التكوين الاجتماعي لمجتمع النحل كما صوره القرآن الكريم (1-2)

يصنع النحل بيوته من الشمع في غاية الإحكام والإتقان، في أشكال سداسية مرصوصة، بحيث لا يكون بينها خلل.

أولاً : المقدمة

قال الله تعالى : (( سَبِّح اسمَ ربّكَ الأعلى * الذي خَلَقَ فَسَوَّى * والذي قَدَّرَ فَهَدى )) – الأعلى (1-3)

سبحان الذي جلّت قدرته فخلق الخلائق من العدم، وهو وحده سبحانه الذي صمّم شكل هذه الخلائق وحجمها ليتلاءم مع الظروف المعيشية التي تعيش فيها ، ثم هداها إلى مهمّتها في الحياة . . فألهمها كيف تتكاثر وتتغازل وتتزاوج . . وعلّمها كيف تطير وكيف تصنع أعشاشها . . وكيف تربّي صغارها وتحافظ على نسلها ونوعها . . وتتوارث ذلك كلّه تلقائيًّا وبشكلٍ غريزيٍّ .

وهو وحده سبحانه الذي قدّر كلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ في جسمها تقديراً دقيقاً (( وَكُلُّ شيءٍ عِندَهُ بمقدار )) – الرعد 8 . .

وهو الذي قدّر لها أقواتها في هذه الحياة (( وَما مِن دابّةٍ في الأرضِ إلا عَلى الله رِزْقُها ، ويَعلَمُ مُستَقَرّها ومُستَودَعَها ، كُلٌّ في كتابٍ مبين )) – هود 6 .

والمراد من ذكر الدوابّ والأنعام والطير والحشرات أينما ذكرت في كتاب الله تعالى إنما هو على وجه الدقّة صرف الانتباه إلى التفكير في الخلق واستدلال العبرة والتأمّل في حياة المخلوقات جميعها دون تفريقٍ بين الكواكب والجبال والبحار في جانبٍ . . والنحل والنمل والعناكب في جانبٍ آخر ، أي أن كلّ ما في الكون جلّ أو حقر موضوع بحثٍ وتأمّلٍ وتدبّرٍ لا يصحّ من وجهة النظر الإسلامية إهماله ، ولا غنىً عن إيلائه أقصى ما يستطاع من درسٍ وإعمال فكرٍ ، لما ينجم عن هذين – الدرس والتفكير – من ترسيخٍ للإيمان بالله وحكمته وقدرته ، ثم من فوائد تعود على الإنسان في حياته وتدبير معاشه .

ذلك هو الجديد الذي جاء به الإسلام حين وجّه الإنسان إلى التفكّر حتى في الذبابة والنحلة والنملة وغيرها . . بيد أن العبرة الكبرى التي لم يحسن تبيّنها الأقدمون إجمالاً والمحدثون على العموم إنما هي تلك الفروق الأساسية أو الفطرية بين الإنسان والحيوان التي تشدّد القرآن الكريم في بيانها . . والوقوف طويلاً عندها . . وحثّ الناس على التنبّه لها وحسن الإفادة منها في تسيير الحياتين : الشخصية والعامة .

ويمكن تلخيص تلك الفروق في هذا المعنى الدقيق والجليل معاً وفي آنٍ واحدٍ وهي أن الحيوان في سعيه للبقاء وتعلّقه الشديد بالحياة ورهافة غريزته التي تزوّده بكلّ ما يحتاج إليه من مهاراتٍ وتقنيّاتٍ وقوى وحتى من ذكاءٍ في معظم الحالات ، هذا الحيوان يظلّ بصفاته الفطرية هذه ” قوّةً عمياء ” . . يشكل ضلاله من خلال تلك الفطرة أساساً لسلوكه مهما بلغ من النباهة وحسن التصرّف والقدرة على التكيّف ، بينما يظلّ الإنسان على العكس من الحيوان قابلاً للهداية وللتبصّر وللتفكير لتجنّب السوء في الحال والمصير . . والتطلّع إلى عالمٍ أفضل . . وبناء حياةٍ أرقى من حياته الراهنة : في إطار الفرد والمجتمع على السواء .

ثانياً : الدوابّ والنحل في القرآن الكريم :

وقد أَوْرَدَ القرآن الكريم الكثير من الأمثلة عن عالم الحيوان، وقسّمها إلى حشراتٍ وطيورٍ ودواب ، وقسّم الدوابّ إلى أنعامٍ ومستأنساتٍ ووحوش . والدوابّ جمع دابّةٍ ، وتصغيرها دويبة ، والدابّة والدويبة مشتقّةٌ من فعل ( دبّ ) ومعناه مشى بهدوءٍ ولم يسرع ، ومنه دبيب الحشرات على الأرض ودبيب السقم في الجسم .

وقبل أن يهتمّ العلم الحديث بالحيوان ويخصّص له الدراسات المستقلة والمعاهد المتفرّغة لدراسته نجد أن القرآن الكريم يسبقه بأربعة عشر قرناً من الزمان بالدعوة إلى دراسة الحيوان ، وتوجيه النظر لملاحظته ومتابعته ومراقبته للوقوف على بعض أسرار معيشته والوقوف على اليسير من بدائع حياته .

وفي هذا السياق أكّد القرآن الكريم اهتمامه بالحيوان بأن أطلق أسماء بعض أصنافه على بعض سوره الشريفة مثل : سورة البقرة ، وسورة الأنعام ، وسور النحل والنمل والعنكبوت ، وسورة العلق، وسورة العاديات، وسورة الفيل .

وقد ذَكَرَ القرآن الكريم تسعة أنواع مختلفة من الحشرات تشمل كلاًّ من: الذباب والبعوض والقمّل والجراد والنحل والنمل والعنكبوت والمنّ ونمل الخشب ( دابّة الأرض ).

ولا بد لنا من الإشارة في هذا المقام إلى الحياة الاجتماعية لدى كثيرٍ من أنواع الحيوان : (( وما من دابّةٍ في الأرض ولا طائرٍ يطير بجناحيه إلا أممٌ أمثالكم )) – الأنعام 38 ، ولم يكن التعرّض لذكر الحيوانات مراراً وتكراراً إلا لمقاومة الضلال ودفع الغفلة واستلال العبرة والركون إلى العقل – ميزة الإنسان الكبرى – في إدراك العواقب والنفاذ إلى المصير.

ويحتل النحل المقام الأول في عالم الحشرات في مجال الحياة الاجتماعية: في تحديد الواجبات والمسؤوليات، وفي تصميم البيوت، وفي ترتيب حجر النحل، وفي تربية الملكات والخادمات، وفي الأخلاق والسلوك كما تبينه الفقرات التالية:

 

مجتمع النحل:

قال تعالى: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون * ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) النحل 68-69.

تعتبر الحشرات التي يزيد عددها على 928000نوعٍ العدو الأول للإنسان في الأرض حيث تشاركه رزقه وتتطفل على حياته بل تحيلها في كثير من الأحيان إلى جحيم لا يطاق، بينما تعمل أنواع أخرى من هذه الحشرات في خدمة الإنسان يتمتع بجمالها ويأكل من خيراتها ويستفيد مما حباها الله بها من قدرات وإمكانيات.

ولقد تعرّف علماء الحشرات على أكثر من 12000 نوع من أنواع النحل منها حوالي 600 نوع – (5%) – من أعداد هذه الأنواع يحيون حياة اجتماعية في مستعمرات متباينة الأحجام، والباقي يحيون حياة فردية.

وقد استوطن النحل الأرض وعاش فيها قبل أن تطأها أقدام بني آدم بأكثر من 150 مليون سنة، كما تشير إلى ذلك أقدم آثار النحل التي تم اكتشافها في صخور القشرة الأرضية.

وتعتبر – النحلة – إحدى هذه الحشرات المباركة، التي أودع الله فيها من الأسرار مالم يودع في غيرها، وتتجلى فيها قدرته تعالى وحكمته وطلاقة مشيئته، وفضله الكبير على الإنسان بأن جعل مما يخرج من بطون هذه الحشرات الصغيرة شفاء لأسقام بني آدم وغذاء لجسده إضافة إلى جعله ما يخرج من بطونها آيات يتدبرها المؤمنون آناء الليل وأطراف النهار.

والنحلة حشرة صغيرة ضعيفة من رتبة غشائيات الأجنحة، ومن العائلة التي تستطيع -بإذن ربها- تخزين رحيق الأزهار من أجل غذائها وتحويله إلى شمع وعسل. وقد ورد ذكرها في الآيتين السالفتين من سورة النحل، حيث جاءت بعد ذكره تعالى ما يدل على باهر قدرته، وعظيم حكمته من إخراج اللبن من بين فرث ودم، وإخراج الرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب، فبيّنت إلهام الله وهدايته للنحلة بأن تتخذ من الجبال بيوتاً تأوي إليها، كما تتخذ من الشجر والأكوار التي يبنيها الناس لها كذلك.

ويتراوح عدد الأفراد في خلية نحل العسل سنويًّا 40000 – 80000 شغالة من إناث النحل العاقرات (العواقر)، اللواتي يشكلن 80% من مجموع أفراد الخلية، وحوالي المائتين من ذكور النحل، وملكة واحدة تبيض حوالي (1500) بيضة في اليوم، وما يلقح من هذا البيض ينتج إناثاً وملكات، ومالا يلقح ينتج الذكور، ووظيفة ذكر النحل منحصرة في إخصاب الملكة بينما تقوم الشغالات النحل العقيمة بجميع أعمال الخلية.

وإن إنتاج كيلوغرام واحد من العسل يتطلب من النحل القيام بـ 600.000 – 800.000 طلعة والوقوف على 6 – 8 مليون زهرة، تقطع خلالها النحلات مسافة 1/2 مليون كيلومتر أي أكثر من 10 أضعاف محيط الكرة الأرضية، وتختزن الرحيق في معدة غير المعدة التي تختزن فيها الطعام.

هذا وتطير النحلة بسرعة 24كم في الساعة وقد تصل سرعتها إلى 60كم في الساعة وهي سرعة مذهلة، وتطير على ارتفاع 1 – 8 أمتار متجاوزة فيها الأشجار والأبنية والهضاب. وقد زوّد الله أجنحتها بعضلات مذهلة تضرب الهواء بسرعة تتجاوز 500 ذبذبة في الثانية.

ويصنع النحل بيوته من الشمع في غاية الإحكام والإتقان، في أشكال سداسية مرصوصة، بحيث لا يكون بينها خلل. والله تعالى قد أذن لها إذناً قدريًّا تسخيريًّا أن تأكل من كل الثمرات (الأزهار) التي تشتهيها، وأن تسلك الطرق في طلب المرعى في الجو، ثم تعود ملهمة إلى بيتها لا تحيد عنه. وقد بيّن الخالق العظيم أنه يخرج من بطونها عسل متنوع الألوان فيه شفاء من كثير من الأمراض، فهذه النحلة هي آية من آيات الله تعالى لقوم يتفكرون فيستدلون بذلك على أنه الفاعل القادر الحكيم العليم.

والفعل (أوحى) في هذه الآية من معانيه الإلهام والتسخير، ومن معاني الوحي الإلقاء بالأمر أو بالخبر في خفاء وسرعة. والوحي من الله تعالى إلى نحل العسل قد يكون نوعاً من الإلهام الفطري الذي زرعه الله تعالى في جبلّتها أو في الشفرة الوراثية الخاصة بنوعها، أو ألقاه في روعها بعلمه وحكمته وقدرته، وكلا الأمرين يشي بشيء من الغرائز الفطرية لدى نحل العسل تعطيه قدراً من الذكاء والوعي والإدراك والشعور والإحساس الذي يمكّنه من تمييز الأشياء، والأماكن والاتجاهات والأوقات، كما يمكّنه من تنظيم وترتيب وضبط حياته الاجتماعية بعدد من القواعد الدقيقة التي وهبه الله تعالى إياها.

وعندما تعود النحلة الجامعة محملة بالرحيق تتلقاها النحلات الشابة الصانعة للعسل، فتأخذ منها الرحيق. وتتقاسم هذا الحمل من الرحيق ثلاث نحلات أو أكثر، ثم تخرج النحلة الجامعة ثانية إلى الأزهار. أما عندما تكون النحلات العاملة داخل الخلية لا تزال محملة بالرحيق في الموسم الغزير، فإن النحلة الجامعة العائدة إلى الخلية تبقى منتظرة حتى تتسلم منها أخواتها ذلك الحمل من الرحيق أو تضعه مباشرة في إحدى العيون، مخازن العسل. وفي هذه المرحلة يكون العسل غير ناضج، وعليه أن يمرّ بطريق طويل حتى ينضج، ذلك أن عدداً كبيراً من النحلات صانعات العسل، تبدأ في تبخير جزء كبير من الماء الذي فيه.

وقد زوّد الخالق العظيم شغالات النحل فقط بأربع مجموعات من الغدد التي تنتقي من غذائها: العسل، والغذاء الملكي، والشمع، والخمائر، والسموم.

ثالثاً : التكوين الاجتماعي لمجتمع النحل

يقول الله تعالى عن النحل : (( وَأَوْحَى رَبّكَ إلى النّحلِ أنِ اتّخِذي مِنَ الجبال بُيوتاً وَمِنَ الشّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُون )) – النحل 68 .

وتفيد الآية الكريمة السابقة بأن الله قد وضع في بعض أنواع النحل وبالذات نحل العسل غريزة التجمّع ، فالنحل أتى في هذه الآية بصيغة الجمع ، واتخاذ المساكن بصورةٍ جماعية سواء في البرّية أو حتى في الأنواع المستأنسة منها. وهو يحيا في جماعات منظمة تنظيماً دقيقاً للغاية، ويسكن كل منها بيتًا خاصاً يسمى الخلية، ولذلك جاء اسم السورة الكريمة بصيغة الجمع (النحل)، كما جاءت الإشارة في هذه الآيات المتعلقة بهذه الحشرة المباركة بصيغة الجمع حيث يقول ربنا تبارك وتعالى (وأوحى ربك إلى النحل …)، وبنفس الوقت فلو أن إحدى أفراد خلية النحل انعزلت عن جماعتها لسبب من الأسباب فعليها أن تنضم إلى جماعة أخرى من صنفها إذا قبلتها أو أن تموت.

والنحلة آية من آيات الله تعالى إذ كيف تصنع لنا العسل ؟ وكيف تبني بيوتها ؟ وكيف تقسّم البيت إلى غرفٍ في نظامٍ هندسيٍّ عجيبٍ ؟ منها الصغيرة للعمال ، ومنها الكبيرة لليعاسب ، ومنها غرفٌ للملكات الحوامل !

وانظر كيف يتقاسمن الأعمال كما يتقاسمن المساكن ، فمنها ما يقوم بِجَنيِ السكر من كؤوس الأزهار ، ومنها ما يقوم بإعداد الغذاء للأطفال فيمضغ لها العسل ليسهل عليها هضمه ، فإذا بلغ الأطفال الحدّ الذي تستغني به عن هذه المساعدة كفّت العاملات الطابخات عن المضغ ، ولكنّ هذا الدلال يبقى للمرشَّحات للعرض . . ويستمرّ هذا التعاون الجماعيّ من دون أن يختلّ أو يتبدّل على كرّ الأيام والسنين بدقّةٍ لا يتيسّر لنا أن نراها في أحسن مؤسسةٍ اجتماعيةٍ يديرها الإنسان العاقل .

ومجتمع النحل من أنشط المجتمعات إن لم يكن أنشطها على الإطلاق . . يعمل أفراده في هدوءٍ وإخلاصٍ . . كلّ فردٍ فيه يعلم واجبه تماماً فيؤدّيه خير أداءٍ دون خوفٍ من حاكمٍ أو سلطانٍ . . فليس في مجتمع النحل جهاز التنظيم والرقابة . . فكلّ فردٍ يعمل بفطرته التي فطره الله سبحانه عليها . فلا جدال ولا مشاحناتٍ ولا صراعاتٍ . . كلٌّ يعمل لصالح الجماعة ، ولذلك ظهرت خلية النحل وكأنها جسدٌ واحدٌ في تماسكه وترابطه ، وكلّ فردٍ في الخلية يعمل ما يشبه المحال لإنقاذ الخلية مما قد يقضي على حياتها أو يهدّد أمنها .

ففي الخلية نحلٌ للحراسة ، ولكلّ نحلةٍ سلاحها المتمثّل بحويصلةٍ من السمّ متصلةٍ بإبرةٍ حاميةٍ تطعن بها أيّ عدوٍّ يقترب منها فتشلّه ثمّ تلتهمه . . وفي الداخل عاملاتٌ لرعاية البيض حتى يفقس وتخرج منه اليرقات فتطعمها العسل حتى تتحوّل إلى عذارى فتغطيها بالحرير ، وتغلق عليها غرفها حتى تكبر وتخرج لممارسة عملها الذي تعرفه جيداً . . طبعاً وغريزةً واستعداداً .

وفي الخلية نحلٌ لكنس الأرض وإزالة الشوائب ويقوم فريق آخر من الشغالات بأعمال صيانة خلايا النحل وترميمها ونظافتها باستمرار، ومن عجائب الأمور أن النحل لا يتغوّط أبداً داخل الخلية ولا يبقي فيها أدنى نوع من القاذورات.

ويقوم فريق آخر بتهوية الخلية وتكييفها، وفريق آخر بالعناية بالصغار في مراحل النمو المختلفة من البيضة حتى الحشرة الكاملة. وعندما يختار النحل موقع خليّته تصعد نحلةٌ إلى أعلى المكان ثم تنزع بفمها وأرجلها إحدى طبقات الشمع المتدلّية من بطنها وتطويها وتنشرها حتى إذا توفّرت لها الأبعاد اللازمة اتخذت منها حجر زاويةٍ لبناء مسكنها الذي يبدأ بناؤه بخيطين أو ثلاثةٍ ومن أكثر من موقعٍ ، لكنّ الخلايا تخرج سداسيّةً متماثلةً تماماً ، على الرغم من كثرة العاملين في بنائها . . وتجتمع نقاط الاتصال في هذه الخلايا بأناقةٍ عجيبةٍ كأنها كانت كذلك في البدء وقبل أن تلتقي .

وتقوم النحلة العاملة بعشرات الوظائف بيديها ، فكلٌّ منهما تحمل ملعقةً وفرشاةً ومكنسةً وكمّاشةً وخرقةً للتنظيف.

وظائف جديدة:

وحتى العاملات الصغيرات اللواتي ولدن حديثاً يعرفن واجباتهن، ويقمن بأدائها كما في البرنامج الآتي، ولا تعرف هذه الجيوش الجرارة من النحل إلا أن تقوم به بلا تردد، فالوظائف تناسب الأعمار والتخصصات.

العمر بالأيام
الأعمال التي تؤديها العاملات الصغيرات
1 – 3 تنظيف العيون السداسية لقرص الشمع
3 – 6 إطعام اليرقات الكبيرة
6 – 15 إطعام اليرقات الصغيرة
10 – 23 تنظيف الخلية وأعمال أخرى داخلية
10 فما فوق أول طيران تجريبـي من الخلية
12 – 15 تسلم الرحيق من النحلات العائدات من الحقول
16 – 18 إنتاج الشمع وبناؤه على شكل أقراص
20 فما فوق الرحلة لجلب الرحيق من الحقول
24 فما فوق أداء واجبات حراسة الخلية
سلوك النحلة يلهب خيال الشعراء

وقد شغل سلوك النحل الاجتماعي خيال الشعراء ولا سيما أميرهم، أحمد شوقي، فألف قصيدته المشهورة بعنوان، (ملكة النحلة) من 66 بيتاً، ونورد فيما يلي بعضاً منها:

 
ملكة النحل

مملـكـة مـدبـَّــرة      بامـرأة مؤمّـــــرة

تحمـــل في العمـال           والصنـاع عـبء السيطرة

فاعجــب لعمــال            يولّـون عليهم قيصــره

تحكمهــم راهبــة             ذكـــارة معـبِّــرة

عاقـدة زنّارهـــا               عـن ســاقها مشمَّـرة

تلثمـت بالأرجــوا            ن وارتــدتـه مئــزره

وارتفعـت كأنــها             شـرارة مطيّـــــرة

ووقعـت لم تختلــج           كـــأنها مسـمَّــرة

***

مخلـوقة ضعيفـــة              مـن خلق مصـــوَّرة

يا ما أقـل ملكهــا           ومـا أجـلّ خطـــره

قف سائل النحــل به                 بـأيِّ عـقــل دبّــره؟

يجبـك بالأخــلاق           وهي كالعقـول جـوهـرة

تغني قوى الأخلاق مـا               تغـني القــوى المفكـّرة

ويرفــع الله بهــا               مـن شـاء، حتـى الحشرة

***

أليــس في مملكــة             النحــل لقـوم تبصـرة ؟

ملك بنــاه أهلــه             بهـمــة ومـجــدَره

لـو التمست فيــه            بطّــال اليدين؛ لـم تـره

تقتل أو تنفي الكسـا                 لى فيـه غـيــر منــذره

تحكم فيه قيصــره            فيه قــومهــا مـوقَّـرة

لا تورث القومَ ولـو                   كانـوا الـبنـيـن البـررة

أنثى، ولكن في جنـا                  حيـهـا لبَــاة مُخــدّرَة

ذائدة عن حوضهــا                   طــــاردة مـن كــدّره

تقلّــدت إبرتهــا               وأدّرعــت بالــحـبـرة

كــأنها تــركيـة                قـد رابـطـت بأنقـــرة

إن الأمــور همــة              ليـس الأمـــور ثـرثـرة

ما الملك إلا في ذرى الـ              ألـــــويـة المنشّـرة

عرينه مــذ كـان لا           يحــميــه إلا قـسـورة

***

مالكــة، عاملــة              مصــلحــة، معمِّــرة

الـمال في أتبـاعهـا           لا تستبـيـن أثــــره

لا يعــرفون بينهـم           أصلاً لــه مـن ثمــرة

لو عـــرفوه عرفـوا             من البــلاء أكثــــره

واتــخذوا نقابــة              لأمــــرهم مسيِّــرة

سبحــان من نزّه عنـ        ـه ملكهــم وطهّـــره

وساســه بحـــرّة                عاملـــةٍ، مسخـــرة

صاعـــدةٍ في معمل          من معمــل منحـــدرة

***

وتذهب النحل خفافــا      ً        وتـجـيء مـوقَـــرة

جـوالب الشمـع مـن                  الخمـائـل المنــــوّرة

حــوالب المـاذيِّ من                   زهــر الرياض الشيّــرة

مشـدودة جيــوبهـا            علـى الجـنى مـــزرّرة

فهـل رأيت النحل عـن               أمـانـة مقـصــــرة ؟

مـا اقترضت من بقلـة                 أو استعــارت زهـــره

أدت إلى النـــاس به                   سُكَّـــرةً بسُكــــرة

ديوان الشوقيات – أحمد شوقي (5)

 

أبحاث العلماء:

ولقد أثارت مثاليّة النحل في تصرّفاته هذه هِمم الكثير من الباحثين لمعرفة المزيد ، وكان من هؤلاء الباحثين العالم ميكولا هايداك الذي قام برفع أقراص الحَضَنة من الخلية ومِن ثَمّ لم يَعُد في الخلية يرقات ثمّ وضع فيها نحلاً صغيراً حديث الفقس ولم يكن في الخلية شغالات للحراسة أو لإفراز الشمع أو لجمع الرحيق ، وأخذ ميكولا هايداك ينتظر . . ويا لعجب ما رأى . . لقد ضبطت الأفراد الصغيرة نفسها وزادت من معدّل نموّها حتى قامت مجموعةٌ من الأفراد بعمر ثلاثة أيامٍ بجولاتٍ داخل الخلية لتنظيفها ، وقامت مجموعةٌ ثانيةٌ في العمر نفسه ببناء العيون السداسية . . وهذه أعمالٌ لا يقوم بها إلا أفرادٌ أعمارها ستة عشر يوماً ، بينما قامت مجموعةٌ بعمر أربعة أيامٍ بجمع الرحيق وحبوب اللقاح . . وهكذا بدأت الخلية الفتيّة في أداء وظيفتها المعتادة خلال أسبوعٍ واحدٍ .

وبعد أن نَشَر هايداك أبحاثه واكتشافاته تساءل العلماء : إذا كان بإمكان النحل الصغير أن ينمُوَ سريعاً ليتخطّى ما يواجهه من صعابٍ فهل بإمكان النحل العجوز أن يعيد شبابه للغرض نفسه ؟ ..

وهذا ما حاولت إثباته السيدة فاسيليا موسكو ليبفك من يوغوسلافيا حيث قامت بوضع 503 نحلات من الشغالات الهرمة التي تجمع الرحيق عند عمر 28 يوماً وقد جفّت لديها غُدَد إفراز الغذاء المَلَكيّ . . وَضَعَتها في خليةٍ فيها قرص حَضَنَةٍ منفصلٍ من ملكةٍ أخرى ، وبالطبع لم يكن أمام هذه المجموعة الهرمة من النحل إلا أحد خيارين : فإما أن تقوم بإفراز الغذاء المَلَكيّ لهذه اليرقات وقد جفّت لديها غُدَد الغذاء المَلَكيّ ، وإما أن تترك اليرقات تموت جوعاً . . ومرّت أيامٌ دون أن يحدث شيءٌ ، وفي أحد الأيام لاحظت السيدة فاسيليا أن إحدى الشغالات تنحني فوق إحدى العيون . . فنظرت السيدة بإمعانٍ لترى عجباً ، لقد رأت هذه الشغالة تفرز قطرةً لامعةً من الغذاء في فم اليرقة حديثة الفقس . . فقامت الباحثة فوراً بفحص غُدَد هذه الشغالات تحت المجهر لِتَجِدَ الدليل القاطع فقد انتفخت تلك الغُدَد الجافة وامتلأت بالغذاء المَلَكيّ ، وهكذا حدثت المعجزة وتجدّد الشباب عند شيخات النحل.

إن كلّ خليةٍ من خلايا النحل تعيش مستقلةً بنفسها . . ويعرف كلّ فردٍ فيها بقية الأفراد . . ومهما سَرَحت النحلة بعيداً عن خليّتها، وقد تَسرَح النحلة مبتعدةً عن الخلية 11 كيلومتراً فإنها تعود إليها.

لقد فطر الله سبحانه وتعالى النحل على حياةٍ اجتماعيةٍ في خلايا متمايزةٍ . . لا يمكن أن يختلط أفراد خليةٍ بأفراد خليةٍ أخرى . . فلكلّ مجموعةٍ صفاتٌ خاصةٌ تختلف عن صفات غيرها . . تماماً كما تختلف بصمات أصابع الفرد الواحد منا عن بقيّة بصمات الناس  أجمع ، ولكلّ مجموعةٍ من النحل رائحةٌ خاصةٌ تميّزها عن غيرها، ولقد وهب الله سبحانه وتعالى النحلة من حاسّة الشمّ ما تستطيع به أن تميّز الرائحة الخاصة بأفراد مجموعتها . . ويمكن أن تُعدّ هذه الرائحة ( كلمة السرّ ) التي لو أخطأتها النحلة وضَلّت الطريق لَظَلّت شريدةً لا يقبلها أيّ مجتمعٍ آخر . . ولَحُكِمَ عليها بالفناء ، ويواصل العلماء دراسة سلوك النحل من هذه الناحية ليجدوا أن لكلّ مجموعةٍ – أو خليةٍ – رائحةً مميّزةً ، ولقد شَبَّهَ الرسول الكريم صلوات الله تعالى وسلامه عليه المؤمن بالنحلة فقال : [ مَثَلُ المؤمنِ مَثَلُ النحلةِ لا تأكُلُ إلا طيّباً ولا تَضَعُ إلا طيّباً ] – حديثٌ حسن .

ويقول العالم البلجيكي موريس في كتاباته عن النحل : إذا تسلّل حيوانٌ غريبٌ إلى داخل الخلية فإنه يُقتل فوراً ، ثم يتخلّص النحل من جثته لكيلا تتعفّن ، فإذا ما استحال عليه التخلّص منها قام بإفراز مادةٍ شمعيةٍ تكون للجثة بمثابة قبرٍ محكمٍ – أو تابوتٍ ملفوفٍ – حتى يدرأ عن الخلية خطر الأوبئة فلا تتسمّم أفراده حينما تشيع الرائحة الكريهة فيها ، وكأن النحل قد شيّع بشموعه ذلك الميّت قبل أن يتعفّن.

من آيات الإعجاز في الهداية:

والنحل هو الكائن الوحيد ( بعد الإنسان ) الذي يمكنه أن يحيط مجتمعه علماً بتحديد الأمكنة البعيدة مثل موقع المسكن الذي يبحث عنه أو الغذاء الذي يجمعه بدون أن يصحب أيّاً من أفراد أسرته كما تفعل سائر الحيوانات الأخرى ، وليس عن طريق الكلام كما يفعل الإنسان ، ولكن بلغةٍ حركيةٍ ذات قدرةٍ فائقةٍ على تحديد المسافات والاتجاهات بطريقةٍ تلقائيةٍ فطريّةٍ موروثةٍ ( أي بناءً على وحيٍ من الله ) بدقةٍ لا تُقارن إلا بتقنيات الأجهزة التي اخترعها الإنسان ، ويتصرّف بتلقائيةٍ مبرمجةٍ مثل الأجهزة الإليكترونية والحاسبات الآلية والرادار والأجهزة الفلكية وأجهزة الموجات فوق   الصوتية .

فعملية استكشاف النحلة للأزهار ذات الرحيق هي – في الدرجة الأولى – إلهام من الله تعالى (وأوحى ربك إلى النحل) الآية. ولكن لا بد أن الله تعالى قد أعطى هذه المخلوقة الضعيفة قدرة على الإحساس، ذلك أن رائحة الأزهار مثلاً تجذب النحلة من بعيد، والنحلة تستطيع تذكّر الرائحة على مدى عدة أيام كما بيّنت التجارب التي قام بها العلماء. ثم إنه بإمكان النحلة نشر هذه الرائحة لبقية النحلات العاملة في الخلية على مدى قوى الشم عندها ولكل خلية ومجموعة من النحل رائحتها الخاصة بها، مما يساعد النحلة على معرفة خليتها وأخواتها.

وللنحلة – عدا حاسة الشم – حاسة أخرى جيدة لإبصار الألوان، إذ إن بعض الألوان تجذبها أكثر من غيرها، إلا أن مدى قوة الإبصار أقل من ذلك الذي للشم، وهي لا تستطيع تذكّر الألوان طويلاً.

وتستطيع النحلة رؤية الألوان فوق البنفسجية التي لا يراها الإنسان. وشكل الزهرة له أثر في النحلة، فبعض الزهور تنجذب النحلة إليها، بينما لا تقترب من بعضها الآخر. وهي كذلك تهتدي في أسفارها بعلامات تتذكرها، كأشكال وألوان الأجسام والأشجار والشجيرات.

وتستطيع النحلة معرفة موقع الشمس في الأفق وتذكره، أي معرفة زاوية الميل التي يصنعها طريقها مع الشمس، فهي تميّز خط مسارها من الخلية إلى موارد الرحيق.

والنحلة تستهلك شيئاً من الطاقة في طيرانها، ومعرفتها لمقدار الطاقة عندئذٍ، تساعدها على قياس مقدار المسافة التي قطعتها في رحلتها.

ويعتقد بشكل عام أن النحلة يمكنها زيارة الأزهار على مدى ثلاثة أميال أو أكثر، تأخذ معها الطعام الضروري لهذه الرحلة قبل انطلاقها.

إن النحلة العائدة إلى الخلية من رحلتها، تكون قد خزنت في ذاكرتها رائحة الأزهار التي مرت بها ولون كل منها وشكله، ثم بعدها وموقعها من الخلية والوقت الذي وجدت فيه رزقها.

والنحلة تقوّم غناء الرحيق وصلاحه بتذوقها لتعرف مقدار حلاوته وتركيزه، فهي لا تأخذ كل أنواع الرحيق بل لا بد أن تتوافر فيه صفة تجعلها ميالة لامتصاصه ونقله للخلية.

وهكذا يقوم النحل بأرقى الأعمال التي يعجز عنها أرقى الحيوانات في سلّم التطوّر كالفيل والفرس والأسد والقرد وأحياناً حتى الإنسان ، ومن الجدير بالذكر أن عدد الخلايا العصبية في مخّ النحلة 900 خليةٍ، وفي مخّ النملة 150 خليةٍ ، وفي مخّ الإنسان حوالي 100.000 مليون خليةٍ عصبيةٍ .

بواسطة |2022-02-08T21:54:55+03:00يوليو 17th, 2018|
اذهب إلى الأعلى