القرآن الكريم والعقل الكوني

اقتباس(تغيير الصورة)

العقل الكوني

قبل ألف عام قال الصوفي جلال الدين الرومي: ” لو فلقت الذرة لوجدت فيها نظاماً شمسياً”، وقبل أكثر من تسعمائة عام قال الصوفي فريد العطار: “الذرة فيها شمس ولو شققت الذرة وجدت فيها عالماً وكل الذرات في العالم في عمل لا تعطيل فيه”.

وذكر الصوفي ابن عربي أرقاماً عن الكواكب سماه الرقائق فيها فترات دوران الكوكب حول نفسه أو حول الشمس في الأيام أو الساعات وإن لم توضح في أقواله.

إن القرآن الكريم عقل كوني هذا ما توصّل إليه الحارث المحاسبي عن طريق المنطق الفلسفي العميق وبما أن الكون قائم في تركيبه على أسس عددية وكل الأنظمة الكونية محسوبة في تقديرات عديدة ومنطقية لذا وبالمقابل فإن القرآن في تركيبه قائم على أنظمة عددية ومنطقية بالمقايسة، ويصبح القول بأن القرآن عقل كوني والكون عقل قرآني حقيقة اكتشفها الحارث المحاسبي رغم إثباتها رياضياًّ من قبل الدكتور المهندس أحمد محمد إسماعيل في كتابه (أنظمة رياضية في برمجة حروف القرآن الكريم).

إن بريسلي في كتابه (الإنسان والزمن) يؤكد بقناعة أن هناك عقلاً كونياًّ، وقد أكد العلماء العرب هذه الحقيقة منذ زمن بعيد، ويمكن القول، ما دام هناك توافق بين بعض ثوابت الكون وثوابت القرآن، وما دام القرآن عقلاً كونياً والكون عقلاً قرآنياً فالمصدر الأساس للكون والقرآن هو الله القدير.

الكون كل ما فيه من حركة وزمن ومادة تحكمه كميات تقاس بالأعداد، قسم منها ثوابت، والقسم الآخر يعتبر من المتغيرات. فزمن دوران الأجرام السماوية حول نفسها وحول جرم آخر، والعجلة الأرضية كلها من الثوابت ولكن سرعة الرياح وأعمار الأحياء وفترات الأمطار كلها من المتغيرات على سبيل المثال، وإن الأهمية الكبيرة تعطى للثوابت.

إن اكتشاف أسرار هذه الثوابت يعطي دلالات في تفسير الخلق والكون، كما إن دراسة الثوابت وعلاقة بعضها مع الآخر يعطي الدليل القاطع بأن الحياة والكون لا يمكن أن يكونا صدفة إذا كانت العلاقة مبرمجة .. وإن كل حدث عندما يخضع في مقدرات خصائصه إلى ثوابت دائمة لا يمكن أن يكون قد حدث صدفة ولا يمكن أن يكون من صنع مخلوق، لأن المخلوق لا يستطيع صنع شيئ خالد لأنه فاقد لصفة الخلود.

فالصدفة لا تخلق نظاماً، وإن خلقته مرة في حدود فمن المستحيل أن تعمم الصدفة على أنظمة شاملة ودائمة. والصدفة التي تخلق نظاماً يكون احتمال الصدفة قائماً في إلغائها لهذا النظام وبذلك تنتهي صفة الاستمرار.

إن هناك آلاف القوانين الفيزيائية في الكون، ولكن عندما يجد العلماء أن قوانين حركة المياه الجوفية مماثلة لقوانين انتقال الكهرباء ومماثلة لقوانين انتقال الحرارة والمغناطيسية يتحتم علينا أن نقول إن هذا التماثل لا يمكن أن يكون صدفة ولا بدّ أن يكون واضع القوانين عن قصد ودراية، إذ لا يمكن لهذه القوى غير العاقلة أن تنسق مع بعضها وتتفق على أن يكون لها قوانين متناظرة.

إن الداروينية رغم المآخذ عليها قد وجهت الأنظار إلى حقائق لا يمكن تجاهلها وهو كيف أن الفقريات لها نفس الخصائص في عدد الفقرات والأصابع وعظام اليد والرقبة؟ كيف يمكن لآلاف الأنواع أن تتشابه في هذه الخصائص رغم أن كل نوع له طريقته الخاصة بالحياة ومنتشر في كل أرجاء المعمورة؟ لا بد أن واحداً هو الذي صمّمها حتى لو كانت من أصول واحدة.

ويبدو أن عنصر التماثل أو التناظر أحد القوانين الأساسية في الكون. والتناظر هو أن الكائنات من أحياء وجمادات، وبلّورات وذراّت، متناظرة أي يمكن أن يكون شكلها مكوناً من شكلين متشابهين عندما تقطع بمستوى معين. فالزهرة والحيوانات وورقة الشجر والإنسان والذرة والبلورة كلها متناظرة الأشكال.

ويبدو أن الجمال والتناظر متلازمان فكل جميل متناظر في معظم الأحيان والكون البديع الذي تحس بجماله الساحر في ليلة قمراء لا بد أن يكون متناظراً، وعنصر التناظر موجود في سور القرآن في مفردات حروفه وكلماته.

والتكوير والدوران عنصر آخر من عناصر الكون بل هو أحد قوانينه الأزلية. الدوران في بعض أجزاء الذرة وفي النجوم والمجراّت، في الأقمار والمذنّبات. الكل يدور باستمرار وبدون انقطاع وقد أفرد الله لهذه الصفة سورة خاصة في كتابه (سورة التكوير).

(لقد جعل الله في كتابه سوراً متناظرات كما تتناظر الزهرة في نصفيها والإنسان في جزئيه على جانبي مستوى عمودي يقطعه وكما تتشابه الفقريات في عظام هياكلها جعل الله السور القرآنية تتشابه في أحرف سورها وفق نظام يستند على أحرف الكلمة الأولى في السور).

(وكذلك الإمام الفخر الرازي رحمه الله صاحب كتاب التفسير الكبير وصاحب الموسوعة العلمية الكبيرة نراه يقول: ” إن لله كونين كون منظور وكون مقروء فكلما زاد علمنا بالكون المنظور ازددنا علماً بالكون المقروء”).

(وقد دعا الإمام الغزالي إلى فهم الظواهر الكونية ونواميس الله في الكون والإنسان ودراسة العلوم الهندسية والطبيعية والطب والحساب والفلك وغيرها على أن يصب هذا كله في مصب خدمة الدين وليس إثبات صحته، بل العكس هوالصحيح، وشبه من لا يعتقد بصحة الحقائق والإثباتات العلمية، بأنه لم يفهم الدين بشكله الحقيقي الواسع).

ومن أمثلة ذلك: نجد أن لفظة (يوم) قد ذكرت في كتاب الله (366) مرة وهي بعدد أيام السنة، ولفظة (شهر) مذكورة (12) مرة وهي بعدد الأشهر السنوية، وأن لفظة (أيام ويوم) جمعاً ومثنى وردت (30) مرة بعدد أيام الشهر، وأن الصلوات وردت (5) مرات بعدد الصلوات المكتوبات، وأن الألفاظ المترادفة أوالمتضادّة وردت كما يلي:

الصالحات والسيئات كل منهما 167 مرة.

الحياة ومشتقاتها والموت كل منها 145 مرة.

الدنيا والآخرة كل منهما 115 مرة.

الشيطان والملائكة كل منهما 88 مرة.

السر والجهر والعلانية 32 مرة.

الإيمان والكفر 17 مرة.

الرغبة والرهبة 8 مرات.

الرجل والمرأة 24 مرة.

الطيب والخبيث 7 مرات.

الأخ والأخت 4 مرات.

الإنفاق والرضا 73 مرة.

السحر والفتن 60 مرة.

البعث والصراط 45 مرة.

الفحشاء والبغي 24 مرة.

النور والظلمة ومشتقاتهما 24 مرة.

البر والثواب 20 مرة.

السمع والبصر 19 مرة

الضالّون والموتى 17 مرة.

الألباب والفؤاد 16 مرة.

البخل والحسرة 13 مرة.

الزكاة والبركة 32 مرة.

الصبر والشدة 103 مرات.

الشكر والمصيبة 75 مرة.

المراجع:

  • أنظمة رياضية في برمجة حروف القرآن الكريم/ د. أحمد محمد إسماعيل.
  • المنظور الهندسي للقرآن الكريم/ د. خالد فائق العبيدي.
  • العلوم الطبيعية في القرآن الكريم/ د. يوسف مروة.
  • المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم/ محمد فؤاد عبدالباقي.