التكوين الاجتماعي لمجتمع النحل كما صوره القرآن الكريم (2من2)

تعتبر النحلة الشغالة بحقٍّ أصغر وأعظم مهندسٍ في فنّ العمارة والبناء ، وهي تبني بيوتها على هذا الشكل الهندسيّ المتناسق ببساطةٍ وسهولةٍ في نفس الوقت الذي يعجز فيه المهندسون من البشر عن بناء هذه البيوت إلا إذا استعانوا بأدقّ الأجهزة وأحدثها

رابعاً : بيوت النحل

يجرّنا الحديث عن التكوينات الاجتماعية للحيوانات إلى موضوع بيوت الحيوان ، والهدف من البيت الحياة والوقاية وتربية الصغار وحفظ الطعام .

والكثير من الحشرات تعيش بصورةٍ منفردةٍ غير اجتماعيةٍ وتبني بيوتاً بسيطة على شكل حفرٍ في الأرض أو تنسجها من أوراق الشجر أو غيرها ، أما الحشرات الاجتماعية فتبني بيوتاً ضخمةً معقدةً لأداء وظائف متعددةٍ حسب المقتضى .

وقد أورد القرآن الكريم ذِكرَ البعض منها :

مثل قوله تعالى : (( وَأَوْحَى رَبّكَ إلى النّحلِ أَنِ اتّخِذِي مِنَ الجبال بيوتاً وَمِنَ الشّجَرِ وّمِمّا يَعْرِشُون )) – النحل 68.

وقوله تعالى : (( .. يا أيّها النّملُ ادخُلوا مَساكِنَكُم لا يَحْطِمَنّكُم سُليمانُ وَجُنودُهُ وَهُم لا يَشْعُرون )) – النمل 18.

وقوله تعالى : (( مَثَلُ الذينَ اتّخَذُوا مِنْ دونِ اللهِ أولياءَ كَمَثَلِ العنكبوتِ اتّخَذَتْ بيتاً ، وإنّ أوْهَنَ البيوت لَبَيتُ العنكبوتِ لَوْ كانوا يَعلمون )) – العنكبوت 41 .

ويهمّني في المقام الأول أن أعقد مقارنةً لغويةً تبيّن مدى الدقّة العلميّة القرآنيّة في التعبير، فنلاحظ أن دور النمل عبّر الله عنها بـِ ( المساكن )، بينما عبّر الخالق عزّ وجلّ عن دور النحل والعنكبوت بـِ ( البيوت ) في الآيات السابقة ، وكلمة البيت تفيد البيات ليليّاً أو البيات فصليًّا أو الكُمون، ويؤكّد ذلك قوله تعالى: (( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ أتاكُم عَذابُهُ بياتاً أو نهاراً )) – يونس 50 ، أي أنه استعمل هنا لفظ (البيات) كمرادفٍ لكلمة (الليل) .

وهناك علاقةٌ وثيقةٌ اكتشفت حديثاً بين نوعية البيوت والسلوك الحيواني، فهناك حيواناتٌ ليليةٌ أي لا تنشط إلا في الليل فقط، بينما يوجد على العكس منها حشراتٌ نهاريةٌ ومنها النحل ، أي أن هناك حشراتٍ موجبةً وأخرى سالبةً للاستجابة للضوء .

وقد ثبت أن النحل – مثلاً – وبعد بحوثٍ علميةٍ – حشرةٌ نهاريةٌ تعمل في النهار وتبيت في الليل ، وتعتمد أيضاً على شدّة الضوء الآتي من الشمس للتعرّف الغريزي على خط السير .

وثبت أيضاً أن عدداً معيناً من الشغالات هو الذي يخرج للبحث عن الرحيق فقط وتبقى الشغالات الأخرى للعناية بالخلية التي تحتوي على كلّ الأطوار الأخرى التي لا تخرج منها مثل البيض واليرقات والعذارى والملكة والذكور . وأن هذه الشغالات لها فترةٌ محددةٌ فقط للبقاء في الخلية بل ويقضي في الخلايا طول الوقت عددٌ كبيٌر منها ، لذا فالوصف لدارها هو ( البيت ) من البيات وهو ليليٌّ ويوحي بالنوم والسكون ، وهذا صحيح علمياً كما أسلفنا .

ولمكان خلية النحل مواصفاتٌ محددةٌ : فلابدّ أن تتوفّر له فجوةٌ واسعةٌ لها مدخلٌ صغيرٌ متجهٌ إلى الجنوب ، ولابدّ أن يكون عالياً لمنع المتطفّلين من التسلّل إليه . . وإذا لم يجد النحل مكاناً ليعيش فيه فإنه يهلك فوراً .

وفي قوله تعالى: (.. أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومما يعرشون)، الخطاب هنا لإناث النحل الشغالات اللائي يقمن بالبحث عن المكان المناسب لبناء بيوت النحل، ويقمن بالبناء بذواتهن وتنظيف البناء وترميمه والعمل على حمايته وتهويته.

وهذا القدر من الحرية الكبيرة الذي أعطاه الله تعالى لأمة نحل العسل في اختيار مسكنها، أي المكان الذي تبني به بيوتها من الجبال ومن الشجر ومما يعرشون، له حكمة بالغة لأنه يتيح لهذه الحشرة الصغيرة الحجم فرصة الاستفادة لأكبر عدد ممكن من البيئات المختلفة وبما فيها من متنوع النباتات والثمار حتى تُنوِّع ذلك الشراب المختلف الألوان الذي يخرج من بطونها والذي فيه شفاء للناس، ويجعل الله تعالى من أنواعه المختلفة شفاءً لأمراض متباينة. وهذا بخلاف العديد من الحيوانات – بصفة عامة – ومن الحشرات بصفة خاصة التي حدّد لها – تعالى – بيئات لا تستطيع الخروج عنها وإلا هلكت.

وإن اتخاذ أي تجمع من تجمعات أمة نحل العسل القرار ببناء بيوت لها يحتاج إلى عمليات استطلاع وبحث وتشاور مكلفة حتى يتم الإجماع على اختيار المكان، حيث تبدأ الشغالات في بناء مستعمرة النحل من الشمع الذي تفرزه من غدد خاصة في أسفل بطن، كلّ منها تعرف باسم الغدد الشمعية وعددها أربعة أزواج.

حجرة النحل:

وبيت النحل عالمٌ عجيبٌ يمور بالحركة ويخضع لنظامٍ ثابتٍ لا يعرف الخلل إليه سبيلاً : فثمّة آلاف الخزّانات المليئة بالعسل ، وعلى كلٍّ منها ختمٌ لا يفضُّ إلا في أيام الجوع . . وإلى جانبها العديد من الحرس يخفق بجناحيه كي يمدّ الخلية بتيارٍ مستمرٍّ من الهواء . وتحشر كلّ نحلةٍ بدنها وهي تهمّ بالخروج بمؤونة من العسل تكفيها أياماً ، ومن هذا العسل يُستقطر الشمع اللازم لإنشاء المباني الجديدة بطريقةٍ كيماويّةٍ غامضةٍ . . وتستعمل الصمغ لتسدّ به الشقوق وتطوي به الجدران .

وتعتبر النحلة الشغالة بحقٍّ أصغر وأعظم مهندسٍ في فنّ العمارة والبناء ، وهي تبني بيوتها على هذا الشكل الهندسيّ المتناسق ببساطةٍ وسهولةٍ في نفس الوقت الذي يعجز فيه المهندسون من البشر عن بناء هذه البيوت إلا إذا استعانوا بأدقّ الأجهزة وأحدثها .

ويقول عالم الأحياء موريس مترلنك في كتابه ” حياة النحلة ” : ( تتميّز الحجرة التي يتّخذها النحل لخليّته بكمالٍ هندسيٍّ لا تستطيع عبقريّات البشر أن تزيد عليه شيئاً . . . ولو أن أحداً من عالمٍ آخر هبط إلى الأرض وسأل عن أدقّ ما أبدعه منطق الحياة على الأرض لما وَسعَنا إلا أن نعرض عليه مشط الشمع الصغير المتواضع الذي أبدعته النحلة ! ) .

لقد أثبت علماء الرياضيات أن الشكل السداسيّ الذي يتّخذه النحل هو أنسب الأشكال الهندسيّة لتوفير ( أكبر إشغالٍ ممكنٍ في أصغر مساحةٍ متاحةٍ ) ، فهذه الخلية تُصنع بأقلّ كميةٍ من الشمع وتخزن أكبر كميةٍ من العسل ، ذلك أن النحلة لا تعرف في أيّ لحظةٍ من حياتها ولا في أيّ مسلكٍ – مهما قلّ – من مسالكها شيئاً من الصدفة ولا ضرباً من ضروب العبث . إن لديها إحساساً مرهفاً بمرور الوقت يفوق في دقّته كلّ ما لدى البشر من ساعاتٍ متقنة الصنع . . ولقد أُجريت في ذلك تجارب شتّى منها تجربةٌ لتقديم طعامٍ للنحل في لحظةٍ معيّنةٍ من لحظات النهار فلما ألِفَت ذلك صارت تأتي طائرةً في لحظتها تلك لا تتقدّم ولا تتأخّر .

الملاءمة الوظيفيّة لبيوت النحل والنمل والعناكب:

ولنا كلمةٌ أخرى هنا وهي عن الملاءمة الوظيفية للبيت لكل نوع، فنحل العسل- ونظراً لفوائده للإنسان ولكثير من الحيوان – فإنه نادراً ما تتعرض خلاياه للتدمير من قبلها، وكذلك فإن نمط الحماية عند تلك الحشرات يكون غالباً باللسع من الحشرات الحارسة الطائرة بالمئات ( فشغالة النحل تطير بينما شغالة النمل مندثرة الجناحين ) ، وأيضاً يحتاج النحل لأداء وظائفه الحيوية إلى التعرف على درجة الضوء وشدة الرياح وغيرها من المؤثرات المناخية ، لذا وجب أن تكون مواقع بيوتها في أماكن مفتوحة عالية تستطلع الشمس والرياح بما فيها من شدة تؤثر على الطيران وبما فيها من حبوب اللقاح وروائح الأزهار المختلفة التي يتخذها النحل دليلاً على خط المسير للحصول على الغذاء، لذا فقد قال الله عزوجل : (( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون )) – النحل 68 ، أي أن تتخذ بيوتها في الأماكن المفتوحة المكشوفة على العوامل الجوية المختلفة .

كما أن في الآية إشارة أخرى إلى وجود نوعين من النحل: النحل البيئي ( في الجبال والغابات ) والآخر المستأنس في ( مما يعرشون ) حيث إن ( مما يعرشون ) تعود على الناس وترتيباتهم المختلفة على الأرض ( الخلايا الصناعية ) .

وقد جاء وحي الله للنحل أن يبني بيوته في مواقع لا تصلح لسكنى أيِّ كائنٍ آخر سواء كان ضارّاً أو نافعاً ، فهو إما أن يبني أقراصه الشمعية في العراء معلّقةً تحت صخور الجبال أو فروع الأشجار أو في جحورٍ واسعةٍ ناتجةٍ عن العوامل الطبيعية، ومداخلها صغيرةٌ ضيّقةٌ لا يمكن أن تدخلها الطيور والحشرات المفترسة ولا يمكن أن يراها بعيونه ولكنّه يتمكّن من تمييزها بواسطة الموجات فوق الصوتيّة التي تصدر منها وهي قدرةٌ لا تتوفّر للإنسان إلا باستخدام أجهزةٍ خاصةٍ .

ونلاحظ كذلك أن الآية قد قدمت النحل البرّي ( الجبلي و نحل الغابات ) على الأليف ، وفي هذا إشارة إلى ما أثبته العلم من وجود أنواع كثيرة من النحل مختلفة المواطن وأمكنة السكن، حيث أثبت علم الحشرات وجود أكثر من 12.000 نوع من النحل و تعيش 5 % منها فقط حياةً اجتماعيةً أي 600 نوعٍ فقط ، وعدد قليل من هذه النسبة هو المستأنس ( كما جاء في الترتيب القرآني للأنواع حسب الأغلبية العددية ) .

وتعيش أنواع من النحل في الجبال في الفجوات والجحور كالنحل الطنان المنتج للعسل مثلاً ( من الجبال ) ، وتعيش أنواع منها بصورة برية في الغابات متخذة شقوق الأشجار أعشاشاً حيث تبطنها ببتلات النباتات مثل أنواع نحل أوزميا ونحل اللوداب ( من الشجر ).

أما نحل العسل ( أبس  ملفكا ) فهو أعلى المراتب في الحشرة من حيث التطور وهو نحل اجتماعي حقيقي ومستأنس ( ومما يعرشون ) ، وله أنواع متعددة جدًّا ، وكلما زاد التطور وتعقيد التكوين الاجتماعي في النحل كانت بيوته أكثر انفتاحية على البيئة .

خامساً : ذكاء النحل

يقول الله تعالى: (( .. ما من دابّةٍ إلا هو آخذٌ بناصيتها ، إن ربّي على صراطٍ مستقيمٍ )) – هود 56 . ويأتي اللفظ القرآني ( الناصية ) للتعبير دائماً عن الجبهة في الأحوال المقترنة بالإرادة والذكاء والفعل ، وقد أثبت العلم الحديث أن كلّ هذه المراكز تقع في الفصّ الجبهي الأمامي للمخ ( الناصية ) .

ومن تأمّل الآية السابقة نستطيع أن نفهم أن الله عز وجل قد ألهم مخلوقاته الغريزة كبديل عن الذكاء والابتكار والإبداع الذي يوفره الذكاء المتطور ، وهذه الغريزة أو الفطرة تعني مجموعة من السلوكيات والتصرفات والأفعال النمطية التي تحكم أنشطة الحيوان كافةً، لتحقيق أهدافه الحيوية من حفظ للنوع وحماية وتغذية وتناسل . . . إلخ ، ويمكن تشبيه تلك الغريزة ببرنامج كمبيوتر مبرمج مسبقاً ومصنوع بخصوصية لكل كائن حي بشكل متفرد ومتميز ، ويمكن كتابة آلاف الصفحات بل الملايين منها عن إعجاز هذه الغريزة وعبقريتها وتواؤمها مع أهدافها في كل نوع مما يعكس في النهاية عظمة واضع البرنامج وقدرته، أي خالق الخلق أجمعين ، وهذا ما تبيّنه الآية الكريمة التي أوردناها والتي تقرّر أن الله سبحانه وإن لم يهب الكائنات الأدنى الذكاء إلا أنه وهبها الغريزة بصورة دقيقة متقنة .

إن الله قد يسّر لها التعرّف على الطرق التي تلزمها للذهاب إلى الحقول وإلى الزهور ومن ثم العودة للخلية . كما أن الآية الكريمة قد حدّدت أن هذه السبل مخصصةٌ للنحل فقط ولا يوجد مثلها في كائنٍ سواه.

وقد أثبتت التجارب العلمية أن هذا يتم بالاعتماد على اتجاهات الشمس والرياح والمجال المغناطيسي للأرض واختلاف درجات الإضاءة وتغير الروائح وغيرها كما أثبتته تجارب بيلنج 1929م ، وفون فريتش ولاموك وفاندر بلانك وفوريل وغيرهم من علماء السلوك الحيواني في تجاربهم على النحل في القرن العشرين .

أما بالنسبة لذكاء النحل فإنها تقوم بتدبير خليتها وتسوس جنودها وتجني عملها بإتقانٍ غريبٍ بواسطة آلاتها البسيطة . . فمثل هذه الحذاقة والحكمة في تقسيم الأعمال والسياسة العجيبة التي تخضع الكلّ للسنن والقوانين وتحمل على الاستعداد لملاقاة الطوارئ التي يمكن حدوثها فجأة لا تسمّى سوى سليقة .

ومن طبائع النحلة أنها تظهر الاضطراب والنفور والغضب . . وتعمل بمقتضى الأحوال وتحتال على العدوّ الذي هو أقوى منها وتتقن الوسائط الدفاعية لحماية نفسها إذا هُجِم عليها .

ومن جانيات العسل ما لا تبني بيوتاً جديدةً إذا تعسّر عليها إيجاد بيوتها القديمة، وإذا وجدت بيتاً قديماً قامت بإصلاحه وترتيبه قبل أن تسكنه . ونحل الخشب لا ينقر ثقوباً جديدةً ما لم ييأس من إيجاد النقر القديمة . . وهكذا يستوطن كلّ جيلٍ مساكن الجيل الذي سلفه إذا أمكن . . دفعاً لمشقةٍ هو في غنىً عنها.

وحين يعمل النحل أقراص العسل يترك فسحةً قدر نصف قيراطٍ بين كلّ قرصٍ كطريق لمروره، ويعمل ثقوباً مستديرةً غير هذه يتمكّن بها من المرور بسهولةٍ من قرصٍ إلى آخر اتقاءً لمشقة السير طويلاً ، والأقراص والطرقات تختلف جرماً وهيئةً باختلاف الأماكن والأحوال . ومتى صنعت النحلة قرصاً وصلته بأحد أطراف القرص الذي صنعته قبله تاركةً فسحةً صغيرةً بينهما وهي تبذل كلّ المجهود في أن يكون الاثنان متشابهين وأن تكون الفسحة بينهما معتدلةً ، وإذا أخطأت مرةً بإبعاد الواحد عن الثاني أكثر مما تقتضي الحال أخذت تضع الثالث عرضاً وجعلت البعيد ينحرف قليلاً إلى جهة الأول انحرافاً يقرّبه إليه على قدر ما تراه مناسباً . . فهل هذا مجرّد عمل السليقة مع ما فيه من التعديلات والمقابلات والتأمّل والنباهة ؟ . .

ثم إن النحل ينشئ في كلّ خليةٍ خرباً عديدةً يبلغ عمق كلٍّ منها نحو ثمانية أعشار القيراط لادّخار المؤونة فإذا ضاقت تلك الخرب بالعسل وسّعها وعمّقها على قدر الحاجة.

ومن الإعجاز الإلهي في خلق النحل أن النحلة العاملة تتفقّد أحوال كلّ خليةٍ وكلّ خربةٍ لترى هل يوجد فيها طعامٌ كافٍ لصغار النحل . . وإذا ظهر لها أن الغذاء في إحداها غير كافٍ أفرغت فيه ما تظنّه كافياً . . وهكذا لا تهدأ ما لم تنجز هذا العمل المهم.

ومعلومٌ أن الملكة الأمّ تضع البيض في الخلية بينما يشتغل غيرها بالبناء والنهب والتموين والحراسة . . فيحرس جند النحل الذي لا يحصى عدداً ويتولّى أمر إخراجه من الخلية بالتتابع في الأوقات التي تعيّنه هي له حسب عمر كلّ نحلةٍ وأحوالها بموجب قوانين شديدةٍ، فلا تسمح بإطالة أسر واحدةٍ أكثر من الوقت المعيّن أو بإطلاقها وقت وجوب دوام حراستها ، وكلّما حاول النحل الخروج من الخلية، تزيد تيقّظاً واحتراساً وتسدّ كلّ الثقوب التي يهدمها تمهيداً لهربه، والثقوب التي يتناول منها الغذاء من أفواه مربياته . . وهذا دليلٌ قاطعٌ على أن للنحل قوةً ناتجةً عن الإدراك والانتباه والإرادة وعن مأسسة نظام إدارة الخلية وتكوينها الاجتماعي.

وقد تكون الأمّ ملكةً تملك على النحل وتقتل بحمّتها من يناظرها وينازعها الملك . . وتقبض على زمام الحكم فينظر الكلّ إليها كأمٍّ وجب عليه إطاعتها.

وقال بعضهم : إنها تحصل على مركزها أحياناً بالقوّة الإجباريّة وبالنباهة الغريبة . . فإنه شاهدها تخرج من خُربتها وتهجم على خُربة الملكة المالكة وتحاول دخولها ، ومتى تمكّنت من ذلك لسعتها بحمّتها . . ومتى رأى النحل نجاحها فإنه يساعدها على عملها ويوسّع لها الباب الذي ثقبته للدخول إلى الخربة لإخراج جثة الملكة المقتولة ويظهر لها الخضوع التام ، ثم تهجم على خربةٍ أخرى لكي تكثّر أنصارها وتعلن ملكها لا لكي تقتل أحداً فيه . . لأنها تكون قد فازت وقتئذٍ بما رغبت فيه . . إذ أصبحت سائدةً مالكةً تحكم على الجميع : تأسر من تشاء وتطلق من تشاء بموجب السنن والشرائع التي تراها مناسبةً للمصلحة العامة .

ويوصف النحل بقوّة الذاكرة ، وقد ذكر موريس جيرارد في كتابٍ له في تقلّبات الحشرات أمثلةً متعدّدةً تبرهن صحة ذلك قال : إن النحل يعرف خليته ولو كانت بين خلايا عديدة، وإذا لذّ له طعم زهرٍ في حقلٍ من الحقول عاد إليه ولو بعد مرور سنةٍ كاملةٍ بدون أدنى صعوبةٍ في إيجاد الطريق المؤدّية إليه .

وقد قيل إن خشرماً من النحل استوطن ممرّات أحد السقوف وشرع في عمل الأقراص الذهبية اللون ، وتولّت الأمّ حفظ العسل في الخلية ، ولما أعجب النحل الموضع الذي اختارته مركزاً لها وقت جني العسل كانت ترسل مِن قِبَلِها مَن يكتشف لها أحواله كلّ سنةٍ ثم تأتي إليه . . ودامت تتردّد إليه عدّة أجيالٍ ولم تنسَ المكان ولا الخلية .

وحكى هيوبر سنة 1806م أن الفراش قد كثر جداًّ وكان يحبّ العسل ، فسطا على الخلايا وكسّر الأقراص بأبدانه التي هي أكبر من أبدان النحل فخافت النحل وتحيّرت إذ لم يتعدّ عليها خصمٌ كهذا من قبل . . وبعد تأمّل برهة رفعت سوراً عريضاً من شمعٍ عند مدخل كلٍّ من الخلايا . . وعندما رأى الفراش أنه لا يستطيع الهجوم حاول فتح الأبواب فلم يمكنه ذلك ، ثم رجع بعد ثلاث سنين بأعظم قوّةٍ لكنّ النحل أغلقت الأبواب حالاً وصدّت هجومه كما فعلت في السابق ، فهي قد نجحت بتدبيرها الناتج عن التبصّر والتأمّل . . وهو ما يدلّ على نباهتها . (2)

أما بالنسبة لذكاء النحل أيضاً فقد ذكر العالم البيولوجي ” فريش ” أن هناك نوعين من الرقص تؤدّيهما النحلة الشغالة ، هما الدائري والاهتزازي . والنوع الأول يؤدّى عندما تكون المسافة بين الخلية ومصدر الغذاء لا تتعدّى خمسين متراً ، وتشارك بقية النحلات الشغالة الرقص لا إرادياًّ أيضاً .

أما إذا زادت المسافة عن ذلك فتتغيّر الرقصة إلى أخرى اهتزازية ، تطير فيها الشغالة في خطّ مستقيمٍ لمسافةٍ قصيرةٍ ثم في حركةٍ نصف دائريةٍ يتحرّك معها الجزء السفلي للجسم فتدور نصف دائرةٍ إلى اليسار ومثلها إلى اليمين مع هزّ بطنها في كلتا الحركتين ، وهذه الرقصات تنبئ عن بُعد الخلية عن مصدر الرحيق ، فإذا تكرّرت الرقصة عشر مراتٍ كلّ 15 ثانيةٍ كانت المسافة بينهما 90 متراً ، وإن بَعُدَت المسافة إلى 900 مترٍ تكرّرت الرقصة خمس مراتٍ كلّ 15 ثانيةٍ ، وهكذا نرى أنه كلما بَعُدَت المسافة بطؤ الرقص وقلّ الحماس .

وتستطيع الشغالة كذلك تحديد الاتجاه المطلوب للوصول إلى هذا المصدر بواسطة النوع الثاني من الرقص ، والنحلة هنا تهتزّ وتهزّ بطنها بالزاوية نفسها مع قرص الشمس ، وقد لاحظ ” فريش ” ومساعدوه اختلاف الرقصات في المساء عنها في الصباح ، ففي هذا الوقت تكون الحركة في خطّ مستقيمٍ ثم يميل في المساء بميل قرص الشمس ، فإذا اتجهت الشغالة في خطّ مستقيمٍ إلى أعلى مباشرةً فمعنى هذا أن مصدر الاغتذاء في اتجاه الشمس ، وإن اتجهت في الخط إلى الأسفل فالمصدر في الاتجاه المضاد للشمس ، وإن اتجهت في خطها المستقيم بزاوية 60ْ كان الغذاء بالزاوية نفسها . . وهكذا .

سادساً: إنّ في ذلك لآية لقوم يتفكرون

وبعد أن أنهينا دراسة التكوين الاجتماعي لمجتمع النحل، فإننا نحتاج إلى وقفة طويلة أخرى نتدبر فيها مزيداً من آيات الله الدالة على كمال قدرته وبديع صنعه وطلاقة مشيئته وحكمته في خلق هذه هذه الحشرة المباركة، وفي سلوكها المتميز وفي أسرار ما يخرج من بطونها، تلك الأسرار التي لم يستطع العلماء الإحاطة بها إلا في العقود الأخيرة من القرن العشرين.

لقد اختار الله هذه الحشرة من بين مئات الألوف من الحشرات، فأوحى إليها وحياً نحسّ به وندرك آثاره التي تنعكس في حياتنا ومعاشنا.

والوحي بالنسبة للمخلوقات أعلى من مرتبة الهداية التي أشار إليها الخالق العظيم بقوله: (قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) طه 50.

إنها رفعة عظيمة لحشرة صغيرة لا يزيد وزنها على أجزاء من الغرام، ارتفع مقامها في بني جنسها من سائر الحشرات لتصبح صديقاً وفياًّ، وخادماً أميناً يقدم عرقه وجهده وعطاءه لبني آدم بأحسن ما يكون العطاء وأرقى أنواع التسخير.

وقد غدت النحلة الآن وما يخرج من بطونها على موائد البحث العلمي في جميع أرجاء الأرض .. فحيثما اتجهت رأيت علماء الأحياء منهمكين في تطوير الأبحاث المتعلقة بها .. فمنهم من يدرس تركيب العسل .. ومنهم من يدرس حلاوته .. وآخرون يدرسون شذاه ونكهته .. كما يدرس آخرون لونه وأثر المعادن عليه وتبلوره وكثافته، ولُزوجته وحامضيته، وآخرون يدرسون جودته.

وها هم أساتذة الطب يدرّسونه في جامعاتهم ويعالجون به مرضاهم، .. فقد أقيمت المراكز الطبية العالمية للاستشفاء بمنتجات نحل العسل وذلك منذ عام 1975.

كما تجده لدى علماء الصيدلة في مختبراتهم …. وعلماء الزراعة في مزارعهم .. وبين بساتينهم وأشجارهم، …. وعلماء الاقتصاد يدرسون آثاره الاقتصادية، … وعلماء البيئة يدرسون تأثيره على بيئاتهم، حتى أن الشعراء قد تغزّلوا به في أشعارهم.

وتنعقد المؤتمرات العلمية وورشات العمل والندوات المتخصصة – وتلقى المحاضرات – وتعدّ الأبحاث – كل ذلك من أجل هذه النحلة وما يخرج من بطونها، إذ لم يعد العسل مجرد شربة من سكر نتفكه بها، بل غدا ترياقاً ومعيناً من علم لا ينضب.

إنه لم تحظ أي حشرة بمثل هذا الاهتمام الذي حظيت به النحلة في التاريخ المعاصر.

وما كان اكتساب هذه الحشرة الصغيرة من شهرة ملأت الآفاق وشغلت العقول والأفهام إلا ثمرة لوحي الله إليها، هذا الوحي الذي أخرجها من قمقمها ليكون ما في بطونها شهداً على موائد الملوك، وشفاء لذوي الأسقام .. وأن يكون هذا الشهد هو الوعد الإلهي لعباده الصالحين في الفردوس الأعلى – يوم لقاء الله – أنهاراً من عسل مصفّى.

هذه النحلة التي أفرد لها الخالق العظيم سورة خاصة تسمّت باسمها – سورة النحل – السورة التي تحدثت عن نعم الله على الإنسان في الأنفس والآفاق والتسخير والخلق والإطعام.

هذه الجيوش الجرارة من النحل تجتاز الجبال والسهول والروابي والوديان، وتصارع الرياح والأنواء في خدمة الإنسان. تقوم بعملها هذا بهدوء وصمت – لا يحدّها زمان – طاعة لخالقها، وتسبيحاً بحمده، وخدمة للإنسان الذي كرّمه ربه. فهي نعمة مهداة من خالق السموات والأرض، لا يدرك أهميتها إلا العارفون والعالمون.

هذه النحلة نكتشف كل يوم سراًّ من أسرارها أو لغزاً من ألغازها، فهي وإن كانت من أصغر المخلوقات حجماً، وأضعفها بنية، إلا أنها الأكثر عطاء والأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

فلقد سابقت الإنسان في حياته وتطوره الاجتماعي، وقد كان لها سبق كبير في شتى الميادين، إذ إنها تسير في سبيل جمع الرحيق ما يقارب 60 كم / الساعة وهو ما يعادل عشرة أمثال سرعة الإنسان.

أما بيتها الذي تسكنه فكانت تطبّق عليه أرقى المواصفات الهندسية في العمران والبنيان وفي إشغال المساحات .. حتى غدت النحلة أصغر وأدق مهندسة معمارية في العالم.

ومن فضل الله تعالى على هذه البيوت أن الله تعالى اختارها لها لتكون في أعالي الجبال أو في أماكن وجحور لا يمكن أن تدخلها طيور ولا حشرات مفترسة مما يزيد هذه البيوت عزّة ورفعة.

وقد كان بيتها من أرقى البيوت نظافة، فلقد خصصت ملكة النحل جنوداً منذ لحظة ميلادهم لهذه الغاية وذلك مهما كان موقع هذا البيت في أي بلد في العالم.

أما ملكة النحل – الأم الولود – ذات الحكم والسلطان، فهي آية كبرى في خلقها وهدايتها: فقد رعاها الخالق العظيم منذ كانت يرقة تتغذى على الغذاء الملكي طيلة حياتها لتصل عند تمام نموها إلى وزن يعادل 1800 مرة قدر وزن غيرها من يرقات الخلية، وتعمّر 100 ضعف قريناتها من الشغالات والذكور.

وهذه الملكة ترعى صغارها الذين يتكاثرون بمعدل 1500 وليد في اليوم الواحد. فما أظن أن مؤسسة عالمية تستطيع أن تستقبل مثل هذه الأعداد وترعاها وتربّيها كما تربّي هذه الملكة رعاياها وأبناءها.

وأما غيرتها على بيوتها فقد أقامت الحجّاب والحراس على كل خلية يحرسونها فلا تسمح لمتطفل ولا لعدو أن ينتهك حرمة بيتها بل تبعث عليه السمّ الزعاف كما أنها لا تسمح بخروج أي من رعاياها إلا بإذن ومهمة رسمية.

وأما إدارتها الاجتماعية لمملكتها – فلا يجادل فيها مجادل .. فإن فيها توزيعاً للواجبات والمسؤوليات … فهذا نحل للنظافة … وآخر لبناء المساكن … وثالث للصغار … ورابع لاستقبال العسل وصنعه وخزنه … وآخر للحراسة … كما أن هناك نحلاً خاصاًّ لتهوية الخلية … وآخر لتلقيح الزهور … وآخر من المستكشِفات يغادرن الخلية للبحث عن الأزهار … ونوع آخر من جامعات الرحيق.

الكل في خلية النحل يعمل … حتى لقد تم ضرب الأمثال بمجتمع النحل … فلا مكان فيه لكسول ولا خائن لخليته ولا متطفل عليها.

وإن الله طيّب لا يقبل إلا طيّباً، وقد أمر ربنا – تبارك  وتعالى – رسله الكرام وعباده المؤمنين ألا يأكلوا إلا طيّباً، وجعل المؤمنين كذلك مثل النحلة لا تأكل إلا طيباً، ولا تضع إلا طيباً، ولا يخرج من بطونها إلا الشفاء للأجساد والأسقام، كما جعل الله تعالى القرآن الكريم شفاءً للقلوب والأرواح. فمصدر الوحي واحد في كلا الحالين، من رب السموات والأرض رب العالمين.

فمن أجل أن تقوم النحلة بإطعامنا كيلوغراماً واحداً من عسل فإنها تقوم بما يقارب    600.000 – 800.000 طلعة وتقف على مليون زهرة وتقطع ما يزيد على 10 أضعاف محيط الكرة رغم الرياح والأنواء.

فأي إخلاص وأي عطاء وأي تضحية وأي إنجاز عظيم تقدمه هذه الحشرة الصغيرة للبشرية ؟!

وأي إعجاز إلهي في خلقها، وقد حباها الخالق العظيم من الحواس المتطورة في البصر والشم والتذوق، ومن أجهزة خاصة لتقدير المسافات والاتجاهات والأزمنة وما يسمى بالساعة الحيوية مالم يزوّد به الإنسان نفسه بذلك ؟!

ألا يزيد هذا الإعجاز في الخلق والهداية والتسخير المؤمن إيماناً على إيمانه ويقيناً على يقينه وشكراً لسيده ومولاه.

وتبقى سورة النحل – التي تحمل اسمها – التي يتلوها المؤمنون صباح مساء، شاهداً على عظمة الله، وشاهداً على قدرته تعالى على أن يودع في أصغر مخلوقاته شأناً أعظم الأسرار، وأن يجعل النحل آية يتدبّرها العلماء والحكماء وأولو الألباب إلى يوم القيامة، ويكتشفوا من أسرارها في كل زمان ما يبهر البشرية كلها، حتى تعلم أن هذا القرآن العظيم هو كلام الخالق الحكيم الذي أحسن كل شيء خلقه ثم هدى.

المراجع

  1. القرآن الكريم .
  2. نباهة الحيوان / س. ط. ( مترجم من الإنجليزية ) – إعداد وتقديم الأستاذ عبداللطيف شرارة.
  3. النحل والزهر والعسل / المهندس عبدالرحيم إبراهيم خدرج.
  4. بحث د. زغلول النجار / جريدة الأهرام – 1 ديسمبر 2003.
  5. بحث إبراهيم سليمان عيسى / مجلة الأمة – العدد 16 شباط 1982م .
  6. ديوان الشوقيات / أحمد شوقي.
  7. عالم الحيوان بين العلم والقرآن / د. محمد محمود عبدالله .
  8. التفسير العلمي لآية النحل / د. عبدالعليم خضر.
  9. الجديد في المنظور العلمي للقرآن الكريم / د. أسامة الشبراوي .
  10. بحث : عيسى أمين جبر / مجلة الأمة – العدد 35 آب 1983م .

بواسطة |2022-02-08T18:22:33+03:00يوليو 17th, 2018|
اذهب إلى الأعلى