(وفي أنفسكم أفلا تبصرون) (الذاريات: 21)

اقتباس (تغيير الصورة)

في الإنسان آيات للمتقين، أليس في أنفسكم أيها (الناس) وما فيها من علوم ومعارف، وغرائز وميول واتجاهات للخير تارة وللشر تارة أخرى آيات للمتقين؟ أليس في نفسك التي بين جنبيك وما فيها من حواس السمع والبصر والإحساس واللمس والذوق وما فيها من دورة الدم وأجهزة التنفس والهضم والإفراز والبول، كل ذلك آيات لمن يعقلها ؟ ولا يعقلها حقيقة ويدرك سرها الخفي ودلالتها على الإله القوي القادر الحكيم الخبير إلا المؤمنون بالله.

فالإنسان هو العجيبة الكبرى في هذه الأرض ولكنه يغفل عن قيمته، وعن أسراره الكامنة في كيانه، حين يغفل قلبه عن الإيمان، وحين يحرم نعمة اليقين.

إن ملايين الملايين من العمليات البيولوجية تتم في كيان الإنسان في اللحظة الواحدة وهو لا يعلم عنها شيئاً ولاإليها تفسيراً كما أنه لا يستطيع توقيفها أو إسراعها.

إنه لا يملك أجنحة مثل الطيور، ومع ذلك يطير، وهو سباح ضعيف إذا قورن بالأحياء المائية، ولكنه مع ذلك يقطع آلاف الأميال راكباً سفيناً يمخر بها عباب أعالي البحار التي كشف أعماقها في غواصته لا يتسرب إليها الماء، ووقودها الذرة.

والإنسان لا يملك مخالب تضارع ما يملكه الأسد أو النمر مثلاً، ولكنه حفر أعظم الأنفاق في باطن الأرض الصخري الصلد، وجسمه عار، والإنسان لا يملك أنياباً ولا ينفث سماً، ولكنه – رغم ذلك – قادر على قتل أي كائن حي.

والإنسان كذلك عجيب في تركيبه النفسي ذلك التركيب الذي يشير إليه المرحوم أحمد أمين: ” من عجيب الأمر أن كل شيء في الوجود يعمل وفق طبيعته، ويوافق بين ظاهره وباطنه، وتصدر أعماله منسجمة مع فطرته، ويعبر دائماً عن جِبلّته، سواء في ذلك الجماد والنبات والحيوان، إلا الإنسان، فإنه هو الذي يستطيع أن يخدع، وأن يظهر على غير طبيعته، وأن يقول غير ما يعتقد، وأن يفعل غير ما يقول”.

الحجر والحديد والرصاص كل منها يعبر عن طبيعته، وهو يعبر عنها دائماً في صدق.

وأشجار الورد والتفاح والحنظل تعبر عن طبيعتها في صدق دائم وتنتج ثمارها من جنس طبيعتها دائماً، ولا تخرج التفاح حنظلاً يوماً ما.

والفرس والجمل والبقر تعبر عن طبيعتها في صدق دائم، فإذا أبدت رغبة في الأكل أو الشبع ونحو ذلك فهذا حق لا مرية فيه.

أما الإنسان فلا يعبر عن حقيقته دائما،ً فقد يعبر عن جوعه وهو متخم، وعن حبه وهو كاره، وعن إخلاصه وهو يخفي الإجرام، وعن حبه للشيوعية والاشتراكية وهو رأسمالي جشع.

فكل شيء هو نفسه الإنسان، فكثيراً ما يكون غير نفسه حتى قال كاتب ظريف: “إن اللغة لم تخترع للتعبير عن النفس ولكن لإخفاء ما في النفس والتمويه على الناس حتى لا يدركوا حقيقة ما في النفس”.

(ركائز الإيمان / محمد الغزالي ص 103).

فالإنسان يمثل عناصر هذا الكون وأسراره وخفاياه، لقد خلقه الله سبحانه وتعالى، وهيأه للنجاح في السيطرة على الأرض وما فيها، لسبب واحد وهو: الخلافة في الأرض، فالإنسان لم يخلق مثل (الحيوان) بحوافر أو أخفاف يسير عليها، وإنما له قدمُُ متخصصة وقوام منتصب، وهو مجرد من غطاء ذي ريش أو فراء أو حراشيف، وإنما يغطيه جلد حساس بلا حماية، كما أن يديه ليستا مكيفتين للحفر أو التمزيق أو الضرب، وأمّا حواسه من نظر وسمع وذوق وشم فمتفرقة في بعض النواحي، قاصرة في بعضها الآخر عما زودت به منها حيوانات أدنى رقياً من الإنسان.

ومع ذلك فقد تفوق الإنسان وأضاف إلى قدراته بما ابتدعه من تخصصات جسمانية ووظيفية دقيقة، فعلى سبيل المثال: أكسبته قامته المعتدلة حرية ليديه اللتين لا يستخدمهما في المشي، كما أن إبهامه تحسن التعاون مع أصابعه الأخرى في الإمساك والالتقاط وتشكيل المواد، كما أن فم الإنسان وحلقه قد خلقهما الله خصيصاً لتأدية وظيفة أساسية هي (الكلام).

ولا (مقارنة) بين نظيرهما في (القردة) العليا أو السفلى – أو أي كائن على الأرض – التي ليست من الأناسي في شيء من حيث أجهزتها العصبية والعضلية الدقيقة.

أما العضو الذي انفرد به (الإنسان) عن سائر الكائنات الحية كي يحقق الخلافة في الأرض، فهو (المخ)؛ تلك البوصلة الضخمة من النسيج العصبي التي تشغل الجزء الأكبر من الجمجمة بشكل لا يتكرر عند باقي الكائنات الحية. إنها هبة الله للإنسان منحه إياه دون سائر المخلوقات، كي يستطيع تعلم الأسماء كلها. إنه العضو الخطير الذي يحتفظ بالقدرة على التكيف لأداء عدد عظيم من الوظائف المختلفة.

(الإنسان والكون بين القرآن والعلم – د. عبدالعليم خضر ص 90-92)

ولقد أودع الله الإنسان القدرة على التكيف مع الكون فهو يصطاد أو يزرع، يأكل اللحوم أو يعيش على النباتات، يسكن فوق الجبال أو على شواطئ البحار، يعيش في الغابات أو السهول يتحمل الحر والقر، ويعيش في درجات حرارة تبلغ أكثر من نصف غليان الماء، وأقل من درجة تجمد الجليد، يقاوم جيوش البكتيريا والفيروسات، يصطاد الحيتان والذئاب ويقاوم الأعاصير والزلازل، لا يثنيه زئير الرياح ولا سياط الشمس اللاهبة، يعمر الأرض ويزرعها ويغوص في أعماق المحيطات ويجتاز القارات ويسابق الزمن ويزور الكواكب.

وإن جولة يقوم بها الإنسان إلى أنحاء الأرض لا يسعه إلا أن يسجلها بعدة مجلدات، إذا أراد أن يدوّن ما رأى، فكيف إذا أردنا السير في فضاء رحب ومجهول بآن واحد؟ ولن نجد في هذه الدنيا ما هو أعجب من جسم الإنسان، وكلما زاد ما ندركه من أسرار زادت دهشتنا وعجبنا.

لا ندري ماذا يجري في جسمنا من عمليات لأن معظمها يحدث في الخفاء بعيداً عن ناظرينا.

ماذا يجري في دماغنا الذي هو مركز الهيمنة على أجسامنا؟ كيف يدفع عنا الأذى؟ كيف يرسل إنذاراً سريعاً هو الألم الذي نحس به؟ معناه تيقظ الحَذِر فتبتعد بسرعة عن مصدر الأذى، وحتى في وقت النوم ينظم المخ بواسطة “موظفيه” الأعصاب نشاط الجسم مثل التنفس والهضم.

لقد بدأت حياتنا عند تقابل خليتين: بويضة تقدمها الأم وحيوان منوي يقدمه الأب ومن هنا بدأت حياتنا، كذلك بدأت حياة آبائنا وأجدادنا وأجداد أجدادنا حتى نصل آباء أسلافنا آدم وحواء كما يقول “برنارد جيملسر” في كتابه (كل شيء عن جسم الإنسان ص 95).

ثم يقول: ” فهاتان الخليتان الغامضتان: البويضة والحيوان المنوي هما حلقة الاتصال التي تربطنا بالعديد من الأجيال السابقة”. وهناك فائدة عظيمة لبدء الحياة من خليتين، فبهذه الطريقة يرث الطفل خصائص أبيه وأمه معاً، فلو ينشأ الطفل – فرضاً – من البويضة وحدها فإنه يرث خصائص الأم فقط. أليس في هذا إحكام في الخلق؟ وتدبير محكم من لدن حكيم خبير؟ سبحانه وتعالى.

إن في أسرار هذا الجنس في توالده وتوارثه خلية واحدة تحمل كل رصيد الجنس البشري من الخصائص، وتحمل معها خصائص الأبوين والأجداد القريبين.

فأين تكمن هذه الخصائص في تلك الخلية الصغيرة؟ وكيف تهتدي بذاتها إلى طريقها التاريخي الطويل فتمثل أدق تمثيل وتنتهي إلى إعادة هذا الكائن الإنساني العجيب؟

وإن وقفة أمام اللحظة التي يبدأ فيها الجنين حياته على الأرض وهو ينفصل عن أمه ويعتمد على نفسه، ويؤذن لقلبه ورئتيه بالحركة لبدء الحياة، إن وقفة أما هذه اللحظة وأمام هذه الحركة لتدهش العقول وتحيّر الألباب وتغمر النفس بفيض من الدهش وفيض من الإعجاب لا يقف له قلب ولا يتماسك له وجدان.

وإن وقفة أخرى أمام اللحظة التي يتحرك فيها لسان الوليد لينطق بهذه الحروف والمقاطع والكلمات ثم بالعبارات بل أمام النطق ذاته، نطق هذا اللسان. وتصويت تلك الحنجرة إنها عجيبة؛ عجيبة تفقد وقعها لأنها تمر بنا كثيراً ولكن الوقوف أمامها لحظة في تدبر يجدد وقعها، إنها خارقة؛ خارقة مذهلة تنبئ عن القدرة التي لا تكون إلا لله.

وكل جزئية في حياة هذا المخلوق تقفنا أمام خارقة من الخوارق لا ينقضي منها العجب: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) (الذاريات: 21).

وكل فرد من هذا الجنس عالم وحده، ومرآته ينعكس من خلالها هذا الوجود كله في صورة خاصة لا تتكرر أبداً على مدار الدهور، ولا نظير له بين أبناء جنسه جميعاً، لا في شكله وملامحه، ولا في عقله ومداركه، ولا في روحه ومشاعره ولا في صورة الكون كما هي في حسه وتصويره.

ففي هذا المتحف الإلهي العجيب الذي يضم ملايين الملايين، كل فرد نموذج خاص وطبعة فريدة لا تتكرر يمر من خلالها الوجود كله في صورة كذلك لا تتكرر، كما لا توجد بصمة أصابع مماثلة لبصمة أخرى في هذه الأرض في جميع العصور.

ونحن كذلك لا ندري عن كنه الحياة شيئاً! فهذا الدكتور ألكسيس كاريل الحائز على جائزة نوبل للآداب يقول: (وواقع الأمر أن جهلنا مطبق، فمعظم الأسئلة التي يوجهها أولئك الذين يدرسون الجنس البشري إلى أنفسهم تظل بلا جواب لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية، وما زالت غير معروفة).

(الإنسان ذلك المجهول، ألكسيس كاريل ص 11)

ونحن لا نعرف حتى الآن الإجابة على أسئلة كثيرة مثل كيف تتحد جزئيات المواد الكيماوية التي تكون المركب والأعضاء المشكلة للخلية ؟

وكيف تقرر “الصبغيات” المورثات الموجودة في نواة البيضة الملقحة صفات الفرد المشتقة من هذه البويضة؟

كيف تنتظم الخلايا في جماعات من تلقاء نفسها، مثل الأنسجة والأعضاء فهي: كالنمل والنحل تعرف مقدماً الدور الذي قدر لها أن تلعبه في حياة المجموع، وتساعدنا العمليات الميكانيكية الخفية على بناء جسم بسيط ومعقد في الوقت ذاته.

وما طبيعة تكويننا النفساني والفسيولوجي؟

إننا نعرف أننا مركب من الأنسجة والأعضاء والسوائل والشعور، ولكن العلاقات بين الشعور المخ ما زالت لغراً، ثم يقو كاريل: ” إن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية في الغالب” ويقول : “إن جهلنا بأنفسنا ذو طبيعة عجيبة”.

(الإنسان ذلك المجهول – ألكسيس كاريل – ص 41)

وتأتي العقلية الإسلامية لتجمع بين الاعتقاد بالغيب المكنون الذي لا يعلم مفاتحه إلا الله؛ وبين الاعتقاد بالسنن التي لا تتبدل، والتي تمكن معرفة الجوانب اللازمة منها لحياة الإنسان في الأرض، والتعامل معها على قواعد ثابتة فلا يفوت المسلم “العلم” البشري في مجاله ولا يفوته كذلك إدراك الحقيقة الواقعة؛ وهي أن هناك غيباً لا يُطلِعُ الله عليه أحداً إلا من شاء بالقدر الذي يشاء ..

وإن الإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الفرد فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه، إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدود الذي تدركه الحواس، أو الأجهزة التي هي امتداد لهذه الحواس، وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان، لحقيقة الوجود كله، ولحقيقة وجوده الذاتي، ولحقيقة القوة المنطلقة في كيان هذا الوجود، وفي إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير، كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض، فليس من يعيش في الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أوطائه وأعماقه ويشعر أن مداه أوسع وأرحب.

وكثير من عجائب الجنس البشري مكشوفة للبصر تراه العيون (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) وما تراه العيون من عجائبه يشير إلى المغيب المكنون.

وهذه العجائب لا يحصرها كتاب، فالمعلوم المكشوف منها يحتاج تفصيله إلى مجلدات، والمجهول منها ما يزال أكثر من المعلوم، والقرآن لا يحصيها ولا يحصرها ولكنه يلمس القلب هذه اللمسة ليستيقظ لهذا المتحف الإلهي المعروض للأبصار والبصائر، وليقضي رحلته على هذا الكوكب في ملاحظة وتدبر وفي متاع رفيع بتأمل هذا الخلق العجيب الكامن في ذات نفسه وهو عنه غافل مجهول. ')}

بواسطة |2022-02-13T13:47:12+03:00يوليو 17th, 2018|
اذهب إلى الأعلى