قوانين  الجاذبية والتوازن في الكون

كل ما في هذا الوجود يجذب الأشياء في الأرض أو في السماء، ولصغر ما تعودنا عليه من كتل على سطح هذه الأرض فقد صغرت قوى التجاذب حتى إننا لا نكاد نحسها.

والمرء سجين الجاذبية، فهو لا يستطيع أن يرتفع عن الأرض لأنه سجين لكل ما حوله مما هو ملقى على سطح هذه الأرض، وهذا سجن من نوع آخر، أسواره لا تمنع شيئاً لشدة ضعفها، وأشد منها الهواء في منع حركاتنا. وعلى ضآلة قوة الجاذبية وأثرها القليل في حركة الناس على الأرض، ولكنها جبّارة عارمة في السماء حيث الكتل عظيمة هائلة، وهي كذلك نافعة؛ لأن بها تمسك أجرام السماء بعضها بعضاً، وإلا انفرط نظامها.

ومدبّر الكون لم يقدر لها انفراطاً. ولهذا سنّ لها قانوناً .. لم يسنّه الإنسان، قانون المدبّر الأعظم والأوحد، لا يحتاج إلى نشر فهو في طبيعة الأشياء. وفي طبيعتها كلها وتنقاد له كلها، ولو أننا طلبنا برهاناً على وحدة هذا الوجود كله، وانتظامه في سلك واحد، لكان من أول البراهين التي يلقى بها على مائدة البحث قانون هذا التجاذب الذي يعمل في صمت في الأرض، والسماء، والهواء، والماء.

إن الذي يتحدى قانون الجاذبية فيمشي من فوق سطح بيت إلى الفضاء يهوي به هذا القانون فيدقّ على الأرض بعنقه، فلا يكاد يمهله ليدرك من عاقبة تحدِّيه لسنة الله شيئاً.

وللجاذبية ناموس كوني موجود في طبيعة الأشياء كلها، ويعمل في صمت في السماوات والأرض وما بينهما، فكلّ الأجسام المادية تتجاوب وفقاً لقانون معين.

هذه هي الجاذبية وقوانينها التي اهتدى إليها بذكائه العالم الإنجليزي نيوتن (1642-1727) والذي كان يعيش في حيرة من هذا الأمر بقوله: (إنه لأمر غير مفهوم حقًّا أن نجد مادة هامدة لا حياة فيها ولا إحساس تشد مادة أخرى دون أيِّ رباط بينهما).

ووصل نيوتن من خلال قوانين رياضية إلى القانون العام للجاذبية الذي ينص على أن: (كل جسمين في هذا الكون يجذبان بعضهما بقوة جذب متبادل، وهذه القوة تتناسب طرديًّا مع حاصل ضرب الكتلتين المتجاذبتين وعكسيًّا مع مربع المسافة بينهما).

فإذا ضاعفنا كتلة أي جرم تضاعفت القوة، وأما إذا ضاعفنا المسافة بينهما، فإن القوة تنقص إلى الربع.

والجاذبية ناموس إلهي مشمول بالنفاذ الفوري وبغير تحقيق ولا تدقيق. فالطائر عندما يموت يهوي إلى الأرض، ورفع الحجر يتطلب مجهوداً والصعود إلى الجبل أشق من النزول، وكل هذا بفعل الجاذبية.

ولقد تم تطبيق قانون نيوتن للجاذبية في دراسة علم الفلك والتنبؤ بعودة مذنب هالي أعوام (1758، 1834، 1910، 1986) أي مرة كل 76 عاماً، وفي اكتشاف الكواكب الأخيرة مثل نبتون، وبلوتو في المجموعة الشمسية، وما زال القانون مستخدماً حتى الآن في حساب مسارات سفن الفضاء كما حدث في رحلات أبولّو للقمر، وسفن فويجير للكواكب البعيدة بعد المشتري.

ونستنتج بذلك أن هناك بالفعل قوانين رياضية تم التعرف عليها حديثاً لتكون شاهداً على وحدانية الخالق، وعظمته، وحكمته، ويشير القرآن الكريم إلى هذه القوانين الفلكية في قول الله تعالى: (الشمس والقمر بحسبان) (الرحمن: 5).

لقد توقع نيوتن أن قوة الجاذبية تؤثر على حركة الكواكب، وتجعلها تدور فعلاً في مسارات شبه دائرية (أهليلجية) فتمنعها من التعثر في الفضاء.

أما قوله تعالى: (والسقف المرفوع) (الطور: 5)، فبيّن لنا الله سبحانه وتعالى أن السماء رفعت فوق الأرض، وصارت كالسقف بالنسبة للأرض، وهنا نجد تشبيهاً حيث شبّه الله سبحانه وتعالى السماء والأرض بالبناء، فالسماء هي سقف هذا البناء وقد حفظه الله سبحانه وتعالى سقفاً محفوظاً؛ بحيث لا يمكن تجاوزه لإنس أو جن.

ويقول سبحانه وتعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف رفعت. وإلى الجبال كيف نصبت. وإلى الأرض كيف سطحت) (الغاشية: 17-20) فرفع السماء وبسط الأرض، مسألتان يجب التفكير والتدبر بشأنهما، فالأرض إهليلجية ولكن لكبر سطحها وعِظَمِهِ بالنسبة للإنسان صارت تبدو وكأنها منبسطة، وصار سطحها واسعاً عظيماً بالنسبة للإنسان ليتمكن من الحياة عليها، ورفع السماء فوق الأرض. قال عزّ من قائل: (أأنتم أشدّ خلقاً أم السماء بناها. رفع سمكها فسوّاها) (النازعات: 27-28) أي رفع سقفها وجعلها خالية من العيوب لا نقصان فيها.

إذاً: فالله سبحانه رفع السماء ووضع الأرض، وكما نرى فإن السماء بالنسبة للأرض كالسقف بالنسبة للبناء، ونعلم أن الأرض كروية الشكل تقريباً (مفلطحة)، إذاً: يمكن أن نستنتج بأن السماء تحيط بالأرض من الجهات كافة، وطبعاً دون أن تكون هناك أعمدة استناد للسماء على الأرض، وهذا ما يبينه الله سبحانه وتعالى لنا بقوله (بغير عمد ترونها) أي بأم أعينكم، قد رفعت كالسقف للأرض بدون أعمدة مرئية وهو دحض لمزاعم الكافرين أن السماء تحملها أعمدة فوق رؤوسهم.

قال تعالى: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها) (الرعد: 2) وقال تعالى: (خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) (لقمان: 10).

وهنا نحن نرى السماء بأعيننا (واللفظ لكل السماوات جميعاً)، والبشر على سطح الأرض ومن جهاتها كافة، فهم في أي مكان من سطح الأرض يرون السماء، فالسماء إذاً تحيط بالأرض فهي كالسقف بالنسبة لها.

إن الكواكب والنجوم على اختلاف أنواعها في السماوات تدور حول مراكز دوران معينة لكل منها، وأثناء الدوران تؤثر على كل جرم يدور قوتان متساويتان؛ حتى يبقى في مساره أثناء الدوران، وهاتان القوتان هما:

  • قوة جاذبة مركزية؛ فهي تجذب الجسم الدائر أو تشده نحو مركز الدوران.
  • قوة نابذة ناشئة عن سرعة الدوران تحاول إبعاد الجسم الدائر عن مركز الدوران.

وهاتان القوتان لو لم تكونا متساويتين، فإما أن يسقط الكوكب أو النجم على مركز دورانه إذا كانت القوة الجاذبة أكبر، أو سينفلت مبتعداً عن مركز الدوران ذاك الذي يدور حوله إذا كانت القوة النابذة أكبر.

والنتيجة في كلتا الحالتين انعدام النظام وحلول الفوضى، فعند تعادل هاتين القوتين، يبقى الجرم في مكانه النسبي بحركة دائرية منتظمة.

ولكن يلاحظ اقتراب الجسم من مركز الدوران، وبابتعاد الجسم تنقص سرعة دورانه، وتنقص معها القوة النابذة لتبقى معادلة للقوة الجاذبة التي نقصت بالابتعاد، وهذا هو النظام الذي وضعه الله سبحانه وتعالى في هذا الكون، وسيّر الله تلك الأجرام السماوية وِفقه؛ فالمسار ليس دائريًّا تماماً، بل هو بشكل إهليلجي، أو يمكن القول إنه قطع ناقص: ويخبرنا عزّ وجل بقوله عن ذلك النظام: (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً) (فاطر:41).

ولنتمعّن بدقة كبيرة في هذه الآية الكريمة لما لها من أهمية في معرفة الشكل الذي تأخذه السماوات. قال تعالى: (والسماء ذات الحبك) (الذاريات: 7).

يقول المفسرون: أي أن الله عز وجل يقسم بالسماء ذات الطرائق المحكمة، والبنيان المتقن. وقال ابن عباس رضي الله عنه: ذات الخلق الحسن المستوي.

وقد ورد في “مختار الصحاح” قول الفراء: الحبك: تكسّر كل شيء، كالرمل إذا مرّت به الريح (رمال الصحراء مثلاً)، والماء الساكن إذا مرت به الريح أيضاً يصبح ذا سطح ملتو فيه ارتفاعات وانخفاضات أو ما يعرف باسم أمواج فهو سطح متموج متجعد ودرع الحديد لها حبك أيضاً، والشعرة الجعدة تكسرها (تجعدها) حُبُك، وفي حديث الدجال: (إن شعره حُبُك) أي أجعد، أي أن شعره يلتوي التواءات عديدة.

إذاً: يمكن أن نفسر قوله تعالى: (والسماء ذات الحبك) أي يقسم سبحانه وتعالى بالسماء ذات الشكل المتجعد، حيث ترتبط السماء بعضها ببعض بإحكام وإتقان وقوة، حتى صارت كأنها النسيج المتين الشديد، ذات التواءات (وبنينا فوقكم سبعاً شداداً) (النبأ: 12).

ويشير الدكتور عبدو محمد خير الأحمر في كتابه (الكون والنظرية النسبية ص 99-100) في تفسيره لهذه الآية الكريمة إلى إمكان تفسير هذا التجعد بسبب شدة الجاذبية المحلية (المكانية)، وهذه المادة المكانية التي شوهت الفضاء الثلاثي الأبعاد الذي نعيش فيه، (جعّدته إلى بعد مادي رابع لاندركه بشكل مباشر (حسب النظرية النسبية)، ذلك البعد هو الزمن، وهكذا يمكن القول بأن الكتل تؤثر مباشرة في الزمان والمكان.

بينما يضيف الدكتور أحمد فؤاد باشا في كتابه (رحيق العلم والإيمان) حول تفسيره لنفس الآية: (والسماء ذات الحبك. إنكم لفي قول مختلف) (الذاريات: 7-8)، وقد جاء في التفسير أن الحبك جمع حبيكة: أي مسير النجم، وقيل: حبكها صفاقها، يقال في الثوب الصفيق حسن الحبك، وقال ابن عباس: ذات الجمال والبهاء، والحسن والاستواء، فإنها من حسنها مرتفعة وشفافة صفيقة، شديدة البناء متسعة الأرجاء، أنيقة البهاء، مكللة بالنجوم الثوابت والسيارات، موشحة بالكواكب الزاهرات. ويقال حبك الشيء: أحكمه. وقال سيد قطب رحمه الله: يقسم الله عز وجل بالسماء المنسقة المحكمة الترتيب، كتنسيق الزرد (أي الدرع) المتشابك المتداخل الحلقات .. وقد تكون هذه إحدى هيئات السحب في السماء حين تكون موشاة كالزرد، مجعدة تجعد الماء والرمل إذا ضربته الريح، وقد يكون هذا وضعاً دائماً لتركيب الأفلاك ومداراتها المتشابكة المتناسقة. فتبارك الله تعالى القدير ، الذي أوجد هذا الكون بإرادته المباشرة المطلقة، وجعل بناءه آية في الروعة والكمال، ليس فيه اختلاف ولا تنافر، ولا نقص ولا عيب ولا خلل، ولا شقوق ولا خروق ولا صدوع، وتمجّد الله الخالق الواحد الذي أخبر عن عظيم سلطانه وآثار قدرته، وبيّن غاية الإحكام والإتقان في بديع خلقه وباهر صنعته، فقال عزّ من قائل: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور. الذي خلق سبع سماوات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور. ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير) (الملك: 1-4).

قال ابن عباس ومجاهد: (هل ترى من فطور)، أي شقوق، وقال السدي: (أي من خروق) وقال قتادة: أي هل ترى خللاً يا ابن آدم؟ وقال الإمام الفخر في تفسيره الكبير: المعنى أنك إذا كررت نظرك لم يرجع إليك بصرك بما طلبته من وجود الخلل والعيب، بل رجع خاسئاً مبعداً لم ير ما يهوى من الكلال والإعياء.

وقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى في مواضع مختلفة، ونبّه العباد إلى الحكمة السامية وراء التناسق والإبداع في خلق هذا الكون، وذلك في مثل قوله تعالى: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزينّاها وما لها من فروج) (ق: 6)، وقوله سبحانه: (الذي أحسن كل شيء خلقه ..) (السجدة: 7)، وقوله جل شأنه: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) (القمر: 49)، وجاءت الإشارة إلى حدوث الانفطار أو الانشقاق في الكون عندما أخبر الله –سبحانه وتعالى – عن علامات الساعة وأهوال يوم القيامة، وذلك في مثل قوله: (إذا السماء انفطرت) (الانفطار: 1)، وقوله: (إذا السماء انشقت. وأذنت لربها وحقت) (الانشقاق: 1-2)، وقوله: (وانشقت السماء فهي يومئذ واهية) (الحاقة: 16)، وقوله: (اقتربت الساعة وانشق القمر) (القمر: 1).

كما يشير الدكتور خالد فائق العبيدي في كتابه (المنظار الهندسي للقرآن الكريم ص 565) إلى الآية السابقة وهي قوله تبارك وتعالى: (والسماء ذات الحبك) (الذاريات: 7).

والحبك هي الطرائق أو الطرق المحكمة الخلق، وهي ما اكتشفه العلماء مؤخراً في الطبقات السفلى من الغلاف الجوي، وأسموها (مواسير التنفس) وتوصلوا إلى معرفة وظيفتها، وهي تخليص الغلاف الجوي من الغازات المتأينة التي تدخله مما يحدث فوق سطح الأرض كانفجار البراكين، واحتراق النفايات، وعوادم المحركات والمصانع، وهي الغازات والنواتج والعوادم التي تقذف بها الرياح إلى الطبقات العليا من الغلاف الجوي، مصداقاً لقول الله تبارك وتعالى: (والمرسلات عرفًا) (المرسلات: 1)، فالله عز وجل يقسم في هذه الآية بالرياح العالية التي تعلو وترتفع حاملة معها هذه المواد الضارة، ولو أوقف الله سبحانه وتعالى عمل هذه (المرسلات) لبقيت هذه الغازات الخانقة والمواد الضارة والعوادم الخطيرة في طبقة التروبوسفير (الملامسة لسطح الأرض) وإلا اختنقت الأحياء وماتت.

وتتميز الطبيعة الفريدة لجو الأرض بكونها تحتوي على تركيز عال من الأكسجين الجزئي مقارنة بالأجرام الأخرى، ومن المعروف عند تزايد الأكسجين الجزئي المجتمع في طبقة الستراتوسفير (15-100) كلم فإن تركيز الأكسجين الثلاثي الأوزان (O3) يزداد أيضاً بشكل تدريجي، وبهذا يحمي الأرض من الأشعة فوق البنفسجية المؤذية، وهكذا نستيقن أن الميزان الإلهي محسوب للنجوم والكواكب التي تمتلئ بها السماء؛ فكل كوكب مثلاً ينجذب نحو الشمس بقوة الجاذبية ويتأثر بنفس الوقت بقوة مضادة تدعى القوة الطاردة المركزية نتيجة دورانه في فلكه، وتتساوى القوتان العمد (غير المرئي) والقوة الطاردة المركزية وكأنهما كفتا ميزان. ويدور الكوكب بذلك مستقراً في فلكه بحيث يتناسب مربع زمن دورته مع مكعب بعده عن الشمس، وبحيث يكنس الخط الوهمي الواصل بينه وبين الشمس مساحات متساوية في أزمنة متساوية. فقوة الشمس هي التي تجعل الشمس تمسك بالأرض فتدور حولها كما جعلت الشمس تمسك بعطارد والزهرة وجعلتهما يدوران حولها كلٌّ في مداره.

المراجع:

  • رحيق العلم والإيمان/ د. أحمد فؤاد باشا
  • للكون إله/ مصطفى الدمرداش
  • في ظلال القرآن/ سيد قطب
  • المنظار الهندسي في القرآن الكريم/ د. خالد فائق العبيدي
  • السماء في القرآن/ د. زغلول النجار
  • الكون والنظرية النسبية / د. عبدو محمد خير الأحمر

(الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها) [الرعد: 2]

اقتباس (تغيير الصورة)