القرآن .. كتاب الكون

اقتباس(تغيير  الصورة)

         الإسلام دين العلم، وليس من دين سماوي ولا شريعة أرضية أولت العلم تلك المكانة السامقة كما أولاها له الإسلام؛ فقد فتح الإسلام أبواب العلم على مصراعيه، وأفرد له مساحة واسعة في القرآن الكريم وفي أحاديث المصطفى r؛ وذلك في ألفاظ العلم ودلالاته والموضوعات التي تصدى لها.

وشملت دائرة العلم الكون كله، الذي أبدعه صانعه بقدر عظيم: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [البقرة:117]، {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة:7]، {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} [الفرقان:2]، {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49].

كما شملت الحياة كلها، والأرض كلها.. منذ خلْقها وحتى انقضاء أجلها.. برها وبحرها وجوها، طيورها ودوابها وحشراتها، جبالها وأنهارها ومياهها، ليلها ونهارها..

كما شملت الإنسان: خلقاً وتسوية وأمشاجاً ونطفة في الرحم، والمواد الأولية التي تكوّن جسده ويستفيد منها في بيئته الطبيعية، التي تتفاوت فيما بينها بنسب اختلاف قوانين كل مادة عن غيرها، كما شملت حركة (الإلكترون) في مداره، والطير صافات أجنحتها في جو السماء، والنمل في مساكنها في جحور الأرض، والنحل في بيوتها على رؤوس الجبال، والقمر يجري في فلكه المرسوم، والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم.

وهي جميعها خاضعة لدقة الإتقان الذي خضع له ناموس الكون: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ . عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد: 8-9].

كما تناولت أيضاً مئات الألوف بل اللانهاية من القوانين المادية بله السنن الكونية التي تضبط سير الحياة، وتفسّر الظواهر الطبيعية التي يدّبر بها الخالق أمر السماوات والأرض، وأمر الخلائق أجمعين.

وهذه السنن ثابتة، لا تغيير فيها ولا تبديل ولا تحويل: {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَحْوِيلاً} [فاطر:43].

وتبقى الآيات الكريمة التي تشير إلى هذه السنن الكونية حية نابضة مهما انفجرت المعارف الإنسانية وتوسّعت دوائرها.

ومن هذه السنن الكونية نجد ما يلي على سبيل المثال لا الحصر:

– سنن الله في توليد طاقة الرياح وطاقة الأنهار.

– سنن الله في طاقة النفط وطاقة الأخشاب والطاقة النووية.

– سنن الله في إنزال الحديد وتسخيره للبشرية.

– سنن الله في تسخير البحر، وقانون الطفو، والمد والجزر وجريان الفلك، والأمواج العلوية والداخلية.

– سنن الله في خلق الليل والنهار واختلافهما وتكويرهما وتقديرهما.

– سنن الله في خلق الضوء وانتشاره وانكساره.

– سنن الله في تسرب الحرارة وانتقالها والديناميكا الحرارية.

– سنن الله في الضغط الجوي والضغط الإسموزي.

– سنن الله في خصائص المواد وتشكيل المعادن وتكوّن البلورات والتحاليل الكيماوية.

– سنن الله في الأمواج الكهربائية والمغناطيسية والكهرومغناطيسية.

– سنن الله في تكون اتحاد ذرات الأكسجين والهيدروجين لتكوين الماء.

– سنن الله في تكوين الغازات وتحديد نسبها ومواصفاتها.

– سنن الله في نزول الماء من السماء وإسكانه الأرض، وتفجر الأنهار، والشلالات، والينابيع، وتكوّن الثلوج وتساقطها.

– سنن الله تعالى في تبخر الماء وسيلانه وتجمّده وتوتره السطحي.

– سنن الله في خلق المادة واتساع الكون.

– سنن الله في خلق الجاذبية الأرضية والجاذبية الكونية بين الكواكب والشموس والمجرات.

– سنن الله في إرسال الرياح وتصريفها وتلقيحها للسحاب وتقدير سرعاتها.

– سنن الله في تقدير أبعاد وأحجام وسرعة دوران ولمعان الكواكب والنجوم.

– سنن الله في خلق الإنسان، وتسويته وتحديد جيناته، والحامض النووي والشيفرة الوراثية، وتكوين خلاياه وأنسجته، وتشكيل سمعه وبصره وعقله ولسانه، وتزويده بالمهارات والقدرات.

– سنن الله في بث الدواب والأنعام والطيور في السماء، والحيوانات البحرية، وتشكيل أمم الدواب لغة ومنطقاً، ودورة حياتها والعناية بأبنائها وبناء مساكنها أو بيوتها وأعشاشها.

– سنن الله في مد الأرض وبسطها وجريانها وتذليلها للإنسان، وتشكيل القارات وتكوين الجبال، وشق الأنهار، وجعل السبل فيها.

– سنن الله في جريان الشمس ومنازل القمر وكسوف الشمس وخسوف القمر.

– سنن الله في تحديد الشيفرة الوراثية للنباتات والأشجار ونموها وازدهارها وتنوع ثمارها واختلاف ألوانها وتساقط أوراقها وفلق حبها ونواها.

وهناك ما لا نهاية له من هذه السنن الكونية. قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا في الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان:27].

وإن ثبات هذه السنن الكونية أو القوانين المادية التي أودعها الله في مخلوقاته كلها هو سرّ تقدّم المدنية وتطوّرها المادي، ولو اضطربت هذه السنن لعمّت الفوضى الكون كله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ الله لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ الله رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء:22]. ومن أجل ذلك قدَّر الخالق العظيم أفلاك كلٍّ من الأرض والشمس والقمر -وهي من أعظم المخلوقات المادية التي يعيش الإنسان في ظلالها وتؤثر في طبيعة حياته- ضمن نظام إلهي كوني صارم: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ . لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 38-40].

ومن ثم يقوم المنهج القرآني العلمي على ربط هذه السنن بمصدرها الرباني الذي أوجدها وقدّرها وأحسن تقديرها، فالله بديع السماوات والأرض، وهو فاطر السماوات والأرض، وهو الذي خلق كل شيء فقدّره تقديراً، ووسع كل شيء حكمة وعلماً.

والإسلام ليس مجرد مجموعة من المعتقدات والشعائر، وإنما هو نظام كامل لحياة البشر يصوغ أفكارهم وعقولهم ويوحّد مشاعرهم، ويرفع شأن اهتماماتهم ومثلهم العليا في الحياة.

وهو سبحانه عندما يعرض صفحات هذا الكون الذي خلقه وحده: {الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد:16] ما دقّ منه كالذرة والبعوضة والنملة والنحلة، وما عظم منه كالأشجار الباسقات وحيتان البحر والفلك الدوار، فهو يصف ذاته العلية على أنه فالق الحب والنوى وفالق الإصباح وخالق الذرة على ضآلة ثقلها، والشموس والنجوم على ضخامة حجمها وعظمة قدرها، وأنه خلق الأرض ومدّها وسطحها، وبثّ فيها ملايين الأنواع من الدواب والحشرات والأسماك، ومئات الألوف من أنواع النباتات والأزهار والأشجار والثمار.

{وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً} [الأنعام:96].

{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} [طه:53].

{وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً} [الأنبياء:32].

{الله الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ} [الرعد:2].

{وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً} [الرعد:3].

{وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الفرقان:48].

{الله الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ} [الجاثية:12].

{وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ} [إبراهيم:32].

{وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} [الفرقان:53].

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [فاطر:27].

{وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى} [النجم:45].

{وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} [النجم:49].

وكل ما نراه أو نشاهده أو نقرأه أو نسمع عنه هو جزء من آياته تعالى في الكون المنظور.

والقرآن الكريم يدعونا إلى تدبّر هذه الآيات المعروضة في الأنفس والآفاق، وعلى امتداد الزمان في الأرض أو في السماء:

{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ الله السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّى} [الروم:8].

{أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ الله مِنْ شَيْءٍ} [الأعراف:185].

{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} [الشعراء:7].

لقد مدح الله تعالى أولي الألباب الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأولِي الأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190-191]، {وَفِي الأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ . وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20-21].

وجعل هذا التفكر أسمى آيات العلم، وأرقى أنواع العبادة.. كما جعل تذوّق كتابه الكريم زاداً لا يشبع منه العلماء، ودعا إلى سعة العلم حيث وردت ألفاظ العلم والعلماء (786) مرة، ودعا إلى الفقه (21) مرة، ودعا إلى التفكر (18) مرة، ودعا إلى الحكمة (20) مرة، وإلى استخدام العقل (49)، وإلى القراءة والكتابة (423) مرة، وإلى استخدام ملكات النظر (130) مرة، والأبصار (148).

والرحمن هو الذي خلق الكون كله، وهو الذي خلق الإنسان بيديه، فسواه فعدله، ونفخ فيه من روحه، ورفع شأنه وأسجد له ملائكته، وعلّمه الأسماء كلها، وعلّمه البيان، وأودعه العقل، وميّزه على كثير من مخلوقاته، وذلّل له الأرض والأنعام والدواب، وسخّر له البحار والأنهار، والليل والنهار، والشمس والقمر، ومكّن له في الأرض، واستخلفه فيها، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وخلق عقل الإنسان وجعله آية ناطقة بطلاقة قدرته وعظيم حكمته، ووسّع له دائرة اهتماماته، وجعلها تتطلع إلى السماء وخالقها، والأرض وفاطرها، والنفس والذي سوّاها.

وجعل حسن استعمال الملكات العقلية وتوظيفها فيما خلقت له طريقاً تربط صاحبها بملائكة الله الكرام، وتوصل صاحبها المراتب العلى من الجنة.

وجعل طلب العلم طريقاً إلى الجنة، وجعل العلماء ورثة الأنبياء.

وجعل الراسخين في العلم هم الذين يعقلون آيات الله: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت:43].

وأنه سبحانه لا يشهد له بالوحدانية إلا الملائكة وأولو العلم، وبالتالي فإنه لا يخشاه حق خشيته إلا العلماء.

والخالق المدبر لم يترك الخلق وشأنهم، بل إن أمور الخلق، والكون كله بسماواته وأرضه ودوابه وبحاره ورياحه وأنهاره تسير حسب النظام الذي وضعه له وحسب السنن التي قدرها في الكون ولن تجد لسنة الله تبديلاً؛ فالله هو رب السماوات والأرض وما بينهما.

وأنه تعالى منّ على رسوله r بفضل العلم: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً} [النساء:113]، وطلب من رسوله أيضاً أن يستزيد دائماً من هذا العلم: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً} [طه:114]. وجعل سبحانه مداد العلماء يناظر دماء الشهداء يوم القيامة.

كما جعل من ملائكته وحملة عرشه وحيتان البحر والنمل في جحورها يستغفرون لمعلمي الناس الخير. ومنّ على خلقه بإنزال القرآن وجعله هدى للعالمين وأودع فيه من أسرار حكمته وأنوار علمه ولطائف قدرته، كما علَّم الخلق أسماءه وصفاته.

وإن العالم الذي نعيش فيه أكبر من أن ينحصر في عالم المشاهدات المحسوسة، أو المدارك البشرية المباشرة، فثمة عالم نفساني وعالم روحاني إضافة إلى العالم المادي، ومدارك البشر -مهما ارتفعت في مجال العلم والمعرفة- لا تستطيع أن تستوفي إدراك هذه العوالم بجملتها، فالعالم الطبيعي فيه من الظواهر ما لا يقع عليه الحس، والعقل الإنساني محدود فيما يدرك من أنواع الوجود، فحقيقة الألوهية، وحقيقة النفس وأحوالها، وحقيقة النبوة والبعث والآخرة، لا يدرك الإنسان منها إلا الشيء القليل، وهو ما أتيح له معرفته بطريق النقل وبشيء من الرياضة والتجربة.

وإن من معجزة القرآن أنها خالدة، وأنها تتجدد مع تقدم العلوم الكونية ومع كشف المزيد من حقائقها القطعية، وأن المكتشفات العلمية -سواءً منها ما يخصّ الأرض أو الإنسان أو الكون- تتطابق تماماً مع الآيات القرآنية ذات العلاقة، ولم يتمكن أحد من إيجاد خطأ علمي في آية واحدة، وكأن هذا القرآن أنزل في عصرنا ويخاطب جميع العقول والاختصاصات، وأن رسول الله r قائم في كل عصر يدعو الناس إلى دين الله ويريهم الدليل إثر الدليل على أن خالق هذا الكون هو منزّل القرآن: {الم . تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [السجدة: 1-2]، {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان:1].

ولما كان القرآن سباقاً للمكتشفات العلمية، فيثبت بذلك حقيقة ناصعة بأن هذا الكتاب الكريم هو كتاب أزلي وعلوي ومنزل من رب العالمين، على النقيض من كتابي التوراة والإنجيل الذين أخفقا في تقديم نصوص إعجازية في العلوم.