة والمعاهد المتفرّغة لدراسته نجد أنّ القرآن الكريم  قد سبقه بأربعة عشر قرناً من الزمان بالدعوة إلى دراسة الحيوان، وتوجيه النظر إلى ملاحظته ومتابعته ومراقبته للوقوف على بعض أسرار معيشته والوقوف على اليسير من بدائع حياته، وقد أَوْرَدَ القرآن الكريم الكثير من الأمثلة على عالم الحيوان، وقسّمها إلى حشراتٍ وطيورٍ ودوابّ، وقسّم الدوابّ إلى أنعامٍ ومستأنساتٍ ووحوش.

و(الدوابّ) في القرآن الكريم جمع (دابّةٍ)، وتصغيرها (دُويبة)، والدابّة والدويبة مشتقّةٌ من فعل (دَبَّ)، ومعناه: مشى بهدوءٍ ولم يسرع. ومنه: دَبِيبُ الحشرات على الأرض، ودَبِيبُ السقم في الجسم.

والله -الذي جلّت قدرته- خلق الخلائق من العدم، وصمَّم شكلها وحجمها ليتلاءم مع الظروف المعيشية التي تعيش فيها، ثم هداها إلى مهمّتها في الحياة، فألهمها كيف تتكاثر وتتغازل وتتزاوج، وعلّمها كيف تطير وكيف تصنع أعشاشها، وكيف تربّي صغارها، وتحافظ على نسلها ونوعها، وتتوارث ذلك كلّه تلقائيّاً وبشكلٍ غريزيٍّ، وهو الذي قدّر كلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ في جسمها تقديراً دقيقاً {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد:8].

أكثر من مليون ومئة ألف نوع من أنواع هذه العائلة الحيوانية أحصاها العلماء وفهرسوها، عدا عن مئات الملايين من أنواعها التي انقرضت بعد أن عاشت على ظهر هذه الأرض أو في مياهها مئات الملايين من السنوات.

ومن هذه الأمم الحيوانية ما يزيد  وزنه على مئة وخمسين طنّاً، ومنها ما لا يتعدّى وزنه غرامات معدودات، وأحياناً لا يشكّل الألف منها غراماً واحداً، ومنها ما ينوف طوله على عشرات الأمتار، وبعضها يقلّ طوله عن أجزاء من المليمتر الواحد، ومن هذه الأمم ما يعمّر مئات السنوات، وآخرون لا يعيشون إلا هنيهاتٍ معدوداتٍ، ومنها ما يسابق الطائرات في سرعته، ومنها ما يسير على الأرض هوناً تسبقه النملة في عدوها، ومنها ما يبهج الإنسان مظهره، ومنها ما يبعث الرعب في رؤيته أو عند ذكر اسمه، ومن هذه الدوابّ الودود والولود والحقود، ومنها ما يمارس نشاطه في الليل، وآخر لا يمارسه إلا في النهار، خلائق شتى، بثّها الله في أرجاء الأرض، كلها تخضع لمشيئته وتسجد لعظمته وكبريائه.

والدوابّ لا يعدّها عادٌّ ولا يحصيها إلا الله الذي خلقها وصوّرها وهداها سبلها، وعليه وحده رزقها، هو الذي يعلم أين تستقرّ وأين تكمن؟ ومن أين تجيء وأين تذهب؛ فكلّ فردٍ من أفرادها مقيّدٌ في هذا العلم الإلهيّ الذي لا يَعزُب عن مثقال ذرّةٍ في السماوات ولا في الأرض، وهو الذي قدّر لها أقواتها وآجالها منذ خلق السماوات والأرض: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [هود:6].

لو قضينا أعمارنا كلّها في البحث والاستقصاء، ما أحطنا بأنواعها ولا بأسرارها؛ فهي آيات من آياته في الكون العريض {وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ} [الشورى:29].

والدوابّ كلّها تخضع لمشيئة الله تعالى وتسبح بحمده وتسجد لعظمته، وكلّها من خَلْقه، خَلَقها من ماء، وهو خالق كل شيء، وهو الذي خلق فسوّى، وقدّر فهدى، وسخّرها جميعاً للإنسان وحده -خليفة الله في أرضه- ذلك المخلوق المفضّل المدلّل المكرّم من ربِّ السماوات والأرض، ربِّ العالمين، لتكون آيةً على عظمته وحكمته وقدرته وطلاقة مشيئته، يستمتع بها الإنسان وحده، ويصارعها ويغالبها فتغلبه أو يغلبها.. ويقضي الإنسان حياته كلها وهو يدرس أسرارها، وينتهي العمر ولا ينتهي من دراسة دُويبة منها، وإن دقّت عن الأفهام، أو عظمت حجماً أو وزناً أو طولاً.

فسبحان الذي خلق فسوّى، وقدّر فهدى، وخلق الأزواج كلّها وبثّ في الأرض من كلّ دابّة، وجعل للناس من الفلك والأنعام ما يركبون.

دلالات الدوابّ في القرآن الكريم:

ذكر القرآن الكريم مجموعة مختلفة من هذه الدواب حسب التصنيف الذي تعود إليه كما يأتي:

فمنها الحشرات: الذباب والبعوض والقمّل والجراد والنحل والنمل والعنكبوت والمنّ ونمل الخشب (دابّة الأرض).

ومنها الطيور: الجوارح والغراب والهدهد، والسلوى (يقال له السمّان).

ومنها الأنعام (التي تُؤكل لحومها وتُشرب ألبانها): الإبل والبقر والغنم والماعز.

ومنها الدوابّ المستأنسة التي غالباً ما تستعمل لغير الغذاء (كالركوب والزينة): الخيل والبغال والحمير، وكلاب الحراسة والصيد.

ومنها الأحياء المائيّة: السمك {لحماً طريّاً} والحوت واللؤلؤ والمرجان.

ومنها الوحوش غير الأليفة: الخنزير والسبع والفيل والحيّات والقردة والذئب والضفادع.

وفي هذا السياق أكّد القرآن الكريم اهتمامه بالحيوان بأنْ أطلق أسماء بعض أصنافه على بعض سوره الشريفة مثل: سورة البقرة، وسورة الأنعام، وسور النحل والنمل والعنكبوت، وسورة العلق، وسورة العاديات، وسورة الفيل.

وقد وردت ألفاظ الحيوانات والدوابّ والطيور ومفردات العائلة الحيوانية ما يقارب (40) مرةً في كتاب الله ضمن مئة وعشرة ألفاظٍ مختلفةٍ موزّعة كما يلي:

الأنعام: الأغنام والإبل والبقر: (32) مرة،  الطير: (20) مرة، الدابّة والدوابّ: (18) مرة، العِجْل: (10) مرات، البقر: (9) مرات، الناقة: (7) مرات.

والنمل والنملة، والخنزير، والحمير، والكلب، والخيل، والحوت: ذكرت كلٌّ منها (5) مرات.

والنعجة: (4) مرات.

والغنم، وبهيمة الأنعام، والقِرَدة، والنمل، والذئب: ذكرت كلٌّ منها (3) مرات.

والغراب، والإبل، واالسلوى، والذباب، والجراد، والعنكبوت، والثعبان، والأسماك، واللحم الطري: ذكرت كلٌّ منها (مرتان).

والهدهد، والفيل، والضّأن، والماعز، والسَّبُع، والبغال، والبعوض، والجمل، والقُمَّل، والضفادع، والحيّة، والجانّ، ودابّة الأرض، والحُمُر (جمع حمار)، والقَسْوَرَة (اسم للأسد): ذكرت كلٌّ (مرة واحدة).

والمراد من ذكر الدوابّ والأنعام والطيور والحشرات والأسماك أينما ذكرت في كتاب الله تعالى؛ إنما هو على وجه الدقّة: صرف الانتباه إلى التفكير في الخلق واستدلال العبرة والتأمّل في حياة المخلوقات جميعها دون تفريقٍ بين الكواكب والجبال والبحار في جانبٍ، والنحل والنمل والعناكب في جانبٍ آخر، أي إنّ كلّ ما في الكون جَلَّ أو حقر موضوع بحثٍ وتأمّلٍ وتدبّرٍ، لا يصحّ من وجهة النظر الإسلامية إهماله، ولا غنىً عن إيلائه أقصى ما يُستطاع من دراسة وإعمال فكرٍ، لما ينجم عن هذين -الدراسة والتفكير- من ترسيخٍ للإيمان بالله وحكمته وقدرته، ثم من فوائد تعود على الإنسان في حياته وتدبير معاشه.

ذلك هو الجديد الذي جاء به الإسلام حين وجّه الإنسان إلى التفكّر حتى في الذبابة والنحلة والنملة وغيرها، بيد أنّ العبرة الكبرى التي لم يحسن تبيّنها الأقدمون إجمالاً والمحدَثون على العموم إنما هي تلك الفروق الأساسية أو الفطرية بين الإنسان والحيوان التي تشدّدَ القرآن الكريم في بيانها والوقوف طويلاً عندها، وحثّ الناس على التنبّه لها وحسن الإفادة منها في تسيير الحياتين الشخصية والعامة.

ويمكن تلخيص تلك الفروق في هذا المعنى الدقيق والجليل معاً وفي آنٍ واحدٍ، وهو أنّ الحيوان في سعيه للبقاء وتعلّقه الشديد بالحياة ورهافة غريزته التي تزوّده بكلّ ما يحتاج إليه من مهاراتٍ وتقنيّاتٍ وقوى وحتى من ذكاءٍ في معظم الحالات، هذا الحيوان يظلّ بصفاته الفطرية هذه “قوّةً عمياء” يشكّل ضلاله من خلال تلك الفطرة أساساً لسلوكه مهما بلغ من النباهة وحسن التصرّف والقدرة على التكيّف، بينما يظلّ الإنسان على العكس من الحيوان قابلاً للهداية وللتبصّر وللتفكير لتجنّب السوء في الحال والمصير، والتطلّع إلى عالمٍ أفضل، وبناء حياةٍ أرقى من حياته الراهنة، في إطار الفرد والمجتمع على السواء.

هذا المعنى الذي يفترق به الإنسان فطرةً وأساساً عن الحيوان هو الذي بيّنه الله تعالى في كتابه المنزّل وأنار به أذهان الذين هداهم إلى سواء السبيل، فكان أن اجتهدوا وعانوا ما عانوا من عذابٍ وبلاءٍ في نقل هداهم ذاك إلى غيرهم من بني البشر. قال الله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف:179]. وفي مقامٍ آخر: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} [محمد:12]، وفي مقامٍ ثالث: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} [النحل:66]، و[المؤمنون:21].

وهناك أخيراً هذه الإشارة إلى الحياة الاجتماعية لدى كثيرٍ من أنواع الحيوان: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام:38]، ولم يكن التعرّض لذكر الحيوانات مراراً وتكراراً إلا لمقاومة الضلال ودفع الغفلة واستلال العبرة والركون إلى العقل -ميزة الإنسان الكبرى- في إدراك العواقب والنفاذ إلى المصير.

*نشرت في مجلة الفرقان العدد 142

المراجع:

  1. الجديد في المنظور العلمي للقرآن الكريم، د. أسامة الشبراوي.
  2. عالم الحيوان بين العلم والقرآن، د. محمد محمود عبد الله.
  3. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي.
  4. موسوعة الحيوان.
  5. موسوعة الغد – عالم الحيوان.
  6. نباهة الحيوان، س. ط. (مترجم من الإنجليزية)، إعداد وتقديم: أ. عبد اللطيف شرارة.

')}

بواسطة |2022-02-08T15:16:45+03:00أغسطس 15th, 2018|
اذهب إلى الأعلى