الأرض في اللغة

من الألفاظ المهمة لفهم دلالة الآية الكريمة مايلي:

(الأرض) في اللغة العربية تدل على اسم الكوكب الذي نحيا عليه، في مقابلة بقية الكون الذي يجمع تحت اسم السماء أو السماوات. ولفظة (الأرض) مؤنثة، وأصلها (أرضة) وجمعها (أرضات) و (أرضون) بفتح الراء أو بتسكينها، وقد تجمع على (أروض) و (أراض) ولفظة (الأراضي) تستخدم على غير قياس.

ولما كانت (الأرض) دون السماء فإن العرب قد عبّروا بلفظة (الأرض) عن أسفل الشيء كما عبروا بالسماء النبت أو حسنة (الأرضة)، كما يقال: (تأرّض) النبت بمعنى تمكّن على (الأرض) فكثر، و (تأرض) الجدي إذا أكل نبت (الأرض)، ويقال كذلك (أرض نفضة) و (أرض وعدة) أي تنتقص وترتعد أثناء حدوث كل من الهزات الأرضية والثورات البركانية.

و (الأرضة) حشرة تأكل الخشب، يقال (أرضت) الأخشاب (تؤرض) (أرضاً) فهي (مأروضة) إذا أكلتها (الأرضة).

موقع الأرض:

الأرض ذلك الكوكب الصغير من توابع الشمس التي ندور في فلكها ونعيش على ضوئها وحرارتها، وهي ثالث كواكب المجموعة الشمسية وتقع بين كوكبي الزهرة والمرّيخ، كما أنها هي الكوكب الوحيد في العالم المعروف عنه أنه يتضمن كل متطلبات الحياة من الهواء والماء والأرض. وهذه الشمس هي إحدى ملايين النجوم المتناثرة في مجرة التبّانة بين ألوف ملايين المجرات التي تملأ صفحات السماء.

هذه الأرض نعيش عليها ونتنفس هواءها ونشرب ماءها ونأكل خيراتها ويشاركنا فيها ملايين الأجناس والأنواع منذ ملايين السنين، ولكل من هذه الأنواع والأجناس ملايين بل ألوف الملايين من أفراد عائلاتها.

وهذه الأرض لا نبلغ شيئاً من حجمها ولا شيئاً من حقيقتها ولا نعلم عنها إلا النزر اليسير الذي كشفه الله لنا من أسرارها في كتابه الخالد أو بما هدانا الله به من إمكانيات مادية.

إنا هباءة بسيطة هائمة في خضم ملك الله العريض الواسع الذي لا يحيط به عقل ولا يستوعبه قلب.

هذه الهباءة البسيطة تتكون من عدد كبير من المواد المختلفة من المعادن والصخور والمواد العضوية، علاوة على ما يغلّفها من هواء .. وما يجري عليها من ماء .. وهذه المواد جميعاً في حركة دائبة مستمرة، فهناك الرياح والأمطار وجريان الأنهار وتحرك الثلاجات، وسير التيارات البحرية، واضطراب الأمواج، وارتفاع الماء في المد وانخفاضه في الجزر .. وهناك تغيرات في درجات الحرارة ونمو النباتات وهجرة الحيوانات والطيور والأسماك، وهناك اضطراب المواد الملتهبة في جوف الأرض. وهذه التغيرات جميعها سخّرها الخالق الأعظم لتهيئة مظاهر سطح القشرة الأرضية لاستقبال الإنسان خليفة لله في الأرض .. فقد سخّر الله عوامل عظمى دائبة العمل على نحت سطح الأرض الصلد وتفتيته وترسيبه وتكوين التربة وخلق أنواع جديدة من الصخور في باطن الأرض .. وتحويل صخور من حالة إلى حالة وما يصحب ذلك من تغييرات عنيفة كطي الطبقات والتوائها وتشقق الأرض وتصدعها .. وربما كان التغيير في الكرة الأرضية من الجسامة بحيث يؤدي إلى تغيير توزيع الماء واليابس .. أو إلى طغيان مياه البحار على أجزاء القشرة وانحسارها عنها.

وذلك كله مسخر بأمر من الله تعالى – خالق السموات والأرض – لإحداث تغييرات دائبة في وجه الأرض وفي مناخها .. وفي نسب الأقوات التي قدّرها الرزّاق العليم .. واستمرار البركة فيها.

والله كذلك هو الذي جعل الأرض مهداً ومهاداً، كما أنه هو الذي مدّ سطح الأرض وجعلها قراراً وبساطاً وكفاتاً، وهو الذي دحاها وطحاها وأخرج منها ماءها ومرعاها وجعل فيها الأنهار والرواسي الشامخات والسبل والطرق.

وهو الذي بارك فيها وقدر فيها أقواتها وبثّ فيها من كل دابة وأنبت فيها من كل زوج كريم ومن كل زوج بهيج وجعل فيها آيات للمتقين وآيات لأولي الألباب.

 

حركات الأرض:

والأرض ثالثة الكواكب السيّارة قرباً من الشمس ويبلغ متوسط بعدها عنها حوالي 150 مليون كيلو متر، (93 مليون ميل) وهي تتراوح ما بين (151.2) مليون كم في 1 تموز لتصل 146.4 مليون كيلومتر في 1 كانون الثاني وهي تدور حول الشمس في فلك شبه دائري (إهليلجي) قليل الاستطالة بسرعة مقدارها 29.6كم/ الثانية لتتمّ دورتها هذه في سنة شمسية مقدارها:

ثانية     دقيقة    ساعة      يوم

9.6    9        6        365

ويعتبر نفس قطر مدار الأرض حول الشمس المذكور أعلاه بأنه مسافة الوحدة الفلكية للمسافات في النظام الشمسي وتساوي (149598500) كيلو متراً.

كما تلفّ الأرض حول نفسها بسرعة مقدارها 27.8كم / الدقيقة يتقاسمه ليل ونهار بتفاوت يزيد وينقص حسب الفصول بسبب ميل محور الأرض على العمود المقام على الشمس عن مستوى مدارها حول الشمس بزاوية مقدارها  30َ  23ْ، وهذا اليوم المسمى اليوم النجمي يقل عن اليوم القمري بحوالي 3 دقائق و56 ثانية.

إن هذه الدابة التي نركبها تدور حول نفسها بسرعة (1000) ميل في الساعة حيث ينشأ عن دورانها تعاقب الليل والنهار، ثم تدور مع ذلك حول الشمس بسرعة حوالي (67000) ميلاً في الساعة حيث ينشأ عن دورانها تتابع الفصول الأربعة، ثم تركض هي والشمس والمجموعة الشمسية كلها بمعدل (40000) ميلاً في الساعة مبتعدة نحو برج الجبار في السماء. وهناك حركة رابعة حول المجرة تابعة للشمس بسرعة حوالي 500000 ميل في الساعة، ومع هذا الركض كله يبقى الإنسان على ظهرها آمناً مستريحاً مطمئناً معافى لا تتمزق أوصاله، ولا تتناثر أشلاؤه، بل لا يرتجّ مخّه ولا يدوخ، ولا يقع مرة عن ظهر هذه الدابة الذلول!.

وهذه الحركات الثلاث لها حكمة، وقد عرفنا أثر اثنين منها في حياة هذا الإنسان، بل في الحياة كلها على ظهر هذه الأرض، فدروة الأرض حول نفسها هي التي ينشأ عنها الليل والنهار. ولو كان الليل سرمداً لجمدت الحياة الحياة كلها من البرد، كما أنه لو كان النهار سرمداً لاحترقت الحياة كلها من الحرّ .. ودورتها حول الشمس هي التي تنشأ عنها الفصول، ولو دام فصل واحد على الأرض ما قامت الحياة في شكلها هذا كما أرادها الله، أما الحركة الثالثة فلم يكشف ستار الغيب عن حكمتها بعد، ولا بد أن لها ارتباطاً بالتناسق الكوني الكبير.

مكونات الأرض

وتتكون الأرض من كرة من الماء واليابسة، ولا يزال مركزها مستعراً بالرغم من مرور عدة بلايين من السنين على خلقها والذي يقدر بـ 4600 مليون عام، حيث تخرج النيران الهائلة والمواد الذائبة من باطنها كالقذائف وتسيل حمماً سائلة كالأنهار، كما يحيط بالأرض حزام من البراكين منها ما هو هامد ومنها ما يبقى هامداً مئات السنين ثم يبدأ فجأة بإرسال حممه إلى عنان السماء ويملأ الجو بدخان ثاني أكسيد الكربون والكبريت، ومنها الآخر الذي لا يزال يبعث بحممه ودخانه منذ آلاف السنين. والأرض في حركة دائبة – لا تكلّ ولا تملّ، وفي مسار فلك قدّره لها الخالق العظيم رب العالمين – حول الشمس تقترب منها في طرف وتبتعد عنها في الطرف الآخر.

وهي تستمد طاقتها من الشمس التي تخترق غلافها المكون من عدة طبقات، حيث تمتص كل طبقة جزءاً من الإشعاعات حتى تصل إلى سطحها صالحة للحياة خلافاً لبقية الكواكب.

وهي كذلك كوكب كروي الشكل تقريباً، ولكن القوة الطاردة المركزية الناتجة عن دوران الأرض قد أدت إلى انبعاجها قليلاً عند خط الاستواء وانبساطها قليلاً عند القطبين، خاصة القطب الشمالي.

قال تعالى: (أولم يروا أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه ..) (الرعد: 41).

وسطح الأرض ليس تامّ الاستواء، وذلك لأن الصخور المكونة للقشرة الأرضية تختلف كثافتها باختلاف أنواعها وأماكن وجودها.

ولذلك كان من الضروري وجود انبعاجات في القشرة الأرضية حيث تتكون تلك القشرة من صخور خفيفة نسبياً . وهذه البروزات في القشرة الأرضية كوّنت القارات التي تكونت في مقابلها انخفاضات في أماكن أخرى من سطح الأرض حيث تتكون قشرة الأرض من صخور ثقيلة نسبياً وهذه المنخفضات شكلت قيعان البحار والمحيطات.

والأرض على ذلك في حالة تعادل معجز .. فلولا الجاذبية الأرضية لما تماسكت مكونات الأرض فصارت كرة، .. ولولا دوران الأرض حول نفسها لما تأثرت بالقوة الطاردة المركزية فأصبحت شبه كرة ..ولولا اختلاف كثافة الصخور لما اختلف مستوى سطح شبه الكرة هذه فغارت المحيطات والبحار وارتفعت القارات والجبال ..، ولولا حركة دائبة في داخل القشرة الأرضية تعوّض أيّ نقص تتعرض له الكرة الأرضية في أي نقطة من نقاط سطحها بفعل عوامل التعرية من رياح ومياه جارية وغيرهما بحيث يصبح وزن العامود الصخري من مركز الأرض إلى أي نقطة على سطحها سواء أكانت قمة من أعلى قمم الجبال أو غوراً من أعمق الأغوار متساوياً تماماً، لطردت الأوزان الزائدة بفعل القوة الطاردة المركزية، ولما أمكن لكائن أن يحيا على هذه الأرض.

والأرض بذلك تعتبر بحق الكوكب المعجزة والمتميزة عن بقية الكواكب في المجال الذي توصل إليه الإنسان بالمعرفة. وبالرغم من أن الكون كله إعجاز في الخلق، والإنسان نفسه معجزة الخلق، إلا أن الإعجاز المتميز للأرض هو اختيار رب العالمين لها لتكون النموذج المتكامل. فهناك كواكب أكبر منها وأصغر، كما أن هناك شموساً أكبر من الشمس وهناك أصغر. ولا بد لهذه النجوم من كواكب تحيط بها إن كانت في مجرتنا أو المجرات الأخرى، وقد قام الإنسان بمحاولات متعددة للاتصال بكائنات حية في كواكب أخرى من الفضاء الخارجي ولكنها باءت جميعها بالفشل.

تذليل الأرض للإنسان:

قال تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) (الملك: 15).

لقد جعل الله هذه الأرض “ذلولاً” كالدابة ! فالأرض هذه التي نراها ثابتة مستقرة ساكنة، هي دابة متحركة .. بل رامحة راكضة مهطعة ! وهي في الوقت ذاته ذلول لا تلقي براكبها عن ظهرها ولا تتعثر خطاها، ولا تخضه وتهزه وترهقه كالدابة غير الذلول ! ثم هي دابة حلوب مثلما هي ذلول! وهذه الدابة الذلول يمسك الله بزمامها فلا تثور إلا بقدر ولا تجمح إلا لثوان، وفي ثورانها وجموحها الخطر كل الخطر، فهي تتحول من دابة ذلول إلى وحش جموح. أرأيتم إن فتحت أفواهها في بركان أو رقصت رقصاتها المرعبة في زلزال، وأصبحنا نحن البشر فزعين مذعورين لا نملك غير السجود لخالقها ومسيّرها، ومتضرعين أن يعيد إليها هدوءها واستقرارها. وهذه الدابة الذلول التي تتحرك كل هذه الحركات الهائلة في وقت واحد، ثابته على وضع واحد في أثناء الحركة يحدّدها ميل محورها بمقدار 23.5 درجة، لأن هذا الميل هو الذي تنشأ عنه الفصول الأربعة مع حركة الأرض حول الشمس، والذي لو اختلّ في أثناء الحركة لاختلّت تلك السنن التي تترتب عليها دورة النبات بل دورة الحياة كلها في هذه الحياة الدنيا !.

ولقد جعل الله الأرض ذلولاً للبشر بأن جعل لها جاذبية تشدّهم إليها في أثناء حركاتها الكبرى، كما جعل لها ضغطاً جوياً يسمح بسهولة الحركة فوقها. ولو كان الضغط الجوي أثقل من هذا لتعذّر أو تعسّر على الإنسان أن يسير ويتنقل – حسب درجة ثقل الضغط – فإمّا أن يسحقه أو يعوقه. ولو كان أخفّ لاضطربت خطى الإنسان أو لانفجرت تجاويفه لزيادة ضغطه الذاتي على ضغط الهواء حوله، كما يقع لمن يرتفعون في طبقات الجو العليا بدون تكييف لضغط الهواء !.

والله جعل الأرض ذلولاً ببسط سطحها وتكوين هذه التربة اللينة فوق السطح، ولو كانت صخوراً صلدة – كما يفترض العلم بعد برودها وتجمدها – لتعذر السير فيها ولتعذر الإنبات. ولكن العوامل الجوية من هواء وأمطار وغيرها هي التي فتتت هذه الصخور الصلدة، وأنشأ الله بها هذه التربة الخصبة الصالحة للحياة. وأنشأ ما فيها من النبات والأرزاق التي يجلبها راكبو هذه الدابة الذلول.

والله جعل الأرض ذلولاً بأن جعل الهواء المحيط بها محتوياً للعناصر التي تحتاج الحياة إليها بالنسب الدقيقة التي لو اختلت ما قامت الحياة، وما عاشت إن قدر لها أن تقوم من الأساس، فنسبة الأكسجين في الهواء هي 21% تقريباً ونسبة الأوزوت أو النتروجين هي 78% تقريباً والبقية من ثاني أكسيد الكربون بنسبة ثلاثة أجزاء من عشرة الآف وعناصر أخرى، وهذه النسب هي اللازمة بالضبط لقيام الحياة على الأرض !.

والله جعل الأرض ذلولاً بآلاف من هذه الموافقات الضرورية لقيام الحياة، ومنها حجم الأرض وحجم الشمس والقمر، وبُعد الأرض عن الشمس والقمر، ودرجة حرارة الشمس وسمك قشرة الأرض وسرعتها وميل محورها ونسبة توزيع الماء واليابس فيها. وكثافة الهواء المحيط بها .. إلى آخره .. إلى آخره .. وهذه الموافقات مجتمعة هي التي جعلت الأرض ذلولاً، وهي التي جعلت فيها رزقاً، وهي التي سمحت بوجود الحياة، وبحياة هذا الإنسان على وجه خاص.

والله جعل الأرض ذلولاً بأن جعل الإنسان فوق ظهرها كمن يركب سفينة فضاء سقفها الغلاف الجوي الذي تتعدد وظائفه وخدماته في حين يبقى جو دنيانا مكيفاً بحيث تقوم السفينة بإرسال نفس الطاقة التي تكتسبها من الشمس إلى الفضاء محافظة بذلك على نفس معدلات درجات الحرارة على مرّ ملايين السنين.

والله عزوجل هو رب الأرض وفاطرها ومالك خزائنها وكنوزها، فهذه خزائن الماء الأساسية المكونة من الهيدروجين والأكسجين، وهذه خزائن الرزق المتمثلة في النبات الأخضر المكونة من النيتروجين في الهواء والكربون والأكسجين المركب في ثاني أكسيد الكربون، وتلك الأشعة التي ترسلها الشمس إلينا، كلها جميعاً من خزائن رحمته وفضله.

 

المراجع:

الطبيعيات والإعجاز العلمي في القرآن الكريم / د. عبدالعليم خضر

المهنج الإيماني للدراسات الكونية / د. عبدالعليم خضر

للكون إله / د. مصطفى الدمرداش

الإعجاز العلمي في القرآن الكريم / د. زغلول النجار

المجموعة الجيولوجية / ج 3 – ص 42 –

في ظلال القرآن / سيد قطب

في سبيل موسوعة علمية – د. أحمد زكي.