المهارات الإنسانية (1 من 2)

ما زال الأطباء عاجزين عن حماية العقل.. صحيح أن أعراض الأمراض العقلية وأنواعها المختلفة قد أُحسن تبويبها.. ولكننا نجهل طبيعة هذه الاضطرابات.. فنحن لم نستوثق بعد عما إذا كانت تُعزى إلى أمراض تصيب تركيب المخ.. أو إلى حدوث تغييرات في تركيب بلازما الدم.. أو إلى السببين معاً. ومن ناحية أخرى ما زال علم النفس يتعثر.. لصعوبة المادة التي تدرس وتعقيدها.

قوة التصور:

خصّ الله تعالى الإنسان بقوة التصور، وتلك ميزة منحه الله إياها، بها يستطيع أن يسبح بخياله في آفاق الكون الواسع، وأن يتصوّر أموراً بخياله قد لا يستطيع أن يصل إليها في عالم الحقيقة، وقد تضفي عليه سعادة وإن كانت مؤقتة.

والتصور كذلك يسبق أي فكرة يقدم الإنسان عليها قبل تحقيقها، فالمهندس قبل أن يخطط لبناء عمارة يتصورها أولاً ثم ينفّذ ما تصوره في ذهنه، وهكذا مؤلف القصة ومخرج الرواية والمشتغلون بالفنون الجميلة، كل أولئك وغيرهم يتصورون ما يقومون به أولاً ثم يبرزونه إلى حيز الوجود.

يقول كريسي موريسون في كتابه المشهور “الإنسان لا يقوم وحده”: (إن التصور هو من أعجب كفايات الإنسان، فهو في تصوره قد يسافر على الفور إلى حيث يشاء، والخطيب قد ينتقل بسامعيه إلى حيث يريد).

إن قوة التصور هذه هي مصدر سعادة للطفل؛ فهو يستخدمها في لَعِبِهِ كما يحلو له، وما عليك إلاّ أن تطّلع على ما يعتقده الأطفال في أنفسهم حين اللعب معاً، إن الغلام الذي يحمل على كتفه بندقية من الخشب قد يعتقد أنه جندي بالفعل.

والتعليم والتجربة والبيئة والمهارة، كلها قد تحيل الخيال الرائع إلى قطع فنية سواء أكانت رواية تمثيلية، أم لوحة رسم، أم جهازاً دقيقاً.

والأفكار إنما هي بنات التصور، فهي أسس العبقرية، وأعظم نتاج العقل البشري مثل الاختراعات والآلات الميكانيكية، والرياضة العليا إنما هي التحقيق النهائي لآراء انبعثت عن التصور.

فدعنا نعتقد أن تصورنا سيبلغ درجة الكمال، وأن الصم سوف يستمعون بالفعل أصواتاً جميلة تفوق ما يحلم به الإنسان، وأن البكم سوف يتكلمون بكل لغة، وأن العُمي سوف يبصرون كل عجيبة من عجائب خلق الله. وإذ ترتفع روح الإنسان الخالدة صوب الله، كاسبة في طريقها سعة من الفهم، إذ ترقى نحو الملكوت الأسمى.. فإن جمال خلق الله في العالم العادي يتباعد عن النظر كما تضمحل قصص الطفولة من ذهن الإنسان حين ينضج.

وهكذا تهبط الكرة الأرضية حقّاً إلى درجة التفاهة مع تأمل الكون، وفي روعة الإدراك الروحاني قد تصبح المادة مثل الظل الذي يبهت أمام الشمس.

وهكذا يستطيع الإنسان بكفايته الروحية أن يتصور القدرة الإلهية، ومع تطور الروحانية سيكون أقرب إلى إدراك جلال الخالق وقدرته وعظمته([1]).

الفكر:

ذلك الكائن العجيب الذي يعيش في أعماقنا دون أن يستهلك أي قدر قابل للقياس من النشاط الكيمائي. إن الفكر مخبأ داخل مادة حية.. يهمله الفسيولوجيون والاقتصاديون إهمالاً تامّاً كما لا يكاد يلاحظه الأطباء.. ومع ذلك فإنه أعظم قوة في هذا العالم.

فهل هو نتاج الخلايا العقلية مثلما ينتج البنكرياس الأكسجين؟! أم هل يجب اعتباره كائناً غير مادي يوجد خارج الفراغ والزمن، ويدخل نفسه في مُخِّنا بطريقة مجهولة لنا؟!

لقد أُوقف الفلاسفة العظماء في جميع الأزمان والبلدان على بحث هذه المعضلات، ولكنهم لم يصلوا إلى حلها.. ونحن لم نصل إلى حل حتى يمكن معه اكتشاف وسائل جديدة للتغلغل في عمق أبعد داخل الشعور.

عالمنا الذي نعيش واقعه هو ما ندرك وما نتجاوب معه، فالعصفور الغرّيد يعيش بصورة عامة في عالم الأصوات والرؤى، بينما يعيش الكلب غالباً في عالم الشمّ والروائح. وقد يختلف الإنسان عن الحيوانات بكونه أكثر استقلالية عن الانطباعات الخارجية، إلا أن هذا الاستقلال ليس كاملاً، وهذا ما تظهره حقيقة أن التوازن العقلي والمهارات الفكرية تتدهور بسرعة إذا بقيت الحواس عديمة النشاط.

وعلى الطريقة التي يختبر بها الكائن العالم الخارجي ويتفاعل معه، أن تكون بطبيعتها غير متعارضة مع بقائه وبقاء نوعه، والواقع أن لأدوات الحواس اللاقطة وارتباطاتها المركزية في الجهاز العصبي خواص بنيوية ووظيفية تمكّن الكائن من الاكتشاف والتجاوب مع نواحي البيئة الأكثر لزوماً لعمله الوظيفي الفعال.

فمثلاً أطراف الأعصاب المتلقية للضوء في العين مضبوطة بحيث تناسب أطوال الموجات الضوئية الأكثر حدوثاً في المحيط الذي يقضي فيه الكائن حياته؛ وتدمج الطبقات العصبية لشبكيّة العين والدماغ هذه المعلومات في بينيات وظيفيّة؛ كذلك أطراف الأعصاب المتلقية للأصوات فهي مضبوطة على موجات معدّلة مهمة لنوع الكائن.

وتسهم القدرة على الإحساس بأصوات ذبذبتها (50.000) دورة في الثانية، في اكتشاف العوائق الصغيرة في مجال طيران الخفافيش، ولكن الإنسان ليس بحاجة لسماع هذه الأصوات؛ فجهاز سمعه معدل لذبذبات تتراوح بين عدة آلاف دورة في الثانية فقط.

وهذا الضبط الدقيق لآلة الدماغ والحواس بالنسبة لأوضاع محيطية دقيقة يرجع أصله للعمليات التلقائية التي “قَوْلَبتْ” النوع البشري في ماضيه التطوري. ففي كل كائن فرد تظهر هذه الخواص من خلال ارتباطات عصبية متوضعة حسب أنماط خاصة بتأثير الإثارات التي يتلقّاها إبّان فترة نموه.

وتستطيع التأثيرات المبكرة للمحيط أن تتدخل أيضاً في اكتساب التجارب الجديدة، ومثاليّاً يجب أن يبقى الإنسان قادراً على تلقي الإثارات الجديدة من الأوضاع المستجدة لكي يستمر نموه، ولكن تتناقص القدرة علميّاً على إدراك العالم الخارجي مع تزايد الأفعال الشرطية في الحواس والعقل مع مرور الزمن. فالتلقي الكامل هو من امتيازات عهد “الولدنة”، وهناك قليل من البالغين الذين يحتفظون أو يستعيدون قدرة الإدراك المباشر التي تخوّل الأولاد رؤية الأشياء كما هي. ومن هنا كان ما قاله (بودلير) حقيقة بيولوجية عندما ذكر أن “العبقرية هي الطفولة المستعادة”.

وتوحي الدراسات الحديثة أن انطباع التأثيرات المبكرة قد لا يكون ثابتاً غير قابل للتغيير كما هو الاعتقاد العام الذي كان سائداً، وبالإمكان محو هذه الانطباعات بطرق نفسانية متعددة أو ربما بواسطة العقاقير. والحلم القديم في “نبع الشباب” قد يكتسب معنى جديداً أكثر غنى إذا ظهرت أساليب مقبولة لإعادة حالة التلقّي الكامل للبالغين، فاستعادة “الولدنة” بالمعنى الذي قصده (بودلير) قد تعني عندئذٍ اكتساب القدرة على إدراك العالم الخارجي مباشرة.

وباختصار يمكن الافتراض منطقيّاً أن كل التغيّرات في أساليب الحياة -وليس فقط التقنية والمعلومات العلمية- تبدّل باستمرار العالم المدرك من قبل الكائن النامي، وتظهر أنماط سلوكية جديدة ومشاكل جديدة و”تأقلمات” اجتماعية لا بد منها بسبب التغيّرات البيئية.

وفي التحليل النهائي تبرز الفردية بالتدريج من الأسلوب الذي يحوّل به كل فرد خبرات جسمه وعقله إلى معلومات تتماسك في بنية يستطيع الاستفادة منها في العمل وفي مزيد من النمو([2]).

تأثير الفكر على الأعضاء:

من الواضح أن النشاط العقلي يتوقف على وجود النشاط الفسيولوجي، فكمال الجسم أمر لا مفر منه لظواهر الشعور، لأن الإنسان يفكر ويخترع ويحب ويصلي ويتألم ويبدي إعجابه بعقله وجميع أعضائه.

ومن المحتمل أن لكل حالة عضوية تعبيراً عضويّاً ويتصل بها، فالعواطف، كما هو معروف جيداً، هي التي تقرّر تمدُّد أو تقلُّص الأوردة الصغيرة عن طريق الأعصاب المحركة، فهي إذن تقترن بتغييرات في دورة الدم في الخلايا والأعضاء. فالفرح يجعل جلد الوجه يتوهج، في حين يكسبه الغضب والخوف لوناً أبيض.. وقد تحدث الأنباء السيئة تقلصاً في الأوردة الجوفاء أو أنيميا القلب والموت المفاجئ في أشخاص معينين.

كما أن الحالات العاطفية تؤثر في الغدد كلها، وذلك بزيادة دورتها أو نقصها.. إنها تنبّه أو توقف الإفرازات أو تحدث تعديلاً في تركيبها الكيميائي.. فالرغبة في الطعام تثير اللعاب حتى ولو لم يكن هناك أي طعام.. فبعض الكلاب كان لعابها يسيل على أثر سماعها صوت جرس لأن جرساً دُقّ قبل ذلك، حينما كانت الحيوانات تطعم.

وقد تؤدي العاطفة إلى إثارة نشاط عمليات ميكانيكية معقدة؛ فحينما يثير الإنسان عاطفة الخوف في قِطّ، فإن أوعية غدد “السوبر أرينال” تتمدد، وتفرز الغدد الأدرينالين، ويزيد الأدرينالين ضغط الدم وسرعة دورته ويهيئ الجسم كله إما للهجوم أو الدفاع([3]).

وفي استطاعة الفكر أن يولد أمراضاً عضوية بصفة عامة.. ومن ثم فعدم استقرار الحياة العصرية والانفعال الدائم وانعدام الأمن، ذلك يحدث حالات من الشعور ويجلب الاضطرابات العصبية والعضوية للمعدة والأمعاء.. وما أمراض الكلى والمثانة إلا النتائج البعيدة لعدم التوازن العقلي والأدبي.

فمثل هذه الأمراض تكاد تكون غير معروفة في الجماعات التي تحيا حياة بسيطة خالية من الانفعال والقلق.. وكذلك الأشخاص الذين يحافظون على سلامهم الداخلي وسط ضوضاء المدينة الحديثة يكونون محصنين ضد الاضطرابات العصبية والعضوية.

ليس العقل قويّاً كالجسم.. والعجيب أن مرضى الأمراض العقلية يفوقون عدد الأمراض الأخرى مجتمعة. ففي الولايات المتحدة مثلاً.. يبلغ عدد مرضى الأمراض العقلية (8) أضعاف عدد مرضى الأمراض الصدرية.

وما زال الأطباء عاجزين عن حماية العقل.. صحيح أن أعراض الأمراض العقلية وأنواعها المختلفة قد أُحسن تبويبها.. ولكننا نجهل طبيعة هذه الاضطرابات.. فنحن لم نستوثق بعد عما إذا كانت تُعزى إلى أمراض تصيب تركيب المخ.. أو إلى حدوث تغييرات في تركيب بلازما الدم.. أو إلى السببين معاً. ومن ناحية أخرى ما زال علم النفس يتعثر.. لصعوبة المادة التي تدرس وتعقيدها.

كما أنه لا توجد فنون تسمح باستكشاف عالم الخلايا العصبية المجهول واتحاداتها والتراكيب النخاعية، وإن اكتشاف أسباب الأمراض العقلية أهم بكثير من اكتشاف طبيعتها.. إذ إن مثل هذه المعلومات تستطيع أن تقودنا إلى طريق منع هذه الأمراض.

ويجب علينا أن نستوثق من تأثير الحياة العصرية على العقل.. فيبدو أن الحياة الجديدة التي فرضت على الإنسان.. تميل إلى تعديل الجهاز العصبي تعديلاً ليس في صالحه.

إن الحياة العصرية تخفي نقصاً جوهريّاً؛ ففي البيئة التي أوجدتها التكنولوجيا، تنمو وظائفها النوعية نموّاً غير كامل، فعلى الرغم من عجائب الحضارة العلمية، فإن الشخصية البشرية تميل إلى الانحلال.

الذكاء:

وجود الذكاء نظرية أولية أوجدتها الملاحظة، والذكاء قدرات عقلية قابلة للقياس ولها معاييرها الخاصة، وقد أدّت هذه المقاييس للذكاء إلى إظهار أن الأفراد مختلفون في قوة الذكاء، ولكن سواء كانت هذه القوة عظيمة أو ضئيلة فإنها تحتاج إلى التدريس والعناية، كما أن الذكاء يضعف ويضمحل بالإهمال وعدم الممارسة، كما أن استخدام اللغة الحسابية وملاحظة الأشياء ملاحظة كاملة دقيقة تعتبران أيضاً إحدى مؤشرات الذكاء.

ومن الواضح أن الاكتشافات الكبيرة ليست نتاج العقل فقط.. إن العباقرة يملكون بجانب قوتهم على الملاحظة والفهم صفات أخرى مثل البصيرة والخيال المبدع، فعن طريق البصيرة يتعلمون أشياء يجهلها الآخرون، ويقيمون علاقات بين الظواهر شبه المنفصلة.. كما يحسون بطريقة لا شعورية بوجود الكنز غير المعروف؛ فالعالِم النابغة يسلك بالغريزة الطريق المؤدي إلى الاكتشاف، ولقد كان يطلق على هذه الظاهرة في الماضي اسم “الإلهام”.

الهوامش:

[1]       نعم الله في خلق الإنسان كما يصورها القرآن الكريم، د. عزت محمد حسن، ص 108–109.

[2]       إنسانية الإنسان، رينيه دوبو، ص 161–162.

[3]       الإنسان ذلك المجهول، إلكسيس كاريل، ص 116. ')}

بواسطة |2022-02-11T15:50:14+03:00يوليو 17th, 2018|
اذهب إلى الأعلى