{فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ}

(الحيّة) هو اسم جنس يشمل الصغير والكبير من الحيّات، و(الجانّ) هو الصغير من الحيّات، أو هو المائل للصغر، وسميت بهذا لخفّتها وسرعة حركتها واختفائها واستتارها

ورد لفظ (الحيّة) مرة واحدة  في القرآن الكريم، في قوله تعالى: {فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} [طه:20]، وورد لفظ (الجانّ) مرتين، في قوله تعالى: {فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} [النمل:10]، [القصص:31]، (والجانّ: هي الحيّة الخفيفة في سرعة حركتها)، بينما ورد لفظ (الثعبان) مرتين في قوله تعالى: {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} [الأعراف:107]، [الشعراء:32].

  • الثعابين حيوانات ذات أجسام طويلة ورفيعة، وهي تزحف بسهولة في الشقوق وبين الأحجار والنباتات الكثيفة، وتعيش في مختلف الأماكن ولا سيما في المناطق الاستوائية، كما يقضي جزء منها حياته في المياه العذبة أو المالحة، ولا تزيد سرعتها على (7) كم / الساعة، ويصل طول بعضها (30) متراً “أكثر من (10) أدوار”.
  • وتبيض معظم الثعابين ولكن القليل منها يلد، وتنسلخ الطبقة الخارجية لجلودها دفعة واحدة (6) مرات  في السنة على الأقل.
  • (الحيّة) هو اسم جنس يشمل الصغير والكبير من الحيّات، و(الجانّ) هو الصغير من الحيّات، أو هو المائل للصغر، وسميت بهذا لخفّتها وسرعة حركتها واختفائها واستتارها.
  • أما (الثعبان) فهو الذكر من الحيّات كما جاء عند ابن جرير عن ابن عباس والسُّدّي.
  • وقال الألوسي والشوكاني: “هو الضخم من الحيّات”، وقال الفرّاء: “الثعبان أعظم الحيّات”.
  • وهناك حوالي (2300) نوع من الثعابين، منها نحو (250) نوعاً شديد السمّ، ويختلف السمّ من جهة التأثير الذي يحدثه في جسم الفريسة اختلافاً كبيراً؛ ففي البعض منها يؤثر السمّ على الجهاز العصبي فيشلّ المراكز العصبية التي تتحكّم في التنفّس وحركة القلب، وفي البعض الآخر يعمل السمّ على تجلُّط الدم داخل الأوردة.
  • ويتكون العمود الفقري للثعبان من (200 – 400) فقرة ترتبط ببعضها جيّداً، وكل فقرة فيها بروز يسمح بزيادة قوة العضلات، بينما يتكون الهيكل العظمي لمعظم الثعابين من الجمجمة والعمود الفقري والأضلاع، وتجمع جمجمة الثعبان بين الصلابة والمرونة،  وقد حمى الخالق العظيم دماغ الثعبان بغطاء عظمي قوي قابل للتتمدّد مما يسمح له بابتلاع الضفادع والسحالي والطيور وفرائس من الخنازير والتماسيح، والفكّ الأسفل للثعبان قطعتان لا قطعة واحدة.
    • والثعابين ضعيفة الرؤية، وحاسّة الشمّ هي الحاسّة الرئيسية التي تتعرف من خلالها على البيئة المحيطة بها وعلى مكان فرائسها، وهي لا تمتلك آذاناً خارجية وإنما لها آذان داخلية تسمع خلالها أصوات التصدُّعات الأرضية، والإحساس بالاهتزازات التي تحدث على الأرض وفي الهواء، ومن خلالها تستطيع معرفة اقتراب حيوان منها، وبعض أنواع الثعابين تستطيع الإحساس بالأشعة تحت الحمراءوتمييز حرارة فريستها عن حرارة البيئة.

الإعجاز القرآني في الآيات السابقة:

  • لو تأملنا المواقف الثلاثة التي ألقى فيها موسى عصاه، لوجدنا أن الموقف الأول عندما أمره الله تعالى أن يلقي عصاه في الوادي المقدس -وفي الوديان تكثر الحيّات بأنواعها وأشكالها-{فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى}، و(الحيّة): اسم جنس يشمل أنواعاً مختلفة من الثعابين والجانّ وغيرها… وقد جاء هذا اللفظ (الحيّة) في القرآن مرة واحدة عندما انقلبت العصا بإذن الله تعالى إلى (حيّة) تسعى، وكأنها الجانّ في سرعتها وخفّتها. قال تعالى: {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ}، وهذا الموقف لا يحتاج إلى محاجّة أو برهان أو سلطان، وقد جاءت هاتان الكلمتان “الحيّة والجانّ” مناسبتين لموقف موسى ولطمأنته ألاّ يخاف، فهو يملك آية ربانية ومعجزة إلهيّة كبرى.
  • وفي الموقف الثاني جاء لفظ (ثُعْبَان) في سياق مقابلة موسى مع فرعون -والثعبان هو أعظم الحيات- كما في قوله تعالى: {قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأعراف:106]، ولهذا قال موسى u: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ} [الشعراء:30]، خصوصاً أنّ فرعون كان قد كذَّب موسى u متِّهماً إياه بالجنون قائلاً: {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ} [الشعراء:25]، وقائلاً: {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء:27]، فلما كان الموقف يحتاج إلى برهان ساطع وحجة قوية لتثبت صدق نبوة موسى وأنه رسول رب العالمين، فقد أتى الله بأعظم الحالات وأشدّ المواقف هَوْلاً ورُعباً لفرعون وهو الثعبان {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ}، وقد ذكر ابن كثير في تفسيره أن الثعبان توجّهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذُعر منها ووثب وأحدث.
  • وأما الموقف الثالث فهو الموقف الذي تحدّى فيه موسى u السّحَرَةَ أمام فرعون وملئه وجماهير الشعب المصري الذي حضر يوم الزينة، والقرآن في هذا المشهد لا يتحدث عن عملية تحوّل العصا إلى حيّة أو جانّ أو ثعبان، بل يشير إلى ثقة السحرة أولاً بسحرهم وبقدرتهم على هزيمة موسى ومحاولة إثبات أنه كاذب،قال تعالى: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه:66]، ثم لم يكن المقام يتطلب كذلك أن تتحوّل العصا إلى حيّة، بل كان إثبات صدق موسى u؛ فقد تحركت العصا والتهمت جميع الحبال والعِصِيّ بشكل حقيقي، ولم تُبْقِ لها أثراً، واللقف أسرع حركة للأكل، حيث قال الله تعالى في ذلك الموقف: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} [الأعراف:117].
  • ويأتي التعبير القرآني: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا} [طه:69] وكأنه في هذه الحالة تجاوز لفظة (العصا) على أهميتها ليركز على أنّ ما في يمين موسى -وهو للتنكير والتضخيم- هو عين الحق، فقد صدر الأمر من السماء لما في هذا اليمين -مهما كان شأنه- أن يتلقّف كل ما صنعه السَّحَرة وكل كيدهم.
  • وهكذا يبين لنا جلال التعبير القرآني الذي تجاوز مراحل الحيّة والجانّ والثعبان وحتى لفظ العصا، للردّ على سحرة فرعون بأن حبالهم وعصيّهم التي سحروا بها أعين الناس هي سحر باطل لا وزن له ولا قيمة، بينما تمثّل عصا موسى الحق والصدق، ولو كان ما جاء به موسى سحراً، لبقيت حبالهم وعصيّهم بعد أن خُيِّلَ للناس أنّ حيّة موسى ابتلعتها، ولكنهم ينظرون فلا يجدونها فعلاً. قال تعالى: {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ . قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ . وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ . فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ . وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ . قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [الأعراف:115-122].
  • والآيات الكريمة تدلّ على عظمة الخالق منزل القرآن العظيم وعلى قدرته وحكمته وواسع علمه، وعلى دقة التعبير القرآني الذي عبّر عن المشاهِد كلها بأروع تشبيه؛ فالكلمات مُنتقاة، ولكل كلمة ظلالها في جوّها المناسب، ولا يمكن إبدال كلمة مكان أخرى ولو طفنا لسان العربية كلها؛ لأن ذلك سيخلّ بالجانب البلاغي والبياني وإعجاز القرآن الكريم الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:42].

المراجع:

  • في ظلال القرآن، سيد قطب.
  • كلمات القرآن تفسير وبيان، حسنين محمد مخلوف.
  • علم الحيوان العام، فؤاد خليل وآخرون، مكتبة الإنجلو المصرية، القاهرة: مصر، ص810، (د.ط) (د.ت).
  • التنوع الحيوي في القرآن الكريم، نظمي خليل أبو العطا.
  • موقع عبد الحميد كحيل.

بواسطة |2022-02-08T18:35:02+03:00يوليو 17th, 2018|
اذهب إلى الأعلى