الله يبدأ الخلق ثم يعيده

اقباس(تغيير الصورة)

بدأ علماء الكونيات يتحدثون عن بداية الكون ويعترفون بالخلق من عدم. ولقد قال ربنا – من قبل – وقوله الحق –: إن هذا الكون ليس أبديّاً بل خلق لأجل مسمى، وإن مادة الكون وطاقته خلقت من عدم، كما ورد في القرآن الكريم: (بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) (البقرة: 117) (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور) (الأنعام: 1). ويفكر المختصون الآن بعمق في المشاكل التي أثارها العلم بشأن المصير المتوقع للكون، والكون هو الحدث، وهو مفرد أكوان، كما أنه مصدر عالم الوجود الكوني (UNIVERSE) وهو يشمل السماوات والأرضين والفضاء وما يحتويه وما وراءهما جميعاً من مجهول، وهو خلق عظيم جدّاً لا نستطيع أن نتصوره بعقولنا، كما لا تستطيع المعادلات الرياضية أن ترسم نهايته. ويقول العلماء إنه رغم أن المستقبل البعيد للكون غير مؤكد فهناك عدة احتمالات تدل على نهايته، فقد تتجمع النجوم في كل مجرة لتتحول جميعها إلى ثقب أسود! كما يتوقع علماء الفيزياء تحوّل الثقوب السوداء إلى إشعاع!

وهناك من بين الأفكار الواردة ما يعتقده العلماء من أن البروتون وهو أصل المادة ما هو إلا جسيم مشبع ذاتيّاً؛ وبذلك فإن مصير ذرات المادة في هذا الكون والتي يقدرها العلماء بأنها (7810 ) إلى الزوال والفناء والتحول إلى إشعاع بعد بلايين السنين! كما يثير هؤلاء العلماء أيضاً قضية وجود المادة المضادة! ويتساءلون لماذا لا نفترض وجود مجرات كاملة من المادة المضادة بنفس مقدار المجرات المصنوعة من المادة العادية! وأن هذين النوعين من المادة والمادة المضادة تكوّنا عند نشأة الكون – كما في الآية الكريمة : (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون) (الأنبياء: 30)، وهو الذي يسميه العلماء (الانفجار العظيم) (big bang) – بنفس المقدار وهما حاليّاً يتباعدان، ولكنهما سوف يلتقيان عند انكماش الكون في المستقبل مما سيؤدي حتماً إلى زوال هذا الكون بتحوله إلى إشعاع ناتج من التقاء المادة بالمادة المضادة.

وفي الوقت الحاضر وفي وسط هذا الكمّ الهائل من التوقعات فإن الاكتشافات العلمية الجديدة في علوم الفيزياء والفلك قد تزيح الستار عن بعض هذه الأمور الغامضة! ولكن ما يهمّنا الآن هو اعتراف العلماء اعترافاً صريحاً بأن الكون الحالي سوف ينتهي وأنه ليس أزليّاً؛ فالنجوم لا بد وأن تنطفئ لأن مصير وقود الهيدروجين إلى النفاد، وستموت جميع النجوم وستنتهي الحياة كلها من جميع الكواكب، بل وقد تموت المادة نفسها ويتحول الكون كله إلى إشعاع!

فتأمل -أيها القارئ- الزوال المتوقع للكون طبقاً للآية القرآنية التالية حيث يقول تعالى: (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده) (فاطر: 41). وربما يرتبط مفهوم الزوال علميّاً بوجوده المادة والمادة المضادة كظاهرة كونية ضمن معاني الآية القرآنية التالية: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكّرون) (الذاريات: 49).

آيات الخلق والإعادة:

وقد يجدر بنا أن نذكر في هذا الصدد آيات أخرى تحمل معنى الخلق والإعادة للكون والمخلوقات جميعها، صغيرها وكبيرها في السماوات أو في الأرض. ومن المعلوم أن من أسماء الله تعالى الحسنى : المبدئ المعيد، وفيما يلي بعض هذه الآيات: (إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط) (يونس: 4) (أمّن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) (النمل: 64)، (أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير. قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير) (العنكبوت: 19-20)، (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم) (الروم: 27). (إنه هو يبدئ ويعيد) (البروج: 13) (قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنّى تؤفكون) (يونس: 34). هذه الآيات الكريمة تعيد على مسامعنا وعلى تصورنا موضوع بدء الخلق ونهايته- وإن تكرّر ذلك في مواضع مختلفة وبصور متباينة -لتنبهنا إلى أهمية هذا الحدث في وجودنا وفي وجود الكون كله. والمعنى العام الذي نفهمه هنا من بدء الخلق هو بدء خلق الكون بكل ما فيه، مما نراه بأعيننا المجردة ومما لا نراه حتى بأقوى التلسكوبات والميكروسكوبات، وربما لن نستطيع أن نراه في المستقبل، ومما نعلمه بعلمنا وتوصلنا إليه بمنطقنا وبحساباتنا، ومما لا نعلمه بهذا العلم وقد يظل سرّاً من أسرار الخلق والخالق. والبشر ابتداءً لم يشهدوا خلق هذا الكون ولا خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم. قال تعالى: (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلّين عضداً) (الكهف: 51). وهذا هو المعنى العام لبدء الخلق وهو المعنى الذي نفهمه من الآية الكريمة: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين) (الأنبياء: 104).

لقد قدرت أبعاد هذا الكون بحوالي 20.000 مليون سنة ضوئية، والسنة الضوئية تقدر بـ 1310 كم، وكتلته بأكثر من (5510) (10.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000) طنّاً، وهذا الرقم أكبر من وزن الكرة الأرضية بـ (3310) (1.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000) مرة، وحجمه أكبر من حجم الأرض بـ (5810) (10.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000.000)

مرة، ليبدو في يد خالقه كصحائف الكتاب في يد قارئه، وهو تشبيه رائع يحتاج منا أن نقف أمامه نتأمله ونتدبره.

وتخبرنا الآيات الكريمة أنه مهما اتسع الكون، وكثرت محتوياته، وثقل وزنه، وكبر حجمه، واتسعت آفاقه، فهو لن يكبر أو يستعصي على خالقه بل سيطويه في سهولة ويسر كما يطوي صاحب السجل صحائفه، ويؤيد لنا العزيز القدير هذه الحقيقة في آية أخرى بقوله: (أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير). وفي آية أخرى (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض). ويتم ذلك بنفس الطريقة التي خلق بها السماوات والأرض عندما انقادت كلها لمشيئته وقدرته ابتداء (فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين).

كما تشبّه لنا الآيات الكريمة الكون بالصحائف المستوية، وقد يكون الكون مستوياً فعلاً وهي الحالة بين الكون المنغلق والمنفتح عندما تكون كثافة الكون تساوي الكثافة الحرجة، وهذا ما يرجحه كثير من الفلكيين. وقد يبدو لنا الكون مستوياً – وإن كان حقيقة غير ذلك – بسبب ضخامة حجمه كما بدت الأرض لسكانها مستوية حتى اكتشفوا كرويتها بعد عشرات القرون. وهنا نرى مدى قرب تشبيه الكون لصفحات السجل، استواء نراه في الكون من كل جانب حتى يخيّل لنا أنه مستوٍ فعلاً – وقد يكون كذلك – لاستواء الصحائف. ويربط أذهاننا ثالثاً بعملية انكماش الكون وانهياره فتشبيه طيّ الكون بطيّ الصحائف هو تشبيه تفوق روعته أي وصف، ولا يمكن أن يصدر إلاّ من الحكيم العليم الذي خلق هذا الكون، فبعد تمدد الكون واتساعه على ما هو عليه الآن – أو إلى ما سوف يصبح عليه في المستقبل – يطوي الخالق هذا الكون بكل ما فيه من قوى المادة والطاقة فيعود هذا الشيء الذي كبر واتسع إلى ما كان عليه، وهكذا فكأننا نشاهد أمام أعيننا فيلماً معكوساً لتمدد الكون؛ نرى نجومه في اقتراب مستمر ومجراته تنضغط وتنكبس ويصغر حجمها والكون ينطوي إلى ما كان عليه، ثم يجيء بعد ذلك التأكيد أنه هكذا بدأ الكون وهكذا سينتهي على ما كان عليه في البداية. قال تعالى: (كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين) (الأنبياء: 104). لقد كانت هذه إرادة الخالق قبل نشأة الكون أنه يعيده في يوم من الأيام إلى ما كان عليه في البداية، إلى نقط لانهائية الكثافة ودرجة الحرارة أو إلى شيء آخر لا يعلمه إلا هو سبحانه. ألم يقل الله تعالى: (ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى) (الروم: 28).

وهذه العملية المسماة الانسحاق الشديد (The Big Crunch)، والآية الكريمة السابقة من سورة الأنبياء تصف وصفاً إجماليّاً غاية في الدقة والإحكام والإيجاز، فالعرب كانوا قديماً يكتبون العقود والمواثيق والعهود في ورقة ثم يطوونها، وهذا هو طيّ السجل لما هو مكتوب، كذلك فإن غلاف الكتاب يطوي صفحات الكتاب في عملية إغلاق لمحتواها، وعملية الانسحاق الشديد عملية مشابهة لعملية طي السجل للكتابة المدونة فيها، أو طي الكتاب لصفحاته. وهي -ولا شك- دقة بالغة، وصورة من صور الإعجاز القرآني المبهرة التي سبق بها جميع النظريات أو الدراسات التي قام بها العلماء في زمن ثورة العلوم والمعرفة. ويأتي العلم في نهاية القرن العشرين ليستنتج من عملية توسع الكون الحالية نهاية مشابهة تماماً لما أخبرنا به ربنا تبارك وتعالى في محكم كتابه منذ ألف وأربعمئة سنة.

إن عملية انكماش الكون وانهياره على نفسه، هذا الانهيار الهائل إلى نقطة بدايته لهو أقرب تفسير يستطيع العلم أن يقدّمه حاليّاً لطيّ الكون أو طي السماء إلى ما كانت عليه في بداية الخلق، ومع ذلك فهناك بعض الملاحظات التي يجب أن نأخذها في الاعتبار:

الأولى: التعبير العلمي أو الإنساني لعملية الانكماش الذي يتبعه انهيار هائل هو انعكاس لما يراه أو يتصوره الإنسان في هذا الحدث الهائل من قوة  وعنف تفوق مقدرته وطاقاته بل وخياله -كمخلوق يعيش فوق هذا الكوكب الذي هو أحد الكواكب التابعة للشمس والتي تعتبر واحدة من بلايين النجوم التي تقع في أحد أجنحة مجرة درب التبّانة والتي هي واحدة من حوالي 10.000 مليون مجرة في هذا الكون – عندما يحاول وصف نهاية هذا الكون وما يحتويه!

ومن ناحية أخرى نرى في التعبير القرآني لطي السماء أو الكون هدوءاً يعكس مقدرة الخالق المقتدر والذي يصدر منه هذا الحديث، فنهاية الكون كله بالنسبة إليه أمر يسير وهي ليست أكثر من عمل سهل هيّن نقوم به نحن كل يوم ألا وهو طي بعض الصحف، ليس فيه عناء على الخالق، كما لا يسبب طيّ الصحف أي عناء لنا -ولله المثل الأعلى في السماوات والأرض.

الثانية: وطي السماء يوم القيامة هو عكس لحالة تمددها (وإنا لموسعون)، لكن عملية طي السماء لا تفيد في معناها زمنيّاً مثل الزمن الذي حدث فيه توسع السماء حيث يجب الانتباه إلى هذا جيداً. فالله سبحانه وتعالى القادر القاهر إذا قال لشيء كن فيكون. فإن كلمة (نطوي) تفيد الفعل في وقت قصير هو وقت الطي، أي نطوي حالاً، أما كلمة (لموسعون) فهي تفيد الاستمرار في التوسع، وهذا منذ اليوم الذي خلق الله فيه السماوات والأرض حتى يوم القيامة، وهو اليوم الذي يحدث فيه الطيّ بأمره تعالى. قال عزّ من قائل: (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) (الزمر: 67). قال المفسرون: السماوات مجموعات بقدرته سبحانه وتعالى. وفي الحديث الشريف: (يقبض الله تعالى الأرض ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض) رواه البخاري.

وبعد عملية الطي هذه، ما هو المصير الذي تؤول إليه السماء؟ هذا ما يخبرنا به سبحانه وتعالى بقوله: (يوم تُبدّل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار) (إبراهيم: 48). وهكذا فلن تعود السماء إلى العدم، ولكن ستُطوى إلى حدٍّ يعلمه الله عز وجل وحده، ثم ستبدّل السماوات بغيرها، فبعد الضعف الذي يحدث في السماوات، والتشقق الذي يطرأ عليها، سوف تفتح أبوابها بأمره سبحانه وتعالى وقدرته ثم تكشط وتنزع ثم يطويها الله الملك الجبّار، ثم سيبدلها الله سبحانه بسماوات غيرها لا نعلم عنها شيئاً لا شكلاً ولا كيفية.

الثالثة: وإذا كان انتهاء الكون حسب التفسير العلمي بانكماشه ثم انهياره يساعدنا في فهم الآية الكريمة وفي تفسير طي السماء الآن وإعادة الكون إلى ما بدأ منه، بل الأكثر من ذلك نجد فيه اتفاقاً كبيراً مع النص القرآني، فليس معنى ذلك أن هذا هو التفسير الوحيد للآية الكريمة، فالطي إلإلهي للكون يمكن أن يتخذ صورة نموذج الانكماش والانهيار، كما أنه من الممكن أن يتم ذلك بصورة أخرى قد نعلمها وقد لا نعلمها، ومن الممكن أن يكون ذلك الزمن الذي تستغرقه عملية الطي هو نفس الزمن الذي تستغرقه عملية الانكماش والانهيار، ونفس الزمن الذي استغرقته عملية التمدد والاتساع، أي حوالي (15000) مليون عام، وقد يكون أطول من ذلك أو أقل، وقد يتم في أقل من لمح البصر. قال تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون) (الزمر: 68). فالكون الذي يشمل كلاًّ من الفضاء والزمن معاً -وهما مخلوقات مما خلق الله- لن يستنكف أي منهما أن يؤدي مراسيم الطاعة والولاء الكاملين لخالقهما، فالذي خلق السماوات قادر على أن يعيد خلقهن أو أن يخلق مثلهن في نفس الصورة أو في صورة مختلفة في نفس الزمن أو في زمن آخر، (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاّق العظيم) (يس: -81) فلا بد لنا من أن نقدر الخالق – رب السماوات والأرض وفاطرهما – حقّ قدره : (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) (الزمر: 67).

وإعادة هذا الخلق كما خلقه الله أول مرة هو وعد إلهي – الله فاعله – ولن يخلف الله وعده. قال تعالى: (كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين) (الأنبياء: 104). وهو وعد لا يشمل السماوات والأرض فقط، بل يشمل سائر المخلوقات. وكما جاء في الحديث الشريف الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: “إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً” ثم قرأ قوله تعالى: (كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين). ألا إن أول الخلائق يُكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام.

وهكذا تصور الآيات الكريمة ملامح نهاية الكون .. وتداعيات ذلك .. وواسع علمه وحكمته وقدرته.

المراجع:

  • آيات قرآنية من مشكاة العلم / د. يحيى سعيد المحجري ص 58 – 61.
  • الكون والنظرية النسبية بين القرآن والنظرية / عبدو محمد خير الأحمر ص 103 – 105.
  • أبحاث الأستاذ الدكتور أنيس الراوي، رعد الخزرجي.