المهارات الإنسانية (2 من 2)

ولكن الحضارة الصناعية جنت على تلك الحاسة لأنها حوّلت البشر إلى آلات.. فالعامل يقضي حياته وهو يكرّر الإشارات والحركات نفسها آلاف المرات كل يوم.. إنه الجواد الأعمى الذي يدور ليخرج الماء من البئر.. إن الصناعة بشكلها الحالي حرمت العامل من الإبداع والجمال فحرمته قدراً كبيراً من السعادة.

الإحساس

الإحساس الأدبي (الأخلاقي):

إن الإحساس الأخلاقي (الأدبي) يزوّد الإنسان بسلاح على درجة كافية من القوة ليحميه من رذائله الفطرية. وعلى الإنسان أن يبذل جهداً إراديّاً يرغم نفسه على اتباع المنهاج الأخلاقي.. وعلى يقين من أن ذلك أنفع لحياته؛ لأنه يجعلها أكثر أمناً واستقراراً، بل وسعادة.. إن الجمال الأخلاقي يفوق العالم والفن من حيث إنه أساس الحضارة وحاميها.

الإحساس بالجمال:

الإحساس بالجمال موجود في الإنسان البدائي كما هو موجود في أكثر الناس تحضُّراً، بل يبقى حتى عندما ينطفئ نور العقل؛ لأن الأبله والمجنون قادران على الإنتاج الفني أيضاً.

فالجمال مصدر لا يفرغ بالسعادة بالنسبة لمن يكتشف مكانه.. إنه مخبّأ في كل مكان: وينبع من الأيدي التي تصنع النماذج أو تزخرف الأدوات المنزلية أو تقوم بالعمليات الجراحية.. كما ينبع من أنامل الرسامين والموسيقيين. وهو موجود أيضاً في حسابات العلماء وخيالات الأدباء وتجارب الباحثين.. وفي شروق الشمس فوق سطح المحيط، وفي عواصف الشتاء فوق الجبال العاتية.

ولكن الحضارة الصناعية جنت على تلك الحاسة لأنها حوّلت البشر إلى آلات.. فالعامل يقضي حياته وهو يكرّر الإشارات والحركات نفسها آلاف المرات كل يوم.. إنه الجواد الأعمى الذي يدور ليخرج الماء من البئر.. إن الصناعة بشكلها الحالي حرمت العامل من الإبداع والجمال فحرمته قدراً كبيراً من السعادة.

الحاسة الدينية والنشاط الروحي:

إن اهتمام الإنسان بالدين والبحث عما وراء المادة والغيبيات مركوز في فطرته؛ فهو دائماً في حالة تديّن، سواء أصاب أم أخطأ، ضلَّ أم استقام، وإن الفترات التي يتنكر الناس فيها للدين، إنما هي فترات استثنائية؛ ففي كل مجتمع يظهر أناس مستهترون مماحكون.

والأصل أن الإنسان مخلوق على الفطرة، وهي معرفة الحق، وسلامة القلب، وعلمه بفقر نفسه، وحاجته إلى خالقه، وهو مضمون في آية الميثاق. قال تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا: بلى شهدنا…} [الأعراف:172].

وفي تفسير قوله تعالى: {ولآمرنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله} [النساء:119] أن الشيطان يأمرهم بالكفر وتغيير فطرة الإسلام. وهذا التوجّه إلى الله المركوز في النفس الإنسانية، يظهر عند الشدائد في صورة الالتجاء إلى الخالق. قال تعالى: {وإذا مسّ الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون…} [الروم:33]. وقال تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} [العنكبوت:65].

وقد حدث أن قامت في أوروبا نزعة ضد الدين، وذلك في القرنين الثامن والتاسع عشر الميلاديين، ولكن علماء القرن العشرين عادوا للاعتراف بأن نزعة التديّن قديمة موجودة في طبائع البشر، وأن الاهتمام بالمعنى الإلهي إحدى النزعات العالمية الخالدة، والغريزية الدينية لا تختفي، بل لا تضعف ولا تذبل إلاّ في فترات الإسراف في الحضارة، وعند عدد قليل جدّاً من الأفراد(1).

ويقول الدكتور ألكسيس كاريل: “فلا يزال الإنسان مستمرّاً في سعيه الأبدي وراء الأساس الروحي للأشياء، وقد أحسّ بالحاجة إلى العبادة في كل العصور، وفي كل الأقطار على وجه التقريب، فالعبادة تكاد تكون عنده ميلاً طبيعيّاً كالحب”(2).

ويقول (برغسون): “لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات، ولكنه لم توجد قط جماعة بغير ديانة”(3).

هذه أقوال علماء سبروا أغوار النفس البشرية، واطلعوا على تاريخ البشر، وعرفوا الإنسان في بدائيته ومدنيته، وحضارته وبداوته.. عرفوا إنسان نيويورك ولندن وباريس، وإنسان القبائل الموغلة في البدائية والبعد عن الحضارة في أفريقيا وأستراليا وأمريكا الجنوبية.

ويقول تعالى: {..إن الإنسان ليطغى . أن رآه استغنى} [العلق: 6-7]، {إن الإنسان خلق هلوعاً . إذا مسه الشر جزوعاً . وإذا مسه الخير منوعاً} [المعارج: 19-21].

فإذا كانت هذه هي حال الإنسان، فإن من فضل الله ورحمته أن أرسل له الأنبياء يقومون بهدايته للطريق المستقيم، وينقذونه من الجهل والظلم، وكان خاتم الرسل محمداً r الرحمة المهداة، الموصوف بالتوراة: “ليس بفظ ولا غليظ ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلاّ الله”(4).

ويقول الدكتور (إلكسيس كارليل) في كتابه “الإنسان ذلك المجهول”: الدين هو أساس الأسرة والحياة الاجتماعية منذ فجر التاريخ… فقد تأثرت الإنسانية بالوحي الديني أكثر مما تأثرت بالتفكير الفلسفي.

والإحساس الديني لا يزال حتى اليوم نشاطاً لا مفرّ منه بالنسبة لشعور عدد كبير من الأفراد… كما أنه يظهر نفسه بين الأشخاص المثقفين ثقافة عالية.

وللنشاط الديني جوانب مختلفة، وهو يتكون في أبسط حالاته من تطلع مبهم نحو قوة تفوق الأشكال المادية والعقلية لعالمنا.

وما زال الجمال الذي ينشده الفنان.. إنه لا شكل له.. ولا يمكن التعبير عنه بأي لغة. ويختفي بداخل أشياء العالم المنظور، ويستلزم السمو بالعقل نحو الذات العلية.. التي هي مصدر جميع الأشياء.. نحو قوة.. بل مركز القوى.. نحو الله جل جلاله.

إن الشخص المتجرّد من حب متاع الدنيا يشعر بالله بمثل السهولة التي يشعر بها بحرارة الشمس أو بعطف أحد أصدقائه عليه.

ويضيف الدكتور (إلكسيس كارليل) أيضاً: في جميع البلاد والأزمان آمن الناس بوجود المعجزات وبشفاء المرض سريعاً في أماكن الحج وفي معابد معينة، بيد أن قوة العلم الدافعة إبان القرن التاسع عشر جعلت مثل هذا الإيمان يختفي تماماً. فعلماء النفس والأطباء يرون أن المعجزات مستحيلة الحدوث، ومع ذلك فبالنظر إلى الحقائق التي لوحظت خلال الخمسين عاماً الأخيرة لن يكون بالإمكان الإصرار على مثل هذا الموقف.

فتأثير الصلاة على سرعة شفاء الأمراض العضوية والنفسية أصبح ملحوظاً لا يمكن إنكاره، وتتصف المعجزة الرئيسية بسرعة متناهية في عملية الإصلاح العضوي والتئام الجروح واختفاء الآلام.. ويسترد المريض شهيته بسرعة.

إن لمثل هذه الحقائق مغزى عظيماً.. فإنها تدلّ على حقيقة علاقات معينة ذات طبيعة ما زالت غير معروفة بين العمليات السيكولوجية والعضوية.. وتبرهن على الأهمية الواضحة للنشاط الروحي.. التي أهمل علماء الصحة والأطباء ورجال الاجتماع دراسته إهمالاً تامّاً.. مع أنه يفتح للإنسان عالماً جديداً رحباً.

الهوامش:

  1. محمد عبدالله دراز، الدين، 1969م، وهو ينقل عن معجم لاروس للقرن العشرين.
  2. تأملات في سلوك الإنسان، ص169.
  3. دراز، الدين، ص85.
  4. ابن القيم، زاد المعاد، ص93، تحقيق: شعيب وعبد القادر الأرناؤوط، ط: مؤسسة الرسالة – بيروت، 1981م.

بواسطة |2022-02-16T12:36:14+03:00يوليو 17th, 2018|
اذهب إلى الأعلى