ترافقت كلمتا السمع والبصر، في (38) آية كريمة، منها قوله تعالى: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة:9]، وقوله سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون:78].

جهاز السمع والبصر بالأرقام:

يوجد في القسم اللولبي للأذن (4000) قوس صغيرة متصلة بعصب السمع في الرأس، وفي الأذن (100000) خلية عصبية سمعية تنتهي بأهداب دقيقة وهذه الخلايا العصبية تستطيع أن تميز بين (34000) لحن مختلف.

وتستطيع الأذن المدربة أن تميز بين (2000) نبرة صوت ما لم يقل تردد الصوت عن (100) ذبذبة ولا يزيد عن (3000) ذبذبة/ث، وتتراوح الترددات التي تسمعها الأذن بين (16-20000) ذبذبة/ث.

كما تتراوح حدة السمع للأذن الطبيعية ما بين الصفر إلى الحد الأعلى الذي يسبب آلاماً حادة في الأذن (120-140) ديسبلاً، وهذا الفارق بين الحدّين يعادل (100) تريليون ضعف، وفي العين (300) مليون خلية عصبية بصرية.

وللبصر (18-34) مركزاً بالقشرة المخية لاستقبال المعلومات، وفي العين (140) مليون خلية ضوئية وتسمى بالمخاريط والعصي، حيث يبلغ عدد المخاريط في كل عين (7) ملايين، وعدد العصيات (130) مليوناً وتقوم جميعها بمهمة إرسال المجموعة التصويرية إلى المخ، والعصي خلايا شديدة الحساسية بحيث تظهر الضوء البالغ الضعف، لدرجة تصل إلى 1/مئة بليون جزء من الواط.

وتستطيع العين أن ترى في نور الشمس الساطع وفي نور القمر الباهت والنسبة بينهما (30000) مرة.

وخلق الله سبحانه وتعالى (24) عضلة لتحريك الحدقة وتقليبها ولو نقصت منها عضلة لاختل أمر العين.

قال تعالى: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} [الملك:23]، وقال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ الله فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس:31]، وقال تعالى: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} [هود:20]، وقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} [الإنسان:2].

ومن الملاحَظ في هذه الآيات أن كلمة “السمع” قد سبقت “البصر” وبلا استثناء، فلا بد أن نتساءل: هل لهذا السبق من دلالة خاصة؟ قد تبدو الإجابة عن هذا السؤال وللوهلة الأولى وعلى ضوء المعلومات الأولية التي نعرفها عن هذين الحسين صعبة وعسيرة الفهم، فمن المعلوم فسيولوجيّاً وتشريحيّاً أن العصب البصري الواحد يحتوي على أكثر من (1000000) ليف عصبي بينما لا يحتوي العصب السمعي إلا على (30000) ليف فقط، كما أن من المعروف فسيولوجيّاً أن ثلثي عدد الأعصاب الحسية في الجسم هي أعصاب بصرية، ولا يرد إلى الجسم من مجموع المعلومات الحسية عن طريق الجهاز السمعي أكثر من (12%) بينما يرد إلى الجسم عن طريق الجهاز البصري حوالي (70%) من مجموع المعلومات الحسية، إذاً لماذا هذا التقدم لحس السمع وإيراده قبل حس البصر في كل الآيات تقريباً؟ فلا بد أن هناك سبباً لم نعرفه بعد، ولكننا لو تبصرنا في الحقائق العلمية التي عرفت حديثاً في علوم الأجنة والتشريح والفسيولوجيا والطب لتمكنا من إيجاد الإجابات عن ذلك ولا تضح لنا الإعجاز العلمي في هذه الآيات الكريمة، فمما عرفناه حتى الآن من هذه الحقائق:

1- تطور حاستي السمع والبصر:

تتطور آلتا السمع والبصر في وقت متزامن تقريباً في الحياة الجنينية الأولى إذ تظهر الصحيفة السمعية في آخر الأسبوع الثالث (Otic Placode) وهي أول مكونات آلة السمع، بينما تظهر الصحيفة البصرية في أول الأسبوع الرابع من حياة الجنين.

وتتطور الأذن الداخلية للجنين من هذه الصحيفة السمعية، فيظهر في الأسبوع الرابع الكيس الغشائي لحلزون الأذن (Membraneous Cochlea) الذي ينمو طوليّاً ويلتف لفتين ونصف مكوناً الحلزون الكامل في الأسبوع الثامن، ثم تتم إحاطة الحلزون بغلاف غضروفي في الأسبوع الثامن عشر، وينمو هذا حتى يصل حجمه الحجم الطبيعي له عند البالغين في نهاية الأسبوع الحادي والعشرين، عندما ينمو فيه عضو “كورتي” (وهو عضو حس السمع) وتظهر فيه الخلايا الشعرية الحسية التي تحاط بنهايات العصب السمعي، وبذا تكون الأذن الداخلية قد نمت ونضجت لتصل إلى حجمها الطبيعي عند البالغين وأصبحت جاهزة للقيام بوظيفة السمع المخصصة لها في الشهر الخامس من عمر الجنين.

وهذا القسم من الأذن يتمكن منفرداً من التحسس للأصوات ونقل إشاراتها إلى الدماغ، لإدراكها دون أية ضرورة لمساهمة الأذنين الوسطى والخارجية من الأديم الظاهر والأذن الوسطى من الأديم المتوسط، فتتولد عظيمات وعضلات الأذن الوسطى وبوق “أوستاكي” وغشاء الطبلة والصماخ السمعي الخارجي خلال الأسابيع (10-20) ثم يتم اتصالها بالأذن الداخلية في الأسبوع الحادي والعشرين، كما يتوضح شكل صيوان الأذن في بداية الشهر الخامس ويتكامل نموه في الأسبوع الثاني والثلاثين.

أما العين فلا يتم تكامل طبقتها الشبكية الحساسة للضوء إلا بعد الأسبوع الخامس والعشرين، ولا تتغطى ألياف العصب البصري بالطبقة النخاعية لتتمكن من نقل الإشارات العصبية البصرية بكفاءة إلا بعد عشرة أسابيع من ولادة الجنين كما يبقى جفنا عيني الجنين مغلقين حتى الأسبوع السادس والعشرين من الحياة الجنينية.

2- تولد إشارات السمع والبصر في الجنين:

لقد ثبت علميّاً أن الأذن الداخلية للجنين تتحسس للأصوات في الشهر الخامس، ويسمع الجنين أصوات حركات أمعاء وقلب أمه، وتتولد نتيجة هذا السمع إشارات عصبية سمعية في الأذن الداخلية، والعصب السمعي والمنطقة السمعية في المخ يمكن تسجيلها بآلات التسجيل المختبرية، وهذا برهان علمي يثبت سماع الجنين للأصوات في هذه المرحلة المبكرة من عمره، ولم تسجل مثل هذه الإشارات العصبية في الجهاز البصري للجنين إلا بعد ولادته، كما أن من المهم أن نعرف أن الأصوات تصل الأذن الداخلية عادة عن طريقين:

الطريق الأول: هو طريق الأذن الخارجية ثم الوسطى، وكل منهما مملوء بالهواء في الإنسان الطبيعي.

الطريق الثاني: هو طريق عظام الجمجمة، فالاهتزازات الصوتية تنتقل بالطريق الأول بواسطة الهواء، وتنتقل بهذا الطريق بواسطة عظام الجمجمة، وهي ناقلة جيدة للأصوات، ولكن الأذن الخارجية للجنين مملوءة ببعض الألياف وبسائل “السلى” ولكن السوائل هي الأخرى ناقلة جيدة للأصوات، فعند غمر رؤوسنا بالماء عند السباحة نتمكن من سماع الأصوات جيّداً، من ذلك يتضح أن الجنين يمكنه أن يسمع الأصوات التي قد تصل إلى أذنه الداخلية إما عن طريق الجمجمة أو عن طريق الأذن الخارجية المملوءة بسائل السلى والأنسجة، ومن الناحية الأخرى لا يتمكن الجنين من أن يبصر خلال حياته الجنينية، لا لظلام محيطه فقط بل لانسداد أجفانه، وعدم نضوج شبكية عينيه، وعدم اكتمال العصب البصري حتى وقت متأخر من حياته الجنينية.

3- اكتمال حاستي السمع والبصر:

يمكن للجنين أن يسمع الأصوات بالطريقة الطبيعية بعد بضعة أيام من ولادته، بعد أن تمتص كل السوائل وفضلات الأنسجة المتبقية في أذنه الوسطى والمحيطة بعظيماتها، ثم يصبح السمع حادّاً بعد أيام قلائل من ولادة الطفل.

ومن الملاحظ أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يبدأ بسماع الأصوات وهو في رحم أمه، فجميع الحيوانات لا تبدأ بسماع الأصوات إلا بعد ولادتها بفترة، وفيما يلي بعض الأمثلة التي توضح ذلك:

الإنسان يسمع الأصوات قبل ولادته بأكثر من (16) أسبوعاً، وخنزير “غينيا” (قبيعة) يسمعها بعد ولادته بحوالي (5-6) ساعات، والقط يسمعها بعد ولادته بحوالي (5-6) أيام، والأرنب يسمعها بعد ولادته بـ(7) أيام، والكلب يسمعها بعد ولادته بـ (10) أيام.

أما حاسة البصر فهي ضعيفة جدّاً عند الولادة، إذ تكاد أن تكون معدومة، ويصعب على الوليد تمييز الضوء من الظلام، ولا يرى إلا صوراً مشوشة للمرئيات، وتتحرك عيناه دون أن يتمكن من تركيز بصره وتثبيته على الجسم المنظور، ولكنه يبدأ في الشهر الثالث أو الرابع تمييز شكل أمه أو قنينة حليبه وتتبع حركاتهما، وعند الشهر السادس يتمكن من تفريق وجوه الأشخاص، إلا أن الوليد في هذا السن يكون بعيد البصر، ثم يستمر بصره على النمو والتطور حتى السنة العاشرة من عمره.

4- تطور المناطق السمعية والبصرية المخية:

لقد ثبت الآن أن المنطقة السمعية المخية تتطور وتتكامل وظائفها قبل مثيلتها البصرية وقد أمكن تسجيل إشارات عصبية سمعية من المنطقة السمعية لقشرة المخ عند تنبيه الجنين بمنبه صوتي في بداية الشهر الجنيني الخامس، وتحفز الأصوات التي يسمعها الجنين خلال النصف الثاني من حياته الجنينية هذه المنطقة السمعية لتنمو وتتطور وتتكامل عضويّاً ووظائفيّاً، ومن الناحية الأخرى لا تنبه المنطقة البصرية للمخ في هذه الفترة بأية منبهات، ولذلك فهي لا تتطور كثيراً ولا تنضج ولا تتكامل، فمن المعلوم فسيولوجيّاً أن المنبهات النوعية التي ترد أي طريق عصبي حسي تحفزه على النمو والنضوج، وبهذه الطريقة يحفز الجهاز العصبي على النضوج منذ الشهر الخامس الجنيني ولا يحفز الجهاز البصري بمثل ذلك إلا بعد ولادة الوليد.

ولهذه الأسباب يتعلم الطفل المعلومات الصوتية في أوائل حياته قبل تعلمه المعلومات البصرية، ويتعلمها ويحفظها أسرع بكثير من تعلمه المعلومات المرئية، فهو (مثلاً) يفهم الكلام الذي يسمعه ويدركه ويعيه أكثر من فهمه للرسوم والصور والكتابات التي يراها، ويحفظ الأغاني والأناشيد بسرعة ويتمكن من تعلم النطق في وقت مبكر جدّاً بالنسبة لتعلمه القراءة والكتاب، وكل ذلك لأن مناطق دماغه السمعية نضجت قبل مناطقه البصرية، قال تعالى: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [الحاقة:12].

5- تطور منطقة التفسير اللغوي في قشرة المخ:

تنمو وتتطور منطقة التفسير اللغوي (geln) في قشرة المخ، والتي تقع بالقرب من منطقة حس السمع وترتبط معها ارتباطاً في أقرب وأوثق من ارتباطها مع منطقة حس البصر التي هي الأخرى تساهم في وظيفة الكلام والإدراك اللغوي عن طريق القراءة والكتابة.

إن هذا التقارب بين هاتين المنطقتين ناتج عن حقيقة تطور منطقة حس السمع ووظائفه في وقت مبكر، وقبل نضوج منطقة ووظائف حس البصر.

تقديم السمع على البصر في كل الآيات القرآنية:

لم يكن ذلك صدفة عابرة من غير قصد، ولكنه إعجاز رباني لم نهتد إلى معرفته إلا مؤخراً بعد سبر غور الحقائق العلمية الحديثة التي تثبت الإعجاز العلمي في هذه الآيات الكريمات.

بل إن الحديث النبوي قد تضافر مع آيات القرآن الكريم في تقديم السمع، كيف لا وهما من مشكاة واحدة، يقول الرسول r: “إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصوّرها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك”. (صحيح مسلم).

6- فقدان حواس السمع والبصر:

من المعروف فسيولوجيّاً أن المرء يفقد حس البصر قبل فقدانه حس السمع عند بدء النوم أو التخدير (البنج) أو عند الاحتضار قبيل الموت، أو عند هبوط ضغط الأكسجين في الهواء كما يحصل (مثلاً) عند الصعود إلى المناطق الجبلية العليا، أو عند الطيران في الأجواء العليا، أو عند فقر دم الدماغ (كما يحصل للصائم مثلاً إن ملأ معدته بغذاء وفير وبسرعة كبيرة، أو عند النهوض السريع والمفاجئ من وضع الاستلقاء) ففي كل هذه الحالات لا يفقد حس السمع إلا بعد فقدان حس البصر بفترة قصيرة.

7- تأثير السرعة والارتفاع على السمع والبصر:

يُولّد التسارع أو التعجيل الشديد عند الطيارين أو عند رواد الفضاء في أثناء الطيران والارتفاع السريع تجاذباً موجباً يؤثر على البصر ويسبب ضباب الرؤية قبل فقدانها تماماً والإصابة بالعتمة التامة، ولا يفقد الطيار في هذه الأحوال حس السمع كله بل يبقى جزء كبير منه لفترة تالية تبقيه باتصال صوتي مع المحطات الأرضية.

8- الساحتان السمعية والبصرية:

يتمكن الإنسان من سماع الأصوات التي تصل إلى أذنيه من كل الاتجاهات والارتفاعات، فيمكننا القول: “إن الساحة السمعية هي (360 ْ) بينما لو ثبت الإنسان رأسه في موضع واحد فلن يتمكن من رؤية الأجسام إلا في ساحة بصرية محدودة تقارب (180 ْ) في المستوى الأفقي و (145 ْ) في الاتجاه العمودي، أما ساحة إبصاره للألوان فهي أقل من ذلك كثيراً. كما أن أشعة الضوء تسير بخط مستقيم دائماً، فإذا اعترضها جسم غير شفاف فلن تتمكن من عبوره أو المرور حوله، ولكن الموجات الصوتية تسير في كل الاتجاهات، ويمكنها أن تلف حول الزوايا وعبر الأجسام التي تصادفها، فهي تنتقل عبر السوائل والأجسام الصلبة بسهولة فيسمعها الإنسان حتى عبر الجدران”.

9- تأثير إصابة الدماغ على السمع والبصر:

من المهم ملاحظة أن حس السمع لكل أذن يتمثل في جهتي المخ، فإذا أصيب أحد نصفي الدماغ بمرض ما، فلن يفقد المصاب السمع في أيٍّ من أذنيه، أما في حالة البصر فيتمثل كل نصف من نصفي العين الواحدة على جهة المخ المعاكسة لها، فإذا ما أصيب الدماغ بمرض في أحد نصفيه فقد المصاب البصر في نصفي عينيه المعاكسين لجهة الإصابة.

10- فقدان حاستي السمع والبصر:

من المعلوم أن المولود الذي يولد فاقداً لحس السمع يصبح أبكم، بالإضافة إلى صممه، ولن يتمكن من تعلم النطق والكلام، أما الذي يولد فاقداً الحس البصري فإنه يتمكن من تعلم النطق وبسهولة، وهذا على ما يظهر ترافق لفظ “الصم” مع “البكم” والله أعلم. قال تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [البقرة:18]، {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة:171].

عند فقدان حس البصر تقوم المنطقة البصرية المخية بوظائف ارتباطية، فترتبط وظيفيّاً مع المناطق الارتباطية الدماغية الأخرى، فتزيد من قابلية الدماغ على حفظ المعلومات والذاكرة والذكاء، ولا تقوم المناطق السمعية – لسبب غير معروف – بمثل هذا الارتباط عند فقدان حس السمع، ولذلك فقد نبغ الكثيرون ممن فقدوا حس البصر، ولم ينبغ أحد ممن فقد حس السمع إلا نادراً، مما يدل على أهمية حس السمع والمبالغة في تخصص مناطقه المخية.

ولا بد هنا من الإشارة إلى المحيط الأولي والمجتمع الذي نزل فيه القرآن الكريم، إذ إنه تميز بطبيعة سمعية أكثر منها بصرية، فليس هناك في الصحاري منبهات بصرية بقدر ما فيها من منبهات سمعية، كما كان مجتمع ذلك العصر مجتمعاً سمعيّاً أكثر منه بصريّاً؛ فالآيات القرآنية الكريمة كانت تُسمع وتُحفظ في الصدور، وتتناقل عن طريق الرواة، وبالرغم من أن كتّاب الوحي كانوا يدونونها إلا أن القرآن الكريم لم يعمم على الأمصار إلا في زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وبقيت الأحاديث النبوية الشريفة غير مدونة لوقت متأخر، ولعل السبب في ذلك يعود إلى قلة من كانوا يجيدون القراءة والكتابة، إذ قيل: “إن عددهم في مكة عند ظهور الإسلام لم يتجاوز بضعة أفراد” كما أن العرب لم يدونوا شعرهم الغزير حتى وقت متأخر، ولكنه كان يحفظ وترويه الرواة ويلقى في الأسواق والمناسبات فيستمع الكل إليه.

11- تولد الإدراك من خلال المعلومات السمعية والبصرية:

أما عن كثرة المعلومات البصرية التي ترد الجسم بالنسبة للمعلومات السمعية القليلة نسبيّاً التي تصل إليه فلا بد أن نعرف أن كثرة المعلومات لا تعني دائماً أنها تولد إدراكاً، ومفاهيم أكثر وأعمق في دماغ الإنسان مما تولده المعلومات السمعية على قلتها؛ فالذاكرة السمعية أرسخ من الذاكرة البصرية، والرموز الصوتية تعطي مدلولات ومفاهيم أكثر من الرموز الضوئية، فمن المعلوم (مثلاً) أن نطق الكلمة الواحدة بلهجات ونغمات متباينة تنقل للسامع مفاهيم مختلفة، ولو كتبنا الكلمة نفسها بمختلف الصور الخطية لنقلت دائماً لقارئها مفهوماً واحداً لا غير، ومن المعلوم جيداً أن الأفلام الصامتة لا توصل من المعلومات إلا جزءاً يسيراً مما يمكن أن تنقله الأفلام الناطقة.

هذه الحقائق العلمية لم تكن معروفة قبل أربعة عشر قرناً، ولم يعرف الكثير عنها إلا في العقود الأخيرة من هذا القرن، حتى إن من العلماء من كانوا يرون أن حس البصر أهم من حس السمع، ولكن الدراسات العلمية الحديثة كشفت الكثير من الحقائق الناصعة التي تبين بكل وضوح وجلاء الإعجاز العلمي في الآيات البينات التي قدمت “السمع” على “البصر” لأسبقيّته في الخلق والتطور العضوي والوظيفي، وللميزات الكثيرة لحس السمع على حس البصر، وصدق الله العظيم القائل: {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت:53].